حول العالم

كهوف في جبل طارق تكشف أسرار إنسان نياندرتال

تصوير لعائلة من النياندرتال في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي بشيكاغو بولاية إلينوي
تصوير لعائلة من النياندرتال في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي بشيكاغو بولاية إلينوي

استوطن إنسان نياندرتال، الذي يتميز ببنيته القوية، وقامته القصيرة، وحاجبيه الكثيفين، عدة مناطق في أوروبا لأكثر من 300 ألف سنة.


وتشير الحفريات إلى أن آخر مجموعة من سلالة نياندرتال عاشت، قبيل اندثارها، في مناطق مثل صخرة جبل طارق في الطرف الجنوبي لشبة الجزيرة الإيبيرية، واختفت آثارها منذ 28 ألف عام، وهو التاريخ الذي يُرجّح أنه شهد اندثار إنسان النياندرتال. وعُثر على أدلة جديدة تثبت أن إنسان نياندرتال أقرب شبها بالإنسان الحديث (الهومو سابينس) أو الإنسان العاقل. وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).


وأدرجت منظمة اليونسكو الكهوف الأربعة الشاسعة في صخرة جبل طارق ضمن قائمة التراث العالمي عام 2016. وبينما لم تكتشف أسرار ثلاثة كهوف منها بعد، فإن كهف غورهام يخضع لعمليات حفر واستكشاف سنوية.


ويقول كلايف فينلايسون، مدير الآثار بمتحف جبل طارق، إن هذه الكهوف كانت أشبه بمدينة لسلالة نياندرتال، فقد "اكتشفنا أنها تحتضن أكبر مجموعة من عظام إنسان النياندرتال في أوروبا، قد تعود لعشرات الأشخاص أو بضع عائلات؛ إذ كان أفراد هذه السلالة يعيشون في تجمعات صغيرة متعددة".


واكتُشفت أول جمجمة كاملة لإنسان نياندرتال بالغ في جبل طارق، عام 1848، وبعدها عُثر على عظام سبعة آخرين، بالإضافة إلى آثار عديدة كانوا يستخدمونها في حياتهم اليومية، مثل الأدوات وعظام الحيوانات والصدف.


وتشير الحفريات المكتشفة في الطبقات الصخرية، التي يُستدل منها على العصور الجيولوجية المختلفة، إلى أن أفراد النياندرتال لم يستقروا في الكهف، بل ظلوا يتنقلون منه وإليه لأكثر من 100 ألف عام.


ويرى العلماء أن منطقة جبل طارق هي آخر المناطق التي استقر فيها إنسان نياندرتال قبل اندثاره؛ إذ يعود تاريخ آخر الطبقات الصخرية التي تحوي آثاره في كهف غورهام إلى 24 ألف عام.


ويقول كلايف إن إنسان نياندترال ربما هاجر إلى المناطق الساحلية أيضا، لكن ارتفاع منسوب المياه على مدى ثلاثين ألف عام الماضية قد يكون أدى إلى إغراق الحفريات الأخرى.


ويطل الجزء الأمامي من كهف غورهام على المحيط، ويغمره ضوء الشمس، بينما يضم الجزء الخلفي المظلم عدة غرف. ووفرت الكهوف ملاذا آمنا مثاليا لإنسان نياندرتال؛ إذ كانت باردة في أشهر الصيف، ودافئة نسبيا في الأشهر الباردة.


وخلافا للصورة الشائعة عن إنسان نياندرتال، التي تظهره ككائن أخرق همجي قصير القامة يضرب كل من يقترب منه، فقد أشار عرض لدراسات أجرته باولا فيلا من جامعة كولورادو بولدر، إلى أن إنسان نياندرتال كان يشبهنا كثيرا، وفقا للتحاليل الجينية. وخلصت دراسة إلى أن الحمض النووي للإنسان الحديث والحمض النووي لإنسان نياندرتال متطابقان بنسبة 99.5 في المئة على الأقل.


ويعزو العلماء ذلك إلى أن الإنسان الحديث عندما هاجر من أفريقيا إلى أوروبا، التقى بالنياندرتال، مرات عديدة، وحدث تزاوج وتناسل. ولا يزال جميع البشر من خارج أفريقيا يحملون أدلة على هذا التمازج الجيني الذي حدث خلال عصور ما قبل التاريخ.


وخلص الباحثون في دراسة، أجريت على الآف البشر، إلى أن الإنسان الحديث لا يزال يحمل نحو 20 في المئة من الحمض النووي لإنسان النياندرتال.


وتشير الحفريات في طبقات جدران كهف غروهام إلى أن إنسان النياندرتال كان يأكل فواكه البحر والثدييات البحرية، وأشارت أدلة جديدة، نُشرت الشهر الماضي، إلى أن إنسان النياندرتال كان يستطيع السباحة. ويقول كلايف إن ثمة أدلة تثبت أن إنسان النياندرتال كان يصطاد الدلافين بطريقة ما والحيوانات الضخمة، كالماموث، ووحيد القرن الصوفي والغزلان، وربما كان يأكل جيفتها.

 

وعُثر أيضا في كهف غروهام على عظام 150 نوعا مختلفا من الطيور، تحمل الكثير منها علامات أسنان؛ ما يدل على أن إنسان نياندرتال كان يأكلها.


كما عُثر على أدلة تثبت أن النياندرتال كان يصطاد الطيور الجارحة مثل النسر الذهبي. إلا أننا لا نعرف، بعد، الكيفية التي كان يصطاد بها تلك الطيور. لكن من المؤكد أنه لم يكن يصطادها ليأكل لحومها فقط.


ويقول فينلايسون إن معظم علامات القطع التي وجدناها على بقايا الطيور كانت عند عظام الأجنحة التي لا تتضمن إلا القليل من اللحم، ويبدو أنهم كانوا يصطادون هذه الطيور للحصول على ريشها.

 

وكانوا يفضلون الطيور ذات الريش الأسود، ربما لاستخدامه في أغراض الزينة مثل الحلي.


وأعاد كلايف وفريقه تمثيل بعض عادات النياندرتال، مثل تشريح نسر نافق لفصل جسمه عن غطائه الريشي، وتحويله إلى رداء ريشي أسود. ويقول كلايف إن إنسان النياندرتال ربما كان يضعه على كتفيه.

 

وفي عام 2014، اكتشف كلايف وزوجته، جيرالدين، علامات على جدار كهف غورهام شكلت أول دليل على المهارات الفنية لإنسان النياندرتال. وأثبت علماء الآثار أن هذه النقوش كانت مقصودة؛ لأن الحفر تطلب مجهودا ذهنيا.


واكتشف العلماء أيضا أدلة على أن إنسان النياندرتال كان يستخدم المحار وصبغات المغرة الحمراء لأغراض الزينة، وهذا يدل على أن إنسان النياندرتال امتلك قدرات كان يُعتقد أنها حكر على الإنسان الحديث.


وفي عام 2013، بحث فريق من جامعة نيو إنجلاند الأسترالية عن العظم اللامي لدى النياندرتال، الذي يلعب دورا مهما في الكلام. وخلص الباحثون إلى أن هذه العظام لدى النياندرتال تشبه نظيرتها لدى الإنسان الحديث، وهو ما يعني أنهم كانوا يتحدثون كما يتحدث الإنسان الحديث.


وطالما أن إنسان النياندرتال كان يتكلم، فإن هذا يعني أنه كان يتبادل المعلومات عن أشياء مثل تصنيع الأدوات، وربما تعلم منه الإنسان الحديث بعض المعلومات.


وعثر باحثون من جامعة ليدن بهولندا، في مناطق كان يعيش فيها الإنسان الحديث فقط، على أداة كانت شائعة في كهوف النياندرتال. وهذه الأداة كانت تُصنع من أجزاء من ضلوع الغزلان، وكانت تُستخدم لتنعيم جلود الحيوانات. وتقول ماري سوريسي، التي قادت فريق الباحثين، إن هذا الكشف يدل على أن الإنسان الحديث، الذي التقى النياندرتال، كان يحاكي الأدوات اليدوية التي استخدمها.


وقد تعلم الإنسان الحديث، الذي كان يعيش في أفريقيا، من النياندرتال، الذي عاش لسنوات طويلة في أوروبا، كيفية التعامل مع الطقس الأوروبي البارد.


وتكشف قدرة النياندرتال على استخدام الأدوات عن مدى التشابه بينه وبين الإنسان الحديث؛ إذ نجح النياندرتال في التكيف مع بيئته وتسخيرها. وعُثر على أدلة تثبت، أيضا، أن إنسان النياندرتال كان يدفن موتاه.


لكن هناك اختلافات بين سلالة النياندرتال والإنسان الحديث، بدليل أن الإنسان الحديث لا يزال باقيا على قيد الحياة، بينما انقرض إنسان النياندرتال. فخلال السنوات التي سبقت فناءه، واجه النياندرتال تحديات لم يكن مهيأ للتعامل معها.


ويشير جون ستيوارت، من جامعة بورنموث بالمملكة المتحدة، إلى أن إنسان النياندرتال لم يتمكن من صيد الحيوانات الصغيرة، مثل الأرانب، التي أتقن الإنسان الحديث صيدها؛ إذ كان النياندرتال يستخدم أساليب صيد شبه قتالية كانت تصلح للحيوانات الكبيرة، لكنها لم تمكنه من اصطياد الأرانب، لتوفير الطعام اللازم للبقاء على قيد الحياة في المواسم التي يشح فيها الغذاء. في حين استخدم الإنسان الحديث الكثير من الحيل لاصطياد هذه الفرائس الصغيرة، مثل الشباك والمصائد.


وتشير الأدلة، أيضا، إلى أن سلالة النياندرتال كانت تعيش في بيئات قاسية؛ إذ دفعتهم البرودة في سائر مناطق أوروبا إلى الانتقال جنوبا نحو جبل طارق.


ويقول كريس سترينجر، كبير الباحثين في الأصول البشرية بالمتحف الطبيعي في لندن، إن الطقس في أوروبا وآسيا كان يتغير بشدة، كل بضعة آلاف سنة، من الدفء إلى البرد القارس.

 

وعندما وصلت آخر مجموعة من سلالة النياندرتال إلى جبل طارق، كانت أعدادها قد تناقصت بشدة؛ بسبب نزوع أفرادها للتزاوج بين الأقارب، الذي يزيد فرص انتقال الاضطرابات الوراثية.


وأشارت دراسة، أجريت عام 2019، إلى أن خصوبة النساء بين أفراد النياندرتال تراجعت بسبب نقص الطعام؛ لأن انخفاض دهون الجسم قد يؤدي إلى العقم.


وقبيل انقراضهم، تراجعت أعداد النياندرتال إلى حد أنهم بلغوا نقطة اللاعودة. وعلى الرغم من أن النياندرتال عاش، كما كان يعيش أسلافه، لسنوات طويلة، إلا أن التغيرات المناخية قللت فرصه في البقاء على قيد الحياة.


وعندما تصبح الحياة مجرد صراع من أجل البقاء، تضعف قدرة البشر على الابتكار ونشر الثقافة. وفي سنواته الأخيرة، لم يصمد النياندرتال في مواجهة الحيوانات والأمراض.


ولكن رغم ما يقال عن انقراضه، فما زلنا نحمل الكثير من جينات النياندرتال، وستظل بصمته باقية على الجنس البشري لآلاف السنين.

0
التعليقات (0)