أفكَار

إسلاميو السودان نموذج للفصل بين الدعوي والسياسي (3-1)

لم يُعرف للحركة الإسلامية السودانية إسهام في الحركة الوطنية لكنهم انخرطوا مبكرا في بناء الدولة
لم يُعرف للحركة الإسلامية السودانية إسهام في الحركة الوطنية لكنهم انخرطوا مبكرا في بناء الدولة

لم يأخذ موضوع تحالفات الإسلاميين السياسية حظّه من البحث والدراسة، وذلك لأسباب عديدة منها طول أمد العزلة السياسية التي عاشها الإسلاميون بسبب تحالفات النظم الحاكمة مع بعض القوى السياسية، واستثناء الإسلاميين من هذه التحالفات، بناء على قواسم أيدولوجية مشتركة بين الأنظمة ونلك التيارات.

لكن، مع ربيع الشعوب العربية، ومع تصدر الحركات الإسلامية للعمليات الإنتخابية في أكثر من قطر عربي، نسج الإسلاميون تحالفات مختلفة مع عدد من القوى السياسية داخل مربع الحكم، وترتب عن هذه التحالفات صياغة واقع سياسي موضوعي مختلف، ما جعل هذا الموضوع  يستدعي تأطيرا نظريا على قاعدة رصد تحليلي لواقع هذه التحالفات: دواعيها وأسسها وصيغها وتوافقاتها وتوتراتها وصيغ تدبير الخلاف داخلها، وأدوارها ووظائفها، وتجاربها وحصيلتها بما في ذلك نجاحاتها وإخفاقاتها.

يشارك في هذا الملف الأول من نوعه في وسائل الإعلام العربية نخبة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين العرب، بتقارير وآراء تقييمية لنهج الحركات الإسلامية على المستوى السياسي، ولأدائها في الحكم كما في المعارضة.

اليوم يفتح الكاتب والإعلامي السوداني الدكتور خالد التيجاني، مسيرة الحركة الإسلامية السودانية من الداخل، وتفاعلات قياداتها مع التطورات السياسية في السودان والإقليم والعالم.

الحركة الإسلامية السودانية نموذج للفصل بين الدعوي والسياسي

  
من بين العديد من الحركات الإسلامية الخارجة من عباءة جماعة الإخوان المسلمين، التي يوشك أن يمر قرن على نشأتها في مصر، تميّزت الحركة الإسلامية في السودان بالكثير من السمّات الخاصة في مسيرتها التي فاقت سبعة عقود منذ نشأتها في منتصف أربعينيات القرن الماضي، ليس أقلها أنها اتخذت لها أسماء وأشكالاً متعددة من واقع أجندتها السياسية وتحالفاتها على وقع تحولات الصراع السياسي المحتدم في السودان، منذ خواتيم العقد الأخير قبل نيل البلاد استقلالها من بريطانيا في العام 1956، واستمر لأكثر من ستة عقود بعد ذلك، كان أظهر عوامله وصول الحركة الإسلامية في السودان إلى السلطة بانقلاب عسكري في 30 حزيران / يونيو 1989، واستمرت في الاحتفاظ بها لنحو ثلاثة عقود حتى الآن، هي الفترة الأطول لحكم وطني في تاريخ السودان الحديث.

 

إقرأ أيضا: إسلاميو السودان.. قصة النشأة والمعارضة والحكم (1من3)

كما كان وصول أول حركة إسلامية للسلطة حدثاً استثنائياً في حد ذاته انتقل معه "الإسلام السياسي" من مربع الشعارات إلى أرض الواقع والتجربة العملية، فماذا كان حصاد هذا "الإمتحان" سواء على الصعيد الذاتي للحركة في البعد السوداني، أو على امتداد فضاء الحركة الإسلامية في تمثّلاته المختلفة عالمياً؟

ردا على المد الشيوعي

جاءت نشأة الحركة الإسلامية السودانية في أول أمرها كردة فعل لدخول الشيوعية إلى معترك الحياة السياسية في السودان في بلد يتمتع بحضور عميق للإسلام في الوجدان الشعبي الذي أسهمت الصوفية بطرقها المتعددة في نشره وفي ترسيخ جذوره على نحو يتماهى مع مجتمع تغلب عليه "الأبوية". 

 

كان وصول أول حركة إسلامية للسلطة حدثاً استثنائياً في حد ذاته انتقل معه "الإسلام السياسي" من مربع الشعارات إلى أرض الواقع والتجربة العملية

وحول هذا البعد الصوفي التقليدي جاءت نشأة الأحزاب السياسية السودانية منتصف أربعينيات القرن الماضي وتمحورت حول طائفتين رئيسيتين هما "الأنصار" من أتباع السيد محمد أحمد الذي قاد الثورة المهدية التحريرية أواخر القرن التاسع عشر، وطائفة "الختمية" بزعامة السيد علي الميرغني، لم يستطع المتعلمون الذين شكلوا "مؤتمر الخريجين" في 1938 على غرار "المؤتمر الهندي" لمقاومة الاستعمار والمطالبة بالإستقلال، شق طريق مستقل للنخبة الوليدة، فالتف المطالبون بالاستقلال حول حزب الأمة الذي يستند على الإرث الأنصاري، بينما التف المطالبون بالاتحاد مع مصر حول زعامة الميرغني.

لم يُعرف للحركة الإسلامية السودانية دور معلوم في النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني، الذي انخرطت فيه القوى السياسية الأخرى بوضوح بما في ذلك الشيوعيون، انصرف جهد الحركة لمقاومة المدّ الشيوعي في الوسط الطلابي في الجامعات والمدارس الثانوية وبعض القطاعات الحديثة، واستمدت في هذا الخصوص الكثير من تكتيكات الشيوعيين في العمل التنظيمي وحققت نجاحاً مقدراً من خلال تسجيل حضور فاعل لا سيما في جامعة الخرطوم، مكنت بعض رموزها من الصعود إلى قيادة اتحاد الطلاب، كما أسهمت على الرغم من محدودية دورها السياسي كجماعة ضغط في أواخر الخمسينيات في تعزيز طرح قضية الدستور الإسلامي في الفضاء العام، غير أن صعودها السياسي ترافق مع إرهاصات ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بأول حكومة عسكرية في السودان بقيادة الجنرال إبراهيم عبود التي وصلت للسلطة بانقلاب في العام 1956 بعد عامين فقط من الاستقلال منهية أول تجربة ديقراطية في البلاد، فقد برز حسن الترابي الأستاذ بجامعة الخرطوم القادم لتوه من بعثته الدراسية في فرنسا من التحريض على الثورة ضد الحكم العسكري في ندوة أقيمت بالجامعة قادت تداعياتها إلى اندلاع انتفاضة شعبية أطاحت بحكم عبود.

شاركت في إسقاط نظام عبود

مهّدت مشاركة الترابي في إشعال الثورة إلى مشاركة الحركة الإسلامية لأول مرة في السلطة بوزير مثلها في الحكومة الإنتقالية التي أعقبت سقوط النظام العسكري، كما قادت إلى تأسيس حزب سياسي باسم جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة الترابي، وهو تحالف ضم إلى جانب الحركة، جماعة أنصار السنة، وطائفة من المجموعات الصوفية، حملت أول دلالة على وجهة العمل السياسي ضمن إطار تحالفي أوسع، فضلاً عن أنه كان أول تطبيق لفكرة فصل الدعوي عن السياسي في وظائف الحركة التي احتفظت بوجودها بقيادة مستقلة، فيما أصبحت جبهة الميثاق بمثابة ذراعها السياسي.

 

برز حسن الترابي الأستاذ بجامعة الخرطوم القادم لتوه من بعثته الدراسية في فرنسا من التحريض على الثورة ضد الحكم العسكري

وفازت الجبهة ببضع المقاعد في أول انتخابات عامة ضمنت وجودها في البرلمان، ومع ذراع إعلامية فعّالة استطاعت أن تشكل حضوراً سياسياً لافتاً، تعزّز أكثر مع تقارب وثيق مع الصادق المهدي الذي بدأ نجمه السياسي يصعد بخلافة والده في زعامة البيت المهدوي، وكذلك مع بعض القوى من جنوب السودان، وعلى نحو عام تجذّر الوجود السياسي للحركة الإسلامية في حقبة الستينيات، ولعبت دوراً أكبر من حجمها الإنتخابي، من خلال هذه التحالفات التي نجحت في العام 1966 في قيادة حملة أدت إلى حلّ الحزب الشيوعي وطرده من البرلمان على خلفية اتهامات لأحد منسوبي الحزب بالإساءة للإسلام.

انقلاب نميري

غير أن هذا الحضور السياسي الفاعل تأثر سلباً بعامل داخلي بحدوث صراع داخل الحركة الإسلامية بين تيار التربويين والسياسيين، وانتصار الأخير الذي قاده الترابي في أتجاه إعادة توحيد السياسي والدعوي تحت قيادته، إلا أنه في خضم هذا الصراع منيت الحركة بخسارة مساحة الحرية الواسعة التي كانت تنمو فيها بوقوع الإنقلاب العسكري الثاني في السودان في العام 1969 بقيادة العقيد جعفر نميري، وهو انقلاب جاء تحت مظلة تحالف يساري ضم تيارات القوميين العرب، والحزب الشيوعي، وكانت جبهة الميثاق وقيادتها ضمن أول ضحايا النظام الجديد الذي استقبلت معتقلاته عددا كبيرا من الإسلاميين، وشاركت الحركة في أول محاولة مقاومة مسلحة للنظام الجديد في مواجهته المسلحة مع حزب الأمة بقيادة زعيم طائفة الأنصار الأمام الهادي المهدي وذلك في آذار/مارس 1970 التي قُتل فيها، وقتل من قادة الإسلاميين محمد صالح عمر الأستاذ الجامعي الذي مثّل الحرمة الإسلامية في حكومة ثورة أكتوبر الإنتقالية.

وعلى الرغم من وجود الشيوعيين ضمن النظام الجديد لم يدم طويلاً إثر طرد الضباط الذين يمثلونهم في مجلس قيادة الثورة في نوفمبر 1970، واعتقال زعمائه السياسيين، ورد الحزب بتدبير انقلاب عسكري في تموز/يوليو 1971، فشل في الإحتفاظ بالسلطة إلا لثلاثة أيام فقط، عاد بعده نميري إلى السلطة، حيث تمت تصفيات انتقامية واسعة لقيادات الحزب وكوادره أدت إلى إضعاف ما كان يوصف بانه أقوى حزب شيوعي في المنطقة.

 

*كاتب وإعلامي سوداني

 

إقرأ أيضا: هذا ما أهداه أردوغان لأسرة الراحل حسن الترابي

التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم