قضايا وآراء

"قمة كوالالمبور" ما بين الحلم والتحدي

أميرة أبو الفتوح
1300x600
1300x600
اتحاد الدول الإسلامية في كيان واحد، حلم ظل يراود المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، منذ ما يقرب من مئة عام، أي منذ سقوط الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وتوزيع تركتها على الدول الاستعمارية المنتصرة، فكانت اتفاقية "سايكس بيكو" التي قسمت الدولة الإسلامية إلى دول ودويلات وإمارات، فضاعت الأمة بين الضباع.. الكل ينهش في لحمها ويسرق خيراتها، ولا أحد من أبنائها يستطيع الدفاع عنها، أو حتى يتكلم باسمها.

فالكل تابع لتلك الدول الاستعمارية التي حرصت يوم رحيلها عن المنطقة أن تنصب وكلاء لها ليديروها، بدلا من المواجهة الصريحة مع شعوبها، ويظل القرار في يدها هي دون غيرها، وما هؤلاء الحكام الجدد إلا دمى تمسك بخيوطها، تحركها كيفما تشاء ومتى تشاء!!

وما مرحلة الاستقلال، كما أطلقوا عليها، إلا أكبر أكذوبة في التاريخ فـ"الاستعمار لم يأخذ عصاه ويرحل" تلك العبارة البراقة التي أوهموا بها جيل الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم. ففي ظل هذا الاستقلال المزعوم، كثرت المشكلات وتفاقمت الأزمات وازداد الفقر، ولم تنعم الشعوب بخيرات بلادها كما كانوا يزعمون، بل ظل المستعمر ينهبها كما كان من قبل، بل ازداد عليها ما يسرقه الوكيل من خزائنها دون حساب ولا رقيب ليضعه في بنوك تلك الدول الاستعمارية كي يضاف لسرقاتها العلنية..

وغابت الحريات التي ثارت الشعوب من أجل الحصول عليها، وازداد الظلم، فكل وكيل في دولة يريد أن يثبت ولاءه للحاكم الأصلي، وأنه يؤدي وظيفته على أحسن وجه ويتحكم في البلاد، ويكبح جماح شعبه كي يرضخ لما خُطط له. وازدادت أوضاع المواطنين سوءا عما كانت عليه إبان الاحتلال المباشر، وحدثت مجازر كثيرة، كمجزرة "دير ياسين"، ودخلت الأمة في حروب مع العدو الصهيوني، وانهزمت فيها جميعا واحتلت المزيد من الأراضي العربية وضاعت القدس.

وفي ظل هذا الاستقلال الوهمي، غرقت الأمة في مستنقع الخيانة والغدر، وغابت في التيه، وتخلفت عن الركب الحضاري التي كانت الأولى في إضاءة شعلته للبشرية، حينما كان الغرب يعيش في ظلمات الجهل والتخلف!

في عام 1969 أنشئت منظمة المؤتمر الإسلامي، بعد حريق المسجد الأقصى من قِبل المجرم الأسترالي "مايكل دينس روهن"، وما قابله من مظاهرات غاضبة خرجت في كافة البلدان الإسلامية للمطالبة بالثأر وتحرير القدس، فرأت الدول الإسلامية أن تهدئ من غضب الشعوب الإسلامية بتلك المنظمة التي وصفت نفسها حينذاك بأنها "الصوت الجماعي للعالم الإسلامي" وأنها تهدف لحماية المصالح الحيوية للمسلمين، حيث طرح آنذاك مبادئ الدفاع عن شرف وكرامة المسلمين المتمثلة في القدس وقبة الصخرة، وتبني دستورها تقوية التضامن والتعاون بين الدول الإسلامية في الحقول الاجتماعية والعلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية.

ولها بعثة دائمة في الأمم المتحدة، وتضم 57 دولة من المنطقة العربية وأفريقيا وآسيا وشبه القارة الهندية والبلقان.

ولنا أن نتساءل بعد مرور خمسين عاما على إنشائها: ماذا فعلت تلك المنظمة الإسلامية، للقضايا الإسلامية المطروحة على الساحة؟ ماذا فعلت هذه المنظمة الإسلامية تجاه اضطهاد الحكومات لمواطنيها المسلمين، وهي ترى بأم العين المجازر الوحشية التي تُرتكب في حق مسلمي الروهينغيا في ميانمار، ومسلمي الإيغور في الصين، ومسلمي كشمير في الهند، والقانون العنصري البغيض الذي يُحرم مسلمي الهند من جنسية بلدهم؟!

بل ماذا فعلت لقضية القدس ذاتها التي تأسست من أجل تحريرها؟! ومن المفارقات التي تدعو للأسف والأسى وربما للسخرية السوداء، أنهم قرروا أن تكون جدة مقرا مؤقتا للمنظمة، بانتظار تحرير القدس حيث ستكون المقر الدائم لها، ولكن منذ تولي الصبي المغرور "محمد بن سلمان" ولاية العهد في المملكة السعودية عمل على نزع القدس من فلسطين مع كبرائه في البيت الأبيض وباتفاق مع صديقه "كوشنير"، واستدعى رئيس السلطة الفلسطينية الوهمية "محمود عباس" لتهديده بأن ينسى القدس نهائيا، وان يقبل بقرية "أبو ديس" عاصمة لدولة فلسطين "المزعومة".

ولقد أكد مستشارو البيت الأبيض أن "ترامب" تشاور مع حكام دول عربية، من بينهم ولي العهد السعودي، قبل اتخاذ قراره باعتبار القدس الموحدة عاصمة للكيان الصهيوني، وأنهم وافقوا جميعا، ولذلك لم يعترض أحد منهم عند إعلان "ترامب" القرار ولا عند نقل السفارة الأمريكية إلى القدس..

لكن إحقاقا للحق، فلا بد من الإنصاف وأن نذكر أيضا ما أنجزته تلك المنظمة طيلة الخمسين عاما الماضية، وهو تغيير اسمها من "منظمة المؤتمر الإسلامي" إلى "منظمة التعاون الإسلامي" وإقالتها لأمينها العام "إياد أمين مدني" لأنه سخر من السيسي وثلاجته الفارغة إلا من الماء!!

هذه المنظمة الفاشلة والتي تديرها السعودية تبعا لأهوائها الصهيونية، تندد بتجمع إسلامي مخلص للأمة من قادة مسلمين من أولي العزم والإرادة والهمم العالية، يريدون حل أزماتها ومشاكلها، ويهدفون إلى إخراج الأمة الإسلامية من كبوتها، كي يعيدون لها أمجادها الحضارية المشرفة التي أضاعها أمثال هؤلاء الحكام الذين يديرون تلك المنظمة!

إن "قمة كوالالمبور" ما هي إلا نواة لحلم المسلمين جميعا، لطالما انتظروه طويلا، فالعالمين العربي والإسلامي في أشد الحاجة لقيادة جديدة تنتشلهما من مستنقع الضياع والتخلف والتشرذم، وتوصلهما إلى عالم التكتلات الكبرى التي أصبحت تحكم العالم. إن مبادرة مهاتير وأردوغان لعقد قمة إسلامية خطوة جدية وهامة لتحقيق ذلك الأمل الذي تتطلع إليه كل الشعوب الإسلامية.

لقد جاءت فكرة هذه القمة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة في أيلول/ سبتمبر، خلال لقاء جمع بين رئيس الوزراء الماليزي "مهاتير محمد" ورئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان". ولقد سبقها في عام 2014 في ماليزيا أيضا، تجمع إسلامي من مفكرين وباحثين وضعوا أفكارا وحلولا عملية لمشاكل المسلمين حول العالم، هذه الأفكار والحلول وضعت أمام هذه القمة الإسلامية المصغرة، والتي غاب عنها للأسف الشديد أحد مؤسسيها، رئيس الوزراء الباكستاني، بعد تهديد ولي العهد السعودي له بترحيل أربعة ملايين عامل باكستاني من السعودية واستبدالهم بالعمالة البنغالية، وسحب الودائع السعودية من البنك المركزي الباكستاني، كما صرح الرئيس "أردوغان"، مضيفا أن "مثل هذه المواقف التي تصدر عن السعودية وإمارة أبو ظبي ليست الأولى من نوعها". وأضيف من عندي، ولن تكون الأخيرة بالطبع، ولكن دائما وأبدا ما تعود تلك المواقف الحاقدة الحمقاء عليهما بالوبال والخسران.

كما غاب عنها أيضا رئيس وزراء إندونيسيا، واكتفى بإرسال وزير خارجيته، تحت الضغوط المماثلة من دولتي الشر، السعودية والإمارات، ونظامهما المتصهين، فلا يريدان الخير للأمة الإسلامية، بل ويتآمران عليها أيضا. يكفي أن تعرف أنه أثناء انعقاد القمة دعا ولي العهد الإماراتي إلى تحالف عربي إسرائيلي في مقال له، وبالطبع رحب سيده نتنياهو بهذا العرض المجاني من سفيه أشد عداوة للأمة منه!!

السعودية تريد أن تقود الأمة الإسلامية، مستغلة وجود الحرمين الشريفين على أرضها وأنها أحق بالزعامة، ولا تسمح لأية دولة أخرى أن تأخذ هذه الراية منها، وتسحب هذا البساط من تحت قدميها، فهي على استعداد أن تهدم المعبد ومن فيه ولا أحد يأخذ منها تلك الزعامة الزائفة، وهي ترى في تركيا منافسا قويا لها في العالمين العربي والإسلامي، لهذا تعادي تركيا وتحيك ضدها المؤامرات، هي ورفيقتها دولة المؤامرات العبرية. وليست محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ببعيدة، حيث كانتا ضالعتين فيها، وتتعاملان معها بأسلوب المكايدة البعيد تماما عن عالم السياسة والعمق الاستراتيجي للدول، مما يدل على جهل كبير في الجغرافيا والتاريخ، وأنهما لا تزالان تعيشان في زمن "داحس والغبراء". فنجد السعودية مثلا ترسل وزير خارجيتها "العساف" لقبرص قبل القمة وتعلن دعمها المالي والسياسي لها، وكذلك يستقبل ولي العهد الإماراتي رئيس البرلمان القبرصي ويعلن دعم بلاده لقبرص.

فالسعودية والإمارات تتوهمان بأنهما بهذه التصرفات الصبيانية تستطيعان تهديد أمن تركيا القومي عبر خاصرتها من جهة، ودعمهما للفصائل الكردية (قسد) في شمال سوريا من جهة أخرى. وهذا موضوع طويل يحتاج لمقال آخر بمفرده، ولكن لنعد لقمة "كوالالمبور".

بعيدا عن الممارسات الصبيانية لبني "سلمان وزايد"، ومحاولاتهما الدؤوبة لعرقلة القمة وإفشالها ومنع قادة الدول من الحضور. فمنذ متى كان نجاح القمم وتحقيق أهدافها يُقاس بحضور الرؤساء بأنفسهم؟ لقد شبعنا حتى التخمة من حضورهم، سواء في القمم العربية أو الإسلامية لأخذ الصور وهم يكيدون لبعضهم البعض، ويلقون الخطب النارية ذات الكلام المعسول ثم يغادرون حتى قبل انتهاء المؤتمر، لينفض المولد ولا يتحقق شيئا مما قالوه أو وعدوا به!

إن حضور القادة للقمم يُعد شكلا بروتوكوليا ليس أكثر، أما الاتفاقات فهي بين الوزراء. وكما قال وزير الاقتصاد الماليزي: "لقد غابت باكستان وإندونيسيا، لكن التعاون والاتفاقات والعلاقات بيننا وبينهما تبرم كل يوم ولم ولن تنقطع".

لا شك في أن حضور الرئيس الإيراني "حسن روحاني" كانت "ضربة معلم"، فقد أعطى للقمة ثقلا وعمقا أكثر وأبعدها عن الشكل الطائفي. فالدول الإسلامية بجناحيها "السني والشيعي" تشكل معا اللبنة الأولى لكيان إسلامي قوي، لتصبح قوة فاعلة في موازين عالم اليوم الذي يعاد تشكيله ورسم خرائطه من جديد. فهذه الدول المشاركة في القمة تشكل قوة كبرى في العالم من حيث عدد سكانها، والذي يبلغ نحو 600 مليون نسمة، ومساحتها الجغرافية التي تمتد بين قارتي أوروبا وآسيا تزيد عن ستة ملايين كيلومتر مربع. كما تحتل هذه الدول مراكز متقدمة ضمن أكبر 50 دولة من حيث الناتج المحلي، والقاسم المشترك بينها أن اقتصادها لا يعتمد على مواردها الطبيعية (معظمها دول غير نفطي) بل يعتمد على إنتاجها ومواردها البشرية، وربما لهذا جاء عنوان القمة "دور التنمية في تحقيق السيادة الوطنية".

ولقد بحثت هذ الدول عن أفضل الحلول الفعالة والقابلة للتطبيق على أرض الواقع للمشكلات التي تواجهها الأمة الإسلامية، في إطار فهم معاصر وشامل لتحقيق أعلى قيم الإسلام وسيادة الأمة، كما تسعى إلى تحقيق عدة أهداف أبرزها استعادة أمجاد الحضارة الإسلامية، ولقد لخصها الدكتور "مهاتير محمد" في خطابه في النقاط التالية:

أولا: البحث عن حلول لوقف الحروب وعمليات التهجير والقتل والاستبداد في العالم..

ثانيا: التعاون بين الدول الإسلامية في مجال التكنولوجيا والصناعات العسكرية والتجارة البينية، حيث أن كلا من ماليزيا وتركيا وباكستان تحظى بتقدم في هذا الجانب..

ثالثا: صياغة آليات لمواجهة إسرائيل في جرائمها بحق الشعب الفلسطيني..

أما الرئيس "رجب طيب أردوغان"، فقد أضاف ثلاثة أهداف أخرى للقمة هي:

رابعا: القضاء على الفقر في العالم الإسلامي من خلال جمع الزكاة وتوزيعها بشكل عادل لما بقي فقير في الأمة..

خامسا: العمل من أجل نظام عالمي جديد لا يمنح الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الحق في التحكم في 1،7 مليار مسلم، يشكلون ربع سكان العالم..

سادسا: البحث عن موطئ قدم ومكان في خريطة العالم للمسلمين، في ظل التغيرات العالمية التي تجري في التحالفات الدولية..

وأكمل أمير قطر الشيخ "تميم" هدفا سابعا، وهو التنمية ركن أساسي من أركان الاستقلال والسيادة الوطنية، والتنمية هنا تعني الإنسان أولا حتى يبني وطنه، والسيادة الوطنية تعني الاستقلال في اتخاذ القرار..

ثامنا: إيجاد حلول لمواجهة الحرب على المسلمين في الغرب وتقديم الصورة الحقيقية للإسلام، بعدما أصبح التحريض على الإسلام والمسلمين أداة لدى الساسة الغربيين لجلب أصوات الناخبين..

أهداف عظيمة ونبيلة، نتمنى ترجمتها على أرض الواقع بخطوات عملية، وأعتقد أن هذا هو التحدي الأكبر الذي سيواجه قمة "كوالالمبور"، كي تظل جذوة الأمل مشتعلة في صدور شعوب الأمة. ولقد أثلج صدري، ما قاله الدكتور "مهاتير محمد" في خطابه الختامي من أن بلاده وإيران وتركيا تبحث تنفيذ المعاملات بينها بالذهب ونظام المقايضة كنوع من الحماية من أي عقوبات مستقبلية محتملة عليها.

إن قمة "كوالالمبور" هي الخطوة الأولى في طريق طويل وشاق وشائك لجمع شمل الأمة وتوحيد كلمتها، وحفظ دماء المسلمين والعمل على نهضتهم وعزتهم واستقلالهم، ولا بد أن يساندها كل المحبين والمخلصين لهذه الأمة، ولنا في الاتحاد الأوروبي مثلا، فقد بدأ بثلاث دول فقط، ولكن كان قادتها يملكون الرغبة والإرادة العزيمة لتحقيق هذا الحلم، واستطاعوا من خلال التبادل التجاري أن يضموا إليهم الدول تباعا حتى أصبح بعد خمسين عاما هذا الكيان الضخم في العالم، ذا الكلمة الواحدة والموقف الواحد والعملة الواحدة، رغم كل الاختلافات بينهم، والتي تفوق اختلافات الدول الإسلامية مع بعضها البعض، ولكن بفضل قيادتهم الرشيدة استطاعوا تجاوزها وتخطوا كل العقبات التي كانت أمام تحقيق حلمهم. ونحن أيضا نستطيع إذا وُجدت هذه القيادات الرشيدة، ولقد وُجدت في مهاتير محمد وأردوغان، وإن شاء الله ستكتمل.. 

ولكن يبقي السؤال: هل سيسمح الغرب للدول الإسلامية بأن تشكل تحالفا إسلاميا دوليا لمواجهة القوى العظمي والنهوض بالعالم الإسلامي، هذا هو التحدي الأكبر الذي ستواجهه قمة "كوالالمبور". وهذا ما سأتناوله في مقالي الأسبوع القادم بإذن الله..
التعليقات (0)