مقالات مختارة

"حزب الله" والانقلاب اللغويّ في لبنان

حازم صاغيّة
عربي21
هناك دائماً، وفي سائر العالم، أطراف سياسيّة وإيديولوجيّة تغلّب الدلالة السحريّة للكلمات على دلالتها المفهوميّة. مثلاً، بدل أن تقول: «استولى عشرون شخصاً على موقع عسكريّ»، نراها تقول: «استولت الجماهير على موقع عسكريّ»، وبدل أن تقول: «أُطلقت أعيرة ناريّة على المتظاهرين»، تقول: «حصدت النيران المتظاهرين»...
فالدلالة السحريّة التي يصعب قياسها وتستحيل برهنتها أقدرُ من الحقائق والوقائع على تعبئة الجموع وتحريكها. إنّها تفعل ذلك من خلال صور طبيعيّة أو هيوليّات وخوارق تُشعل المخيّلة الجماعيّة وتُبقيها مشتعلة. هكذا يتمّ تكريس الرواية الكاذبة، وقد أُخضعت للتسحير، في وعي مَن هم مستعدّون لتصديقها. وعن هذا الدفق اللغويّ الكاذب والمُكرَّس ينشأ جوٌّ معبّأ مشحون يعامل الكذب بوصفه يقيناً ثمّ يمضي في تعميم هذا «اليقين» وتداوله.
اللبنانيّون الذين يحكّمون عقولهم ويعطون الأولويّة للمفهوميّ على الدلاليّ يحفظون لائحة كاملة من المصطلحات التي غُيّر معناها، إمّا بالمبالغة أو بالقلب الكامل، وذلك للوصول إلى هدف تعبويّ وإنشاء «يقين» كاذب.
مثلاً، في الخمسينات سُمّي رئيس الجمهوريّة كميل شمعون «انعزاليّاً»، أي أنّه يريد عزل لبنان عن محيطه في العالمين العربيّ والإسلاميّ. لكنّ شمعون كان يومذاك على صداقة وطيدة مع الأردن والعراق والسعوديّة والمغرب وتونس وتركيّا وإيران وباكستان...، وكانت خصومته تنحصر بمصر الناصريّة والضبّاط التابعين لها في دمشق.
الحجّة نفسها استُخدمت في الثمانينات ضدّ من أيّدوا العراق في حربه مع إيران، فسُمّي هؤلاء «انعزاليّين»، علماً بأنّ النظام السوريّ كان الطرف العربيّ الوحيد الذي أيّد إيران.
السياسيّ الراحل كمال جنبلاط سمّى نفسه ثمّ سمّاه آخرون زعيماً لـ «التقدّميّين الاشتراكيّين»، مع أنّه كان أكثر سياسيّي لبنان محافظةً وتقليديّة. وهو حين كان وزيراً للداخليّة في 1963، منع رقصة «التويست» الرائجة حينها، وأمر بترحيل الفنّان الفرنسيّ جوني هاليداي من لبنان. أمّا «اشتراكيّته» فكانت الغطاء اللفظيّ لبعض أكثر الأفكار والممارسات القروسطيّة والصوفيّة.
ومنذ طُرحت فكرة الفيدراليّة في لبنان، وصفتها آلة التعبئة الكلاميّة بأنّها عمل يساوي التقسيم، مع أنّ المصطلح يعني تعريفاً «الاتّحاد». فالدعوة إلى الفيدراليّة، كما يعلم أيّ طالب للعلوم السياسيّة، إنّما تعادل الدعوة إلى الانتقال من وحدة بسيطة ومركزيّة إلى شكل مُركّب ولا مركزيّ من الوحدة.
على أيّ حال، فهذا التعامل مع اللغة بلغ ذروة غير مسبوقة على يد «حزب الله». فالأخير، ومثل تنظيمات دينيّة في بلدان أخرى، تمكّن من أن يزعم لنفسه أنّه حزبٌ لِما لا يقلّ عن الله ذاته. وهذا لا يُسبغ إلاّ التواضع على أحزاب سابقة كانت تقول إنّها أحزاب الطبقة العاملة أو أحزاب الأمّة والشعب...
كذلك استورد «حزب الله» من الأنظمة العسكريّة والأمنيّة العربيّة روايتها الشهيرة في تحويل الهزائم والكوارث إلى انتصارات مظفّرة.
ومع أنّه حزب دينيّ وطائفيّ في آن معاً، ومع أنّ قيادته تقتصر حصراً على رجال دين، فإنّه يقدّم نفسه، ويجد من يقدّمه، ضمانةً للوحدة الوطنيّة ومناهضة الطائفيّة. فوق هذا فهو كلّما استخدم السلاح في الداخل أكّد أنّ سلاحه ليس للاستخدام الداخليّ، وكلّما هجّر سوريّين دافعاً بهم إلى لبنان أكّد على تصدّيه للتكفير الإرهابيّ القادم من سوريّا. ومع أنّ حصريّة السلاح في يد الدولة جزء من أيّ تعريف للدولة الحديثة، فإنّه يقدّم نفسه، ويجد من يقدّمه، بوصفه سنداً للدولة وحليفاً لجيشها.
لكنّ أهمّ ما فعله الحزب، في ما يخصّ تدمير المعنى، هو أنّه أناط بنفسه حماية لبنان وتحريره وضمان كرامته وسلامه الأهليّ. والحال أنّ لبنان لم يعرف في تاريخه الحديث المهانة والفقر والذلّ الذي يعرفه اليوم في ظلّ المقاومة، وهذا معطوفاً على تحلّل في العلاقات الداخليّة بين أبنائه وداخل طوائفه، تحلّلٍ يجعل الحرب الأهليّة صنواً للحياة اللبنانيّة، من عين إبل جنوباً إلى الكحّالة جبلاً، صعوداً إلى نقاط شديدة التوتّر في جرود جبيل ثمّ في أقصى الشمال.
يزيد البؤس بؤساً أنّنا نعيش، لا سيّما في منطقتنا، زمناً يأبى الاعتراف برأي عامّ وببشر يفكّرون. هكذا مثلاً يعلن أمين عامّ «عصائب أهل الحقّ» العراقيّة الشيخ قيس الخزعلي أنّ الموساد الإسرائيليّ هو الذي قتل الإمام علي بن أبي طالب، وذلك بعد ثلاثة أيّام على تصريح الرئيس السوريّ بشّار الأسد بأنّ والده حافظ لم يكن له أيّ دور في وصوله إلى الرئاسة التي لم يبلغها إلاّ بجهده الشخصيّ والحزبيّ فحسب.
إنّ الشيوعيّين الذين أقاموا أنظمة الاستبداد الشهيرة في أوروبا الوسطى والشرقيّة وسمّوها «ديمقراطيّات شعبيّة»، لا يعصف بجثثهم إلاّ الحسد حيال روّاد هذا الانقلاب اللغويّ في منطقتنا، ممّن يتربّع «حزب الله» في صدارتهم.

الشرق الأوسط اللندنية
التعليقات (4)
شربل حنا
الإثنين، 14-08-2023 11:36 ص
المسألة ان هناك حرب مصالح دولية على أرض لبنان وكل طائفة داخل لبنان لها دعم مالي واعلامي وربما عسكري ممول من الخارج وكل اعلام طائفة يتهم الآخر بما فيه وبما ليس فيه جماعة أمريكا غير فرنسا غير انجلترا غير إسرائيل غير إيران غير سوريا والمشكلة ليست في الدول الخارجية بل تكمن في أن زعماء الطوائف يقبلون الشراء والبيع وتحويل الولاء حسب جهة الدفع والمبلغ المدفوع لا أحد يعرف من دفع ومن قبض واين ذهبت الاموال في الحسابات الداخلية والخارجية مثل رياض سلامة الحاكم السابق لمصرف لبنان المركزي الذي اتفق الغرب كله على معاقبته وتركوا ممسحة مثل ميشال عون وصهره
أبو العبد الحلبي
الأحد، 13-08-2023 09:16 ص
رُبَما لا يقرأ الأستاذ المفكَر المثقف حازم تعليقي هذا و يكتفي بقراءة التعليقات في الصحيفة اللندنية . لا بأس ، فهو تعليقٌ لخدمة أبناء أمتنا و نحن علينا البلاغ أو البيان لمن يقرأ ما نكتبه . بشار ابن أنيسة زوجة حافظ لم يرث المنصب ، و بالطبع يكذب بشار عندما يتحدث عن جهده الحزبي لأن حزب البعث انتهى في سوريا من حيث المضمون في الشهور الأولى من استلام حافظ منصبه و بقي فقط الشكل و تحوَل من حزب إلى فرع أمني كبقية أجهزة المخابرات . من أوصل بشار إلى الرئاسة هي خالته وزيرة خارجية أمريكا القوية (مادلين اولبرايت) التي جاءت إلى سوريا بمجرد وفاة حافظ . اختلت ببشار حوالي 4 ساعات قبل تحرك جثمان حافظ للدفن في القرداحة ، و فور انتهاء اجتماعها به صارت أجهزة الاعلام المحلية و الافليمية و الدولية تضفي عليه لقب فخامة أو سيادة الرئيس ، أي أن أمريكا و جوقتها تناست أو قفزت عن نائبي الرئيس اللذين قام بتعيينهما حافظ و هما(زهير مشارقة و هو نصيري أو علوي ، عبد الحليم خدام الذي ينحدر من أسرة مسلمة) و كانا لا يزالان في هذه الحياة الدنيا القصيرة الفانية .
أبو فهمي
الأحد، 13-08-2023 07:53 ص
اللغة العربية والحمد لله """""""""""" غنية """"""""""""" جدا ومن أعنى اللغات بالكلمات واللعب بها ولكن!!!!!!!!!! عليك أن تجد """"""" المتلقين """"""" الجهلة الذين لا يفهمون رأسهم من أسفل أرجلهم وبالتالي يتم """""" اللعب """""" فيهم وعليهم. أكبر مثال على هذا هم """""""" الراقضة المجوس """""""" وملاليهم والذين يلعبون بعقول """"""" الروافض """""""" بشكل يماثل لعب الهندوس عبدة البقر وآكلي روثه وشاربي بوله والانترنت واليوتوب وبقية السوشل ميدا مليئة """""""" بخطابات ملالي """""""" يؤمن بها الروافض ايمان مطلق وهي """"""" أكاذيب """""""" لا يعرفها "" ابليس "" اللعين ولا حتى وصل لها علم """"" مسيلمة الكذاب """"" وهذا هو آخر الزمان ورب العالمين جل جلاله يجهز """"""" حصب جهنم """"""" لتبقى مستمرة """""" فوقودها """"" الناس والحجارة ولم يخلق رب العالمين الانس والجن الا ليعبدوه فقط !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!.
مدوح
الأحد، 13-08-2023 05:38 ص
شلخ حچي اكيد مدفوعلك فلوس عشان تهاجم حزب الله