أفكَار

الحراك الجزائري تجمعه الأهداف وتفرقه الهويات (2من2)

الصراع الفكري الهوياتي كان بذرة استعمارية غرستها فرنسا عن قصد لتدمير الجزائر  (الأناضول)
الصراع الفكري الهوياتي كان بذرة استعمارية غرستها فرنسا عن قصد لتدمير الجزائر (الأناضول)

على الرغم من قدرة الحاك الشعبي المستمر في الجزائر منذ شهر شباط (فبراير) الماضي، على إبطال العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فإن القائمين عليه يعتقدون أن تنحية بوتفليقة ليست كافية، وأن المطلوب هو التأسيس لانتقال ديمقراطي حقيقي بالتخلص من نظام بوتفليقة بالكامل.

ومع أن شعار الرحيل الذي يرفعه المتظاهرون في مختلف المحافظات الجزائرية لرموز النظام السابق، فإن ذلك لا يعدم الخلافات التي تعصف بمكونات الخارطة السياسية الجزائرية، لا سيما في بعدها الهوياتي.

في الجزء الثاني والأخير من تقرير الكاتب والإعلامي الجزائري حسان زاهر، الذي أعده خصيصا لـ "عربي21"، استطلاع لآراء عدد من الخبراء الجزائريين، حول هوية الحراك وخلفياته.  

مشروع نوفمبري في مواجهة مشروع الصومام

يرى الدكتور مصطفى نويصر أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر أن الحراك الشعبي المستمر منذ شباط (فبراير) الماضي يعكس الصراع المحتدم منذ الحركة الوطنية والثورة التحريرية، بين المشروع النوفمبري نسبة لبيان أول تشرين ثاني (نوفمبر) 1954، الذي فجر الثورة التحريرية الهادف لبناء دولة ديمقراطية في اطار المبادئ الاسلامية، وبين المشروع الصومامي، نسبة لأرضية مؤتمر الصومام (1956)، الذي ألغى تلك المبادئ وعوضها بمبادئ لائكية، والدليل أن الشعارات المرفوعة تشير مثلا إلى "لا صومام لا إيفيان، نوفمبر هو البيان" أو "باديسية لا باريسية".. بينما ترفع في مقابلها شعارات تدعو للمجلس التاسيسي أو الفدرلة أو ما شابه.

 


وأوضح الدكتور نويصر في حديث مع "عربي21" أنه لا يعتقد أن الصراع تحول من (علماني ـ إسلامي) إلى (عروبي ـ بربري) وإنما الصراع تعمق فقط وصار صراعا على الهوية بشكل عام، بين إما أن تكون الجزائر عربية إسلامية اوأن تكون بربرية متوسطية أو غير ذلك.. ولذلك فإن دعاة المجلس التأسيسي يؤكدون أن منظومة الحكم غير شرعية منذ 62.. وهو كلام يخفي إرادة لاعادة هيكلة الدولة الجزائرية عبر إعادة النظر في لغة الجزائريين وحتى دين الدولة ودخول الأقليات في المعادلة.. مستطردا أن رفع العلم الفلسطيني يؤشر إلى أن علم فلسطين العروبة يقف في مواجهة علم جاك بنيت الصهيوني، وفق تقديره.

أما الكاتب والأستاذ الجامعي معمر حبار فيشير المسيرات الأخيرة خاصّة أثناء شهر رمضان، حيث تفنّنت بعض الفضائيات العاصمية في إبراز بعض عناصر صراع الهوية عبر العاصمة والتي لم تكن في ولايات أخرى كانتهاك حرمة شهر رمضان علانية والدعوة لانفصال منطقة عن الجزائر ومنافسة العلم الوطني بأعلام أخرى والاستعانة بمن يهدّدون وحدة التراب الجزائري والمطالبة بتغيير مواد في الدستور كالإسلام دين الدولة ووحدة التراب الوطني واللّغة العربية وبيان نوفمبر والاستعانة بالأمم المتحدة وما يسمونه حقوق الاقليات.

غير أن الأستاذ معمر حبار استدرك في تصريحه لـ"عربي21"، قائلا: "من حسن الحظ أنّ مثل هذه الدعوات لم تتعد جهة معيّنة، ولولا الفضائيات العاصمية التي ساهمت في نشرها ما كان لها هذا الصدى لأنّ المتتبّع لا يلمس ذلك في المسيرات الأخرى عبر الولايات الجزائرية المترامية الأطراف".

 


 
وأضاف: "إن الوعاء الفكري ـ في تقديري ـ يتمثّل في الانتقال بالدولة الجزائرية من منطق الولاية والزاوية الضيّقة إلى العالمية التي تسمو على الطوائف وما يحرّض على أركان ومقومات المجتمع، وأنّ الجزائر ملك للجميع ولا يحقّ لأحد ان يمسّها بسوء، وأنّ ولايات الجزائر سواء ولا فضل لأحد على أحد ولا فضل لولاية على ولاية ولا منطقة على منطقة، والمطلوب فتح التاريخ بما يعزّز الوحدة وتماسك أفراد المجتمع لا بما يفرّق ويعمّق الهوّة بين أفراد المجتمع. وعلى الدولة أن تكون حازمة في من ينتهك وحدة التراب والمجتمع وأن لا تتساهل مع من يدعو إلى تجزئة الوطن تحت أيّ اسم من الأسماء وتعاقب بقوّة كلّ من يمزّق العلم الوطني ويهينه، وأن لا تتسامح مع من يدعو إلى تحريض أبناء الوطن ضدّ أبناء الوطن ومعاقبة كلّ من يدعو إلى انقلاب العسكر ضدّ العسكر لأنّ وحدة الجزائر من وحدة الجيش الشعبي الوطني.

محاولة لتقسيم المجتمع الجزائري

في الاتجاه الآخر، يعتقد الكاتب مصطفى بونيف أن ما يجري داخل الحراك الآن هو محاولة يائسة لتقسيم المجتمع الجزائري الذي فصل في قضية هويته عندما حمل السلاح ضد الاستعمار الفرنسي، فالشعب الجزائري ـ برأيه ـ "عربي مسلم، مع وجود البعد الأمازيغي، وهذا ما نص عليه الدستور في ديباجته السابقة، ثم تعزز بمواد دستورية كفلت هذا الملف و كفتنا شر الخوض فيه، وما نراه اليوم من إثارة لهذه النعرات يردّ إلى العصابة والدولة العميقة، كرهان منها لتكسير الحراك، والعودة إلى المربع الأول، وهي محاولة أيضا من عناصر الماك والزواف وهم وقود الدولة العميقة لفرض أجندتهم نحو تقسيم البلاد لا قدر الله".

 



وأوضح بونيف لـ "عربي21" أن الأمر لم يرق إلى درجة الصراع، حتى على المستوى الفكري والحضاري، لأنك لو سألت أي مواطن جزائري بسيط، رضع من خير هذه البلاد حتى تشبع بالقيم، لن يقبل أن تثار أمامه هذه المسائل الغريبة، بل هي مجرد هلوسات لمجانين عنصريين يتبعهم قطيع من المرضى نفسيا. معتبرا أن الشعب الجزائري كما قال الشيخ ابن باديس شعب مسلم وإلى العروبة ينتمي، وعلى الذين ضاق بهم الحرف العربي أن يبحثوا في اللغة الصينية قد يجدون هويتهم فيه.

وهو الأمر الذي يؤيده فيه الإعلامي كمال زايت الذي اعتبر بودوره أن الصراع الهوياتي مفتعل، وهو ليس داخل الحراك بقدر ما هو داخل مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الحراك طبعة الشارع والحراك طبعة مواقع التواصل مختلفان، معتقدا أن هذه النعرات هدفها تفرقة الصف، ودفع الكثيرين للانسحاب من هذه الانتفاضة الشعبية التي خرجت بهدف واحد نبيل هو تغيير النظام وبناء جزائر تسع الجميع.
 
ودلل كمال زايت على كلامه في تصريح لـ "عربي21" بما يحصل من حملات التشويه التي طالت كل الوجوه التي من شأنها لعب دور في المرحلة المقبلة، وصلت حد التخوين والاتهام بالعمالة، التي هي من فعل فلول النظام وأصحاب المصلحة في إطالة عمر الأزمة، والدليل أن هذه الحملات شملت كل الوجوه حتى شخصيات مثل اليامين زروال الرئيس الأسبق والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق، والحقوقي علي يحيى عبد النور، رغم أنهم لم يبدوا أي رغبة في لعب دور أو الطموح لتولي منصب ما، لكن بمجرد أن ظهر من يقترحهم للعب دور، دون موافقتهم، اندلعت حرب التشويه، كدليل على أن كل هذه الصراعات مفتعلة وقوة الحراك ستكون في ابطالها وتحييدها!

 



بذرة استعمارية

ومهما كانت القراءات، إلا أن صراع الهوية الحاصل اليوم في الجزائر، وتحديدا داخل فعاليات الحراك الشعبي، هو صراع غير معلن بشكل واضح، كونه يختفي وراء هدف الحراك الأول في إسقاط منظومة الحكم الفاسد وإقامة دولة المؤسسات، لكنه مع ذلك موجود ويتمظهر في شكل بروفات استعدادا للمراحل القادمة، والتي بلا شك، سيكون فيها هذا النوع من الصراع عاملا هاما في استقرار الجزائر من عدمه.

لقد أثبت تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر أن الصراع الفكري الهوياتي كان بذرة استعمارية غرستها فرنسا عن قصد لتدمير الجزائر من الداخل، حيث استطاعت تفجير التناقضات الهوياتية التي ظلت في حالة سلام دائم طوال القرون الماضية، بين الشعب الواحد، سنوات قليلة قبل تفجر ثورة التحرير، وهي الصراعات التي أثرت كثيرا وبشكل خطير في سير معركة التحرير، قبل ان تمنح فرنسا استقلالا ملغما للجزائريين، على أمل أن تعود من جديد اعتمادا على تلك الخطة الجهنيمة إلى جنتها المفقودة، كما وعد بذلك شارل ديغول عندما قال "خرجنا من الجزائر لكننا سنعود بعد عشرين أو ثلاثين سنة"، وبالفعل استطاعت أن تعود فرنسا إلى حكم الجزائر بالوكالة بفضل أذنابها في 1992 أي بعد 30 سنة بالضبط من الاستقلال، قبل ان يتم الإطاحة بها أخيرا في انتفاضة الشعب الأخيرة، بقيادة جيش نوفمبري فهم أبجديات الصراع الهوياتي وكيف استخدمته فرنسا للسيطرة على الجزائر.

اليوم، الأزمة السياسية الحاصلة والانسداد في ايجاد الحلول ما هي الا انعكاس آخر لهذا الصراع الخفي، وهو ما عبر عنه الباحث المعروف لخضر بن كولة عندما قال: "إن الأزمة السياسية التي تشهدها الجزائر ما هي إلا ستار تختفي من ورائه حرب أفكار وصراع حضاري بين الأصالة والتغريب"، وهي الحرب التي ترجح فيها الآن لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة، كفة أبناء الجزائر الحقيقية، بامتدادها الحضاري العربي الإسلامي، على حساب أبناء فرنسا ودعواتهم المشبوهة للفضاء المتوسطي الهجين، بعد أن استرجع الشعب مؤسسته العسكرية وهو يأمل الآن أن ترافقه الى بناء جزائر كما حلم بها الشهداء.


سيكون ذلك ممكنا.. فقط لو أمسكت ممالك الشر الأعرابية يدها عن التدخل في هذا الصراع بتحريفه ضد جزء من المكونات السياسية الجزائرية كالإخوان المسلمين مثلا، لأننا حينها لا قدر الله، سندخل منعرجا آخر من الصراع العدمي البليد.

التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم