قضايا وآراء

ريان الذي أحيانا بموته

أسامة جاويش
1300x600
1300x600
ما بين خبر خروجه من هذا البئر المظلم وخبر وفاته؛ لحظات قليلة ما أثقلها.

على مدار خمسة أيام عشت كما عاش ملايين البشر؛ نتابع لحظة بلحظة تطورات محاولات إنقاذ الطفل المغربي ريان الذي سقط داخل بئر عميق دون طعام أو شراب أو أم تحتضنه وتواسيه، خمسة أيام من الظلام الدامس والقلق البالغ عشتها وأنا أدقق النظر في وجهي طفلي الصغيرين متسائلا: كيف يشعر أبوه وأمه الآن؟

ريان الذي أحيانا بموته وربانا بسقوطه داخل هذا البئر المظلم، ريان الذي وحدنا على أمر واحد وهو الدعاء له ليل نهار، تمسكنا بالأمل الضئيل في خروجه، تطلعنا لرؤيته وهو يبكي في حضن أمه بعد خروجه من هذا البئر المظلم، كنا نحلم معا باختلاف لغاتنا وأدياننا وثقافتنا، وحدنا ريان على أمر واحد وهو أمل ولو صغير في إنقاذه.

على مدار حياتنا سمعنا وتعلمنا أن هناك ضوءا في نهاية النفق المظلم، وأن الفجر يأتي بعد أشد اللحظات ظلمة، فكيف بك يا صغيري وأنت لم تر عينك طيلة الأيام الخمس إلا ظلام البئر وظلمة الجدران! أي خوف عاشه هذا الجسد الضئيل وأي آلام شعر بها! كم مرة صرخ فلم يسمعه أحد! كم مرة نادى على أمه بصوت عال فلم يجدها بجواره! آلمتنا يا بني وأبكيت قلوبنا وأعجزت أقلامنا وألسنتنا حتى في رثائك.
وقعنا في بئر الديكتاتوريات الفاسدة طويلة الأمد، فثرنا وتمسكنا بالحلم وصمدنا وقلنا إن الضوء هناك في نهاية النفق، توحدنا كما وحدنا ريان في محنته، وتشبثنا بفرصة نجاة واحدة وقد كانت لنا بنجاح ثورات الربيع العربي، حتى إذا ما حانت لحظة استنشاق الحرية والخروج من البئر، وفي أوج النشوة بالانتصار وفرحة النجاة، انتهى كل شيء وانقلب رأسا على عقب

سقط ريان في البئر، كما سقطت شعوبنا العربية في آبار الظلم والقهر والبطش التي أغرقها فيها حكام وملوك ورؤساء لا يهمهم من يسقط ومن يقع، وإنما كيف يحصلون على اللقطة الشعبية وهم ينعون من مات في البئر، أو إذا حالفه الحظ ونجا فهي لقطة المباركة والاستضافة والتقاط الصورة التذكارية معه، فتبا للقطاتهم المصنطعة في السراء والضراء.

في المغرب مات ريان بعد تحقق حلمه في النجاة، عانى وصمد الصغير وتمسك بالأمل حتى استنشق نسمات الحرية، عندها انقلب كل شيء رأسا على عقب وانتهى الحلم وتوقف الأمل وانتهت القصة، تماما مثلما حدث مع جيل عربي كامل منذ عقد من الزمان.

وقعنا في بئر الديكتاتوريات الفاسدة طويلة الأمد، فثرنا وتمسكنا بالحلم وصمدنا وقلنا إن الضوء هناك في نهاية النفق، توحدنا كما وحدنا ريان في محنته، وتشبثنا بفرصة نجاة واحدة وقد كانت لنا بنجاح ثورات الربيع العربي، حتى إذا ما حانت لحظة استنشاق الحرية والخروج من البئر، وفي أوج النشوة بالانتصار وفرحة النجاة، انتهى كل شيء وانقلب رأسا على عقب، وتوقف الحلم الجميل كما توقف قلب الصغير ريان.
هذا العالم بات مكانا قميئا لا يتسع لتلك الأرواح البريئة المعصومة.. قتل وحرق وغرق وانتهاكات، إهمال وترد في الخدمات، تحرش واغتصاب واختطاف، كلها جرائم ترتكب بحق الأطفال في هذا العالم البغيض ولا يتغير أي شيء مع كل جريمة إلا بيانات الإدانة وبعض التريندات

ريان هو قصة متجددة، تذكرك بإيلان الطفل السوري الغريق على الشواطئ التركية منذ اعوام، هي نفسها قصة الطفل المصري الذي صرخ بأعلى صوته "اصحي يا ماما" يوم قتل العسكر أمه في مذبحة رابعة العدوية في مصر، تحيي في مخيلتك مشهد قتل الطفل محمد الدرة في حضن أبيه، تعيدك إلى مشاهد الأطفال اليمنيين المقتولين بعد قصف إماراتي على مدرستهم في اليمن، هي نسخة مكررة من آلاف الأطفال السوريين الذين يموتون من شدة البرد في مخيمات اللجوء، هي تكرار لغرق أطفال اللجئين في مياه القناة الإنجليزية الباردة أثناء محاولتهم البحث عن الأمان، كلهم أطفال وكلهم ضحايا لأشكال مختلفة من إجرام هذا العالم.

هذا العالم بات مكانا قميئا لا يتسع لتلك الأرواح البريئة المعصومة.. قتل وحرق وغرق وانتهاكات، إهمال وترد في الخدمات، تحرش واغتصاب واختطاف، كلها جرائم ترتكب بحق الأطفال في هذا العالم البغيض ولا يتغير أي شيء مع كل جريمة إلا بيانات الإدانة وبعض التريندات على مواقع التواصل الاجتماعي.

ريان يا ريان، فليرحمك الله يا صغيري وليربط على قلب أمك وأبيك، فوالله لقد فتحت جراحا في قلوبنا لن تندمل قريبا، سنظل نذكرك يا بني ونحكي للعالم أجمع قصة صمودك الأسطورية داخل محبسك الضيق، سنظل نقول للعالم إن طفلا صغيرا صمد اخل تلك الحفرة لخمسة أيام متواصلة ولكنه لم يتحمل نفاقكم وكذبكم وادعاءاتكم للحظات، فرحل عنا وترك وراءه دروسا وعبر لمن لا زالت له أيام يعيشها في هذا العالم البغيض.

في جنات الخلد يا صغيري.

twitter.com/osgaweesh
التعليقات (0)