قضايا وآراء

فصل المقال فيما بين الثقافة والإعلام من اتصال

يحيى اليحياوي
1300x600
1300x600
 لنطرح السؤال، مادة هذه المقالة، بصورة مباشرة: ما الذي يجمع الثقافة بالإعلام في مطلع هذه الألفية، الألفية الثالثة، وما الذي يفرق بينهما؟
 
ثمة ثلاثة مستويات أساس لا بد من التوقف عندها لفهم طبيعة العلاقة بين الإعلام والثقافة خلال هذه العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين:
 
+ المستوى الأول ويقف عند حقيقة أننا نعيش، منذ أكثر من عقدين من الزمن، على وقع ثورة تكنولوجية عميقة وشاملة طالت علوم الأحياء والبيوتكنولوجيا وعلوم الأرض والفضاء، لكنها تمظهرت أكثر وبقوة كبيرة على مستوى تكنولوجيا الاتصالات والمعلوميات والسمعي البصري والنشر الإلكتروني وقواعد البيانات وبنوك المعطيات...وغيرها.

 بالتالي، فإن جزءا كبيرا من المخزون الثقافي للإنسانية، بكل أنواعه وأحجامه، بات يعالج معلوماتيا وببرامج متخصصة، وأصبح يخضع للتداول بسرعة عالية عبر العديد من نظم المعلومات والأقمار الصناعية والشبكات الإلكترونية وما سواها.

 معنى هذا أن تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال نجحت وإلى حد كبير، في موسطة العلاقة بين الثقافة كمنتج رمزي وبين تقنيات الاتصال كبنية تحتية للإرسال والتلقي والترويج. ومعناه أيضا أن تقنيات الإعلام والمعلومات والاتصال مكنت، وستمكن أكثر خلال العقود القادمة، من رقمنة المنتوج الثقافي وحفضه وتوزيعه وترويجه على نطاق واسع.

 
بالتالي، فلا يمكن للثقافة، في الألفية الثالثة، أن تستغني عن الاتصال (في بعده التقني على الأقل) من خلال الانترنيت والأقمار الصناعية وبنوك وقواعد المعطيات...الخ، وإلا لحكمت على نفسها بالانغلاق والتقوقع...وهذا قول لا علاقة له بالخصوصية أو بالذاتية أو بالتميز والتمايز أو بما سواها.
 
+ المستوى الثاني هو أنه بقدر ما يخدم الإعلام الثقافة، فإن الثقافة بدورها تخدم الاتصال والإعلام كمضامين وكمحتويات، لأنها هي مادته وأداته أيضا، أي لا يمكن أن يكون هناك اتصال بدون معطيات ومعارف ورموز. ثم إن الثقافة تخدم الاتصال لأنها هي الوحيدة التي من شأنها أن تزيح الطابع التجاري والميركانتيلي عن الاتصال. بمعنى أنه كلما اقترب الإعلام والاتصال من الثقافة كلما تقلص حجم السلعة بداخله وتزايدت نسبة الثقافي بداخله.
 
+ المستوى الثالث، هو أن الثقافة هي في أصلها وجوهرها معلومات ومعطيات ورموز ذات طبيعة مختلفة، تتحول تدريجيا إلى معارف ثم إلى معرفة ثم إلى ثقافة. أي أن كل المعلومات والمعطيات والرموز تصبح نهاية المطاف (بنسبة معينة) ثقافة، بعدما تمر من مرحلة المعارف والمعرفة، شريطة أن يضمن للأفراد حق الوصول إلى هذه المعلومات، ثم ضمان القدرة لديهم على تملكها تدريجيا ثم إخضاعها لنظام القيم الذي من شأنه أن يهضمها ويصهرها بطريقته. هذا التسلسل ليس خطيا بل جدلي المنحى، تدريجي وطويل المدى تماما كما هو الحال بالنسبة لمقولة روني ماهو عن التنمية والثقافة: "التنمية هي العلم عندما يصبح ثقافة".

 ما الآية من سياق هذه المستويات الثلاثة؟
 
الآية هو أن هناك علاقة موضوعية ثابتة بين الثقافة والإعلام، ستتكرس أكثر على ضوء ثورة التكنولوجيا الاتصالية والمعلومات والمعرفة، وستتعمق أكثر بجهة تعميق البعد الإعلامي للثقافة وتوسيع البعد الثقافي للإعلام.

 مقابل ذلك، هناك أكثر من عامل تنافر وممانعة بين الثقافة والاتصال، ليس فقط على مستوى طبيعة كل منهما ولا على مستوى وظيفتهما، ولكن أيضا على مستوى خلفية وفلسفة الاشتغال الثاوية خلف كل واحد منهما.

- أولا، الثقافة تحيل على الزمن الطويل، على المدة، في حين أن الاتصال يحيل على الزمن القصير، على الآني، على الراهن لا على المستقبل. بالتالي لا يمكن المزاوجة بينهما ما دام سلم التفكير مختلف لديهما: الثقافة تعمل على مراكمة المخزون الرمزي، في حين أن الاتصال لا يمكنه ذلك لأنه ابن اللحظة وابن الآنية.

ثم أن الدراسات المتوفرة تبين بجلاء أن ما يروج على كونه معلومات أو اتصال لا يحتفظ الإنسان المتوسط منه إلا بنسبة  عشرة بالمائة، وهذه العشرة بالمائة هي التي تنصهر في الثقافة وفي منظومة القيم بالمحصلة النهائية.

 - ثانيا، الثقافة تسائل الإشكال، تموضعه، تضعه في سياقه العام، في حين أن الإعلام يسطحه ولا يتعامل معه إلا وفق مبدأ الرأي العام. بالتالي، فالعديد من القضايا الثقافية الإشكالية الكبرى غالبا ما يميعها الإعلام، فيصبح المثقف بازائها رجل اتصال عوض أن يكون رجل ثقافة.
بمعنى أن الثقافة تتعامل مع الظواهر في استقرارها وديمومتها، عكس الإعلام الذي ينظر إليها في سياق وقوعها وانتشارها ولحظة موسطتها عن طريق هذه الأداة أو تلك.
 
- ثالثا، الاتصال يقتل التواصل، والذي هو من صلب العملية الثقافية بامتياز.
معنى هذا أن الثقافة هي تواصل بين طرفين، في حين أن الاتصال يبقى محكوما بمنطق الإرسال، فيبقى بذلك مبتورا في بعد التلقي.
 
هذه، في اعتقادنا، هي العلاقات الأساسية التي تربط الثقافة والإعلام في سياقها العام.
هل من الضروري ربطهما في إطار بنية مؤسساتية واحدة؟

إذا كان الجواب بالإيجاب، فيجب أن يخضع لشرط أن يكون الربط موضوعيا لا إجرائيا أو تقنيا. ويكون محكوما برؤية واضحة لما نريد أن تكون عليه الثقافة وما نريد أن يكون عليه فضاء الإعلام والاتصال. أما إذا كان الجواب بالسلب، فإن عملية تنسيق جوهرية بين طرفي المعادلة مطلوبة وإلا لأفرغ الإعلام من بعده الثقافي، وحرمت الثقافة من أداتها في الاتصال والتواصل.
0
التعليقات (0)