مقابلات

نقيب الصحفيين التونسيين: لن نسمح للسلطة بسلب حرياتنا

لفت الجلاصي إلى أن هناك العديد من الخطوات التي سيقومون خلال الفترة المقبلة- عربي21
لفت الجلاصي إلى أن هناك العديد من الخطوات التي سيقومون خلال الفترة المقبلة- عربي21

قال نقيب الصحفيين التونسيين، محمد ياسين الجلاصي، إنهم لن يسمحوا للسلطة الحاكمة بسلب حرياتهم ومكتسباتهم التي حصلوا عليها في أعقاب اندلاع ثورة الياسمين، مضيفا: "ما زلنا نقاوم إلى اليوم، وسنظل نقاوم، وسنواصل كفاحنا ضد كل أشكال التعسف والظلم، ونؤمن بأن حركة التاريخ لا يمكن أن تعود إلى الوراء".

وأوضح، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أنهم حاولوا الدخول في مفاوضات وحوارات مع السلطة، لكن "سياسة السلطة اليوم هي الرفض لكل أشكال الحوار والتفاوض، بل أصرّت على تهميش مطالب الصحفيين والإعلاميين، ونكران حقوقهم الاقتصادية والمادية المشروعة".

ولفت الجلاصي إلى أن هناك العديد من الخطوات التي سيقومون بها خلال الفترة المقبلة؛ فـ"المعركة لم تنتهِ بعد، وما زالت أمامنا خيارات عدة، منها: التحركات الميدانية والإعلامية، وتوجيه الرأي العام الوطني والعالمي نحو الأوضاع السيئة التي تعيشها حرية الصحافة في تونس، وأيضا الدفاع عن زميلاتنا وزملائنا، والدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية".

وإلى نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

كيف ترى واقع الحريات الصحفية والإعلامية في تونس اليوم بعد مرور أكثر من عام على "الإجراءات الاستثنائية" التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد؟

من المؤكد أن الحريات الصحفية والإعلامية في تونس تراجعت كثيرا جدا منذ الإجراءات الاستثنائية، ودليل ذلك تراجع ترتيب تونس في التصنيف الدولي لحرية الصحافة والتعبير 20 نقطة؛ فقد تراجعنا من المركز الـ73 إلى المركز الـ94، كما يظهر ذلك جليا من خلال حالة التعتيم التام للحصول على المعلومات، وأيضا من خلال توظيف الأجهزة الأمنية، والقضائية، والعسكرية، من أجل مُحاصرة الآراء المُخالفة، ومُحاصرة حرية الرأي والتعبير، فتلك الإجراءات أدت إلى مزيد من التراجع الخطير جدا في مجال حرية الصحافة والتعبير.

مَن هي الأطراف التي تحمّلها المسؤولية عن تراجع أوضاع الصحافة في تونس؟
الأطراف التي تتحمل المسؤولية بكل وضوح، وبطريقة مباشرة، هي السلطة الحاكمة، وعلى رأسها رئيس الجمهورية، وكل مَن يساند رئيس الجمهورية من صفحات مأجورة، ومن التيارات الشعبوية التي تمثل اليوم خطرا كبيرا على حرية الصحافة والتعبير، لكن المسؤول المباشر هو رئيس الجمهورية قيس سعيّد.

لماذا لم تحاولوا الدخول في حوار وتفاهم مع السلطة من أجل الحفاظ على أهم مكسب لثورة الياسمين، وهو حرية الصحافة؟
بالعكس، حاولنا بالفعل الدخول في مفاوضات وحوارات مع السلطة؛ لأننا في النهاية نقابة مهنية، ولسنا حزبا سياسيا حتى نقاطع السلطة، بل يجب أن تكون لنا علاقة تفاوض وحوار مع السلطة، لكن سياسة السلطة اليوم هي الرفض لكل أشكال الحوار والتفاوض، بل أصرّت على تهميش مطالب الصحفيين والإعلاميين، ونكران حقوقهم الاقتصادية والمادية المشروعة، وذهبت في سياسة الهروب إلى الأمام، ولم تواجه المشاكل والتحديات التي يجب أن تواجهها، ولم تتحمل مسؤوليتها كدولة حتى الآن.

هل هناك خطوات جديدة تعتزمون القيام بها خلال الفترة المقبلة من أجل تحسين الأوضاع الصحفية والإعلامية؟

ما زال أمامنا العديد من الخطوات التي سنقوم بها؛ فالمعركة لم تنتهِ بعد، وما زالت أمامنا خيارات عدة، منها: التحركات الميدانية، والتحركات الإعلامية من خلال الحملات الإعلامية المُضادة لما تقوم به السلطة، وتوجيه الرأي العام الوطني والعالمي نحو الأوضاع السيئة التي تعيشها حرية الصحافة في تونس، والتنبيه إلى خطورة الانتهاكات التي تتعرض لها الصحافة، وأيضا الدفاع عن زميلاتنا وزملائنا، والدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية؛ فنحن الآن في مسار نضالي متواصل من أجل الدفاع عن حقوقنا ومطالبنا الاقتصادية، ومن أجل الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير.

هل الضغوط والتهديدات التي واجهتكم في السابق لا تزال مستمرة حتى الآن؟
هي ليست ضغوط بالمعنى الحرفي للضغوط؛ لأنهم لا يستطيعون الضغط علينا كنقابة للصحفيين، وكمناضلين من أجل حرية الصحافة، وحتى كصحفيين وعاملين بوسائل الإعلام، وإنما هناك تهديدات "مُبطنة"، فمثلا هناك مُحاصرة للأنشطة الصحفية، ومحاصرة لحرية الرأي والتعبير، وهناك اعتداءات على صحفيين في أثناء تأدية مهامهم تعرض حياتهم للخطر، وهناك محاكمات لصحفيين.

لكن كل هذه الضغوط لن تثنينا مطلقا عن أداء واجبنا ومهامنا، وإلى اليوم ما زالت الصحافة التونسية تقاوم، وستظل تقاوم، ولن تعود تحت خط الاستبداد وتحت خط السلطة، وستبقى تدافع عن نفسها وتدافع عن حرية الصحافة للصحفيين وللمواطنين جميعا.


ما الأسباب التي أدت إلى تردي وتراجع أوضاع الصحافة التونسية؟

الأسباب المباشرة هي الحالة الاستثنائية التي أعطت لرئيس الجمهورية سلطات واسعة ومطلقة جدا دون أي ضوابط أو قيود؛ فقد وظّف كل أجهزة الدولة من أجل محاصرة والحقوق، والاعتداء على كرامة المواطنين، ومساعدة المعتدين في الإفلات من العقاب، وأيضا بسبب زيادة الاعتداءات والانتهاكات في حق الصحافة والصحفيين، بالإضافة إلى القضايا المرفوعة ضد الصحفيين، سواء قضايا مدنية أو عسكرية؛ بسبب آرائهم أو مقالاتهم، والتضييق على النشطاء وحتى السياسيين والنواب من أجل آرائهم.

وما خطورة ذلك برأيكم؟
خطورة ذلك تتمثل في احتمالية عودة تونس إلى مربع الاستبداد، ولا يعني بالضرورة الديكتاتورية المباشرة، ولكن الاستبداد بالرأي، ومُحاصرة كل الآراء المخالفة، وتوظيف وتجييش وتدجين الإعلام حتى يكون خادما للسلطة.

هل يمكن تحسن أوضاع الصحافة في ظل تأزم الأوضاع السياسية الراهنة؟

تحسين أوضاع الصحافة مسألة صعبة، ولكن ليست مستحيلة. الصحافة يمكن أن تحصل على مزيد من هوامش الحرية ومربعات الحرية من خلال نضالنا، وإصرارنا، ومقاومتنا، لكن أعتقد أن تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين من الصعب تحقيقه، خاصة في ظل الوضع العالمي؛ فهناك تراجع في المؤشرات الاقتصادية والمالية في تونس، ولكن يمكن أن نحافظ على الحد الأدنى، خاصة أن بإمكاننا تحقيق مكاسب متعلقة بحرية الصحافة والتعبير.

ما النتائج التي حققتها الإضرابات التي قام بها بعض العاملين في الإعلام والصحافة خلال الفترة السابقة؟

الإضرابات التي قمنا بها وغيرها من التحركات تهدف في المقام الأول إلى إبراز صوتنا كصحفيين ونقابيين، ويجب أن تكون هناك فاعليات دائمة، مهما كان الوضع سيئا، ومهما كانت هناك تراجعات، وقد تمكنا من كسر الحصار الذي حاولت السلطة فرضه علينا، وتمكنا من إيصال صوتنا إلى كل أنحاء العالم، ونبهنا ولفتنا الأنظار إلى تونس، وخطورة عودتها إلى مربع الاستبداد، وخطورة قمع الأصوات المخالفة، وحذّرنا الرأي العام الوطني والعالمي من خطورة السيطرة على المؤسسات الإعلامية، وخاصة التلفزة التونسية الرسمية التي سيطر عليها الرئيس مباشرة بعد إعلانه عن الإجراءات الاستثنائية، ودفاعا عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لزملائنا وزميلاتنا الذين يعملون في مؤسسات إعلامية عملت الدولة على تخريبها طيلة السنوات الماضية، فكانت تحركاتنا مهنية ومطلبية، وفي نفس الوقت تطالب وتدافع عن الحرية، وهو ما يزعج السلطة اليوم، وهو ما يثبت أن هناك مقاومة حقيقية في القطاع ضد العودة إلى الوراء، وضد الاستبداد.

كيف تتصور مستقبل حرية الصحافة والإعلام حال استمرار الرئيس قيس سعيّد في الحكم؟

أؤمن شخصيا بأن حركة التاريخ لا تعود إلى الوراء، وأن تونس تتجه نحو تعزيز حرية الصحافة والتعبير مهما كانت الظروف، وأعتقد أن حرية الصحافة في تونس أتت بفضل دماء الشهداء، وبفضل تضحياتهم، وتضحيات أجيال من المناضلات والمناضلين؛ فحرية الصحافة لم تأتِ بها أحزاب أو أشخاص، ولم تأتِ بها سلطة، بل جاءت بها نضالات وتضحيات.

لذا، ما تم الحصول عليه لن نسمح بسلبه مرة أخرى من قِبل السلطة، ما زلنا إلى اليوم نقاوم، ولم تستطع السلطة أن تدجّن الإعلام بأكمله، بل دجّنت بعض المؤسسات فقط، وهناك إرادة لمقاومة كل أشكال التعسف، وكل أشكال الظلم، وسنواصل في هذا الاتجاه حتى ندافع عن الحرية، الحرية تحيا بالمؤمنين بها، ولا تحيا بشعارات مُجردة، وما زال هناك الكثير من المؤمنين بحرية الصحافة والتعبير، والكثير من المؤمنين بأن تونس يجب أن تتقدم إلى الأمام.

 

التعليقات (0)