صحافة دولية

كيف يغير العدوان على غزة الآراء العربية؟.. "دعم المقاومة يتصاعد"

تأييد شعبي واسع للمقاومة الفلسطينية التي تتصدى لعدوان الاحتلال على غزة- الأناضول
تأييد شعبي واسع للمقاومة الفلسطينية التي تتصدى لعدوان الاحتلال على غزة- الأناضول
تناول تقرير لمجلة "فورين أفيرز" تغيرات الرأي العام في الدول العربية عقب العدوان على غزة قائلة، "إن دعم المقاومة المسلحة يزداد في المنطقة العربية، وقد تكون لذلك عواقب خطيرة"، مضيفة أن "منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معرضة لعدم الاستقرار".

وبينت المجلة، أن "على إسرائيل وحلفائها أن يعملوا على إيجاد وسيلة لإنهاء الحرب في غزة، والتوجه بسرعة نحو حل سلمي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني".

وفي ما يأتي نص التقرير:
 
منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، قضت الحرب بين حماس وإسرائيل على حياة ما يزيد على الـ15 ألف فلسطيني وما يزيد على الـ1200 إسرائيلي، وتسببت في جرح الكثيرين. 

ونجم عن  الحرب نزوح ما يزيد على الـ1.8 مليون فلسطيني وما زال مصير كثير من الإسرائيليين مجهولاً، وما يزيد على المائة من أولئك الذين اختطفوا في إسرائيل ما زالوا رهائن. وأسفر القتال عن إلحاق أضرار بما نسبته 15 بالمائة من المباني في غزة، بما في ذلك ما يزيد على الـ100 معلم تراثي وثقافي وأكثر من 45 بالمائة من الوحدات السكنية.
 
وأعلن كثير من المحللين، أنها ترددت أصداء التكاليف الباهظة في غزة في أرجاء العالم العربي، بما أعاد التأكيد على أهمية ونفوذ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في تشكيل السياسة في الإقليم. ولكن ما زال يصعب القول بالضبط إلى أي مدى أثر الهجوم على السلوكيات العربية، وما هي تحديداً الطرق التي يتم بها ذلك.
 
والآن ثمة تغير طرأ على ذلك، فخلال الأسابيع التي سبقت الهجوم والأسابيع الثلاثة التي تلته، قامت مؤسستنا البحثية غير الحزبية، الباروميتر العربي، بإجراء مسح تمثيلي على المستوى القطري في تونس بالتعاون مع شركائنا المحليين، ’وان تو وان’ للأبحاث واستطلاعات الرأي. صدف أنه تم إجراء نصف المقابلات مع المشاركين الذين بلغ عددهم 2406 خلال الأسابيع الثلاثة التي سبقت السابع من أكتوبر، بينما أجري النصف الباقي خلال الأسابيع الثلاثة التي تلت الهجوم. نتيجة لذلك، فإنه بإمكان النتائج أن تبين – بدقة غير معهودة – كم غير الهجوم وما لحقه من حملة عسكرية إسرائيلية في الآراء بين العرب.
 

اظهار أخبار متعلقة


جاءت النتائج مثيرة. لقد حذر الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخراً من أن إسرائيل تخسر الدعم العالمي حول غزة، ولكن ذلك مجرد رأس الجبل الجليدي. فمنذ السابع من أكتوبر، وكل بلد لديه علاقات إيجابية أو دافئة مع إسرائيل صار يشهد تراجعاً في معدلات التفضيل لدى التونسيين. وكان الانخفاض الأكثر حدة من نصيب الولايات المتحدة، ولم يسلم من ذلك حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط الذين أقاموا علاقات مع إسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية، حيث تراجعت نسب التأييد لهم. في نفس الوقت، حظيت الدول التي بقيت محايدة بقليل من التغيير، بينما ارتفعت معدلات التأييد للقيادة الإيرانية، والتي تعارض إسرائيل بشدة. بعد مضي ثلاثة أسابيع على الهجوم، حظي القائد الأعلى في إيران، علي خامنئي، بمعدات تأييد تكافئ أو تتجاوز ما حصل عليه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والشهير باسم مبس، والرئيس الإماراتي محمد بن زايد، والشهير باسم مبز.
 
تونس مجرد بلد واحد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي منطقة تعج بالتباينات، وهذا الاستطلاع لا يفيد الخبراء بشيء حول كيف يفكر الناس وكيف يشعرون في مختلف أرجاء المنطقة. ولكن تونس هي أقرب ما يمكن أن يحظى به المرء مما يمكن أن يعتبر نقطة مرجعية. 

في الاستطلاعات السابقة التي أجراها الباروميتر العربي، كانت لدى التونسيين آراء مشابهة لتلك التي تم رصدها في معظم البلدان العربية الأخرى. فالسكان منفتحون على الغرب، ولكنهم أيضاً منفتحون على القوى العالمية الأخرى، مثل الصين وروسيا. والبلد معزول جغرافياً عن الآثار المباشرة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولكن له تاريخ من الضلوع المباشر، بما في ذلك إيواء منظمة التحرير الفلسطينية. بإمكان المحللين والمسؤولين أن يفترضوا دونما حرج أن آراء الناس في الأماكن الأخرى داخل المنطقة تبدلت بطرق مشابهة لتلك التغيرات التي شهدها بلد مثل تونس.
 
كانت تلك التغيرات مثيرة للغاية، فنادراً ما يشاهد حدوث تغيرات بهذا الحجم على مدى بضعة أسابيع. ولكن ذلك لا يشير إلى رد فعل تلقائي، مثل رعشة الركبة، من قبل التونسيين. لو أن الشعب التونسي غير آراءه ببساطة بسبب أفعال حماس، لكان التغير الكبير قد حصل خلال يوم واحد من الهجوم، ثم لعادت آراء التونسيين بسرعة واستقرت على ما كانت عليه. ولكن بدلاً من ذلك، تبدلت آراؤهم شيئاً فشيئاً بأقدار بسيطة، ولكن بمعدل يومي، على مدى فترة استمرت لثلاثة أسابيع. ولكن التغيير يبدو كبيراً فيما لو نظر إليه على امتداد الفترة الزمنية كاملة. ونتيجة لذلك، يحتمل جداً أن تكون آراء التونسيين قد تبدلت ليس كرد فعل على هجوم حماس وإنما نتيجة للأحداث التي تبعت ذلك، وتحديداً الزيادة المستمرة فيما يتكبده المدنيون من أثمان باهظة بسبب العملية العسكرية التي تقوم بها إسرائيل في غزة. كما أن الحرب زادت بكل تأكيد من دعم التونسيين للفلسطينيين في قتالهم. مقارنة باستطلاعات الرأي التي أجريت قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أعداد أكبر بكثير من التونسيين اليوم يريدون من الفلسطينيين أن يحلوا صراعهم مع إسرائيل من خلال القوة بدلاً من أن يفعلوا ذلك من خلال التسوية السلمية.
 
للرأي العام أهميته حتى في الدول غير الديمقراطية، حيث يخشى الزعماء، حتماً، من اندلاع الاحتجاجات في بلدانهم، فهذه التبدلات في الآراء هي التي سوف تشكل السياسة في العالم العربي – كما تفعل ذلك حول العالم. سوف تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها صعوبة أكبر في توسيع رقعة اتفاقيات أبراهام، والتي نجم عنها تطبيع العلاقات بين العديد من الدول العربية وإسرائيل. كما قد تفقد واشنطن الأفضلية في التنافس مع الصين الصاعدة ومع روسيا المتمردة. ولربما تجد الولايات المتحدة كذلك أن كثيراً من حلفائها المخضرمين، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، سيصبحون أقل وداً تجاه الولايات المتحدة وأكثر انفتاحاً على خصومها إذ يسعون لتحاشي التراجع في مكانتهما الإقليمية. فعلى سبيل المثال، فإنه منذ الهجوم، رحب البلدان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أول زيارة يقوم بها إلى المنطقة منذ غزو أوكرانيا.
 
ويمكن أن تكون للدعم المتزايد الذي تحظى به المقاومة المسلحة تداعيات خطيرة. لم تفض الحرب ضد حماس بعد إلى توسيع نطاق الصراع، ولكن اضطرت إسرائيل إلى درء ضربات وجهها إليها حزب الله في لبنان، في وقت باتت كل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عرضة لانعدام الاستقرار. ليس صعباً تخيل كيف يمكن للغزو الحالي أن ينتشر أو أن يفتح الباب على مصراعيه أمام صراع مستقبلي. ولذلك، ومن أجل ضمان الاستقرار في المنطقة فإنه ينبغي على إسرائيل وحلفائها إيجاد سبيل لإنهاء هذه الحرب ثم المضي سريعاً نحو حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سلمياً.
 
الحضيض
كان الباروميتر العربي، مشروعنا البحثي الأكاديمي، يوشك على المضي قدماً في إجراء استطلاع حول قضايا متنوعة من خلال دراسة لعينة عشوائية من سكان تونس عندما هاجمت حماس إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول). فقررنا استخدام ذلك التوقيت للتحقيق في كيف أثر هذا الحدث، وما تلاه من اندلاع للحرب، في الرأي العام. ونظراً لأننا لم نتوقع تغيرات كبيرة في آراء التونسيين قبل السابع من أكتوبر، أخذنا في البداية الرأي الاعتيادي طوال الأسابيع الثلاثة الأولى من العمل الميداني. ثم نظرنا في كيفية تغير الرأي العام خلال الأسابيع التي تلت ذلك. نظراً لأن حجم العينة صغير نسبياً في كل واحد من أيامنا التي تلت السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، فقد لجأنا إلى إجراء تقدير خاص بنا لكيفية شعور الناس في أي وقت من الأوقات المعنية مستخدمين معدلات متحركة للرأي العام على مدى ثلاثة أيام. وهذا يعني أن كل نقطة بيانات تمثل تقديراً لليوم الذي جرى فيه المسح وما قبله بيومين. (على الرغم من أن الرابع من نوفمبر – تشرين الثاني – كان آخر يوم في العمل الميداني، كان السابع والعشرين من أكتوبر – تشرين الأول – آخر يوم أجريت فيه مقابلات كافية لتوفير ما يكفي من البيانات التي تفضي إلى تحليل ذي معنى.)
 
بعد تحويل هذا المعدل المتحرك إلى رسم بياني، حسبنا الخط الأنسب للمقابلات التي أجريت قبل وبعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) من أجل فهم ما هي التغيرات، لو وجدت، التي طرأت في حالة كل واحد من الأسئلة. ساعد هذا الخط في إظهار كيف تحولت آراء التونسيين مع مرور الوقت. إلا أن تقديراتنا النهائية للمتوسط في الرأي العام ركزت على رقمين. أما الأول فهو متوسط الرأي العام للتونسيين ما قبل السابع من أكتوبر، بينما الثاني هو مستوى الدعم القائم على المتوسط المستخلص من الخط الأنسب المحسوب ليوم السابع والعشرين من أكتوبر.
 
كانت هناك تحولات كثيرة، إلا أن أكبرها كان يتعلق بالانطباعات المتشكلة إزاء الولايات المتحدة. في 1146 مقابلة تم إجراؤها ما قبل هجوم السابع من أكتوبر، كان لدى 40 بالمائة من التونسيين رأي إيجابي أو نوعاً ما إيجابي حول الولايات المتحدة مقارنة بما يقرب من 56 بالمائة كانت لديهم آراء سلبية. ولكن بعد أن بدأت الحرب على غزة، تغير ذلك سريعاً. مع نهاية عملنا الميداني، فقط 10 بالمائة من التونسيين كان لديهم رأي إيجابي تجاه الولايات المتحدة. في المقابل، ما يقرب من سبعة وثمانين بالمائة كانت انطباعاتهم سلبية. قبل السابع من أكتوبر، كان 56 بالمائة من التونسيين يرغبون في علاقات اقتصادية أوثق مع الولايات المتحدة، ثم بعد ثلاثة أسابيع، تراجع الرقم إلى 34 بالمائة. لم يكن بايدن إطلاقاً محبوباً بشكل خاص في تونس، إذ لم يتحاوز معدل الموافقة عليه 29 بالمائة قبل السابع من أكتوبر، ولكن بعد أن بدأت إسرائيل حملتها – وأعلن بايدن أنه لا توجد قيود على الدعم الأمريكي – انحط معدل الموافقة عليه إلى ما لا يزيد عن ست نقاط فقط لا غير.
 
بالطبع، الترابط لا يعني السببية بالضرورة، ولكن في هذه الحالة، يصعب على المرء أن يرى تفسيراً بديلاً، وخاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار التغير المستمر واليومي في الرأي العام التونسي. فقد كانت الحرب بلا منازع أكبر حدث إخباري يقع أثناء إجراء المسح، والإجابات الأخرى تدل بشكل لا لبس فيه على أن التونسيين كانوا يفكرون بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني وهم يقيمون أداء الولايات المتحدة. عندما سئل التونسيون ما هي أهم السياسات الأمريكية بالنسبة لهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ارتفع بشكل مثير ما بعد السابع من أكتوبر حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من 24 بالمائة إلى 59 بالمائة. مقارنة بذلك، انخفضت إجابة التونسيين التي ورد فيها ذكر "التنمية الاقتصادية" من 20 بالمائة إلى 4 بالمائة فقط.
 
حتى الآن، لم تترجم الآراء السلبية تجاه الولايات المتحدة بشكل مباشر إلى مكاسب لصالح الصين أو لصالح روسيا، وكلاهما بقيتا على الحياد أثناء الحرب. قبل أن تشن حماس هجومها، كان لدى 70 بالمائة من التونسيين رأي إيجابي تجاه الصين، ثم بحلول السابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) زاد الرقم بما لا يتجاوز خمس نقاط لا غير. وتراجع عدد الناس الذين أرادوا علاقات اقتصادية أكثر دفئاً مع الصين من 80 بالمائة إلى 78 بالمائة، ضمن هامش الخطأ. قبل الهجوم، كان 56 بالمائة من التونسيين يحتفظون بوجهة نظر إيجابية تجاه روسيا مقارنة بثلاثة وخمسين بالمائة في نهاية فترة بحثنا، بينما زادت شريحة الناس الذين يريدون علاقات اقتصادية أوثق مع موسكو من 72 بالمائة إلى 75 بالمائة.
 
ولكن هناك دلائل تشير إلى أن الصين، على الأقل، يمكن أن تكسب دعماً أكبر على حساب الولايات المتحدة. عندما كان السؤال قبل السابع من أكتوبر حول ما إذا كانت بيجينغ أو واشنطن هي صاحبة السياسات الأفضل إزاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فضل ثلث التونسيين السياسات الصينية على سياسات الولايات المتحدة. ثم عند الاقتراب من نهاية استطلاعنا، ارتفعت النسبة إلى 50 بالمائة. (زادت شريحة التونسيين الذين يفضلون السياسة الأمريكية من 13 بالمائة إلى 14 بالمائة). وعندما كان السؤال حول ما إذا كانت الصين أو الولايات المتحدة هي التي لديها سياسات أفضل للحفاظ على الأمن الإقليمي، كانت النتائج متشابهة. قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) ارتفعت نسبة الناس الذي يفضلون السياسة الصينية من 31 بالمائة إلى 50 بالمائة، بينما تراجعت نسبة التونسيين الذين فضلوا السياسة الأمريكية من 19 بالمائة إلى 12 بالمائة.
 
الذنب بسبب الارتباط
لم تكن القوى العظمى هي الدول الوحيدة التي ينظر إليها التونسيون الآن بشكل مختلف. ما بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) تغير موقف السكان في تونس تجاه عدد من القوى الإقليمية كذلك. تماماً كما في حالة التغير الحاصل في الرأي العام تجاه واشنطن، كانت التغيرات إلى حد كبير تتوافق مع كيفية تعامل هذه الدول مع إسرائيل.
 
خذ على سبيل المثال المملكة العربية السعودية. خلال الفترة التي سبقت وقوع الهجوم، كان هناك تخمينات واسعة النطاق بأن الرياض سوف تقدم على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. مع تصاعد السخط على إسرائيل بين التونسيين خلال الأسابيع التي تلت يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، غدت الآراء تجاه المملكة العربية السعودية حالكة أيضاً – حيث انخفضت نسبة الرضى عن البلد من 73 بالمائة إلى 59 بالمائة. وعلى نفس المنوال، انخفضت نسبة التونسيين الذين كانوا يرغبون في علاقات اقتصادية أوثق مع المملكة العربية السعودية من متوسط بلغ 71 بالمائة إلى 61 بالمائة. كما انخفضت نسبة الراضين عن محمد بن سلمان من 55 بالمائة قبل الهجوم إلى 40 بالمائة بحلول السابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول). تعتبر هذه التغيرات بشكل خاص مثيرة للانتباه إذا ما أخذنا بالاعتبار أن الرئيس التونسي قيس سعيد، والذي يتمتع بنسب عالية من الرضى داخل البلد، يرتبط بعلاقات وثيقة مع محمد بن سلمان.
 
لم يتضمن استطلاع الرأي أسئلة مباشرة حول الإمارات العربية المتحدة، والتي طبعت علاقاتها مع إسرائيل في أغسطس (آب) من عام 2020. ولكن سأل الاستطلاع عن السياسات الخارجية التي ينتهجها محمد بن زايد، فجاءت النتائج مشابهة جداً لتلك التي حصل عليها محمد بن سلمان. قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) كان ينظر إلى سياسات محمد بن زايد بعين الرضى من قبل 49 بالمائة من التونسيين، ولكن عند الاقتراب من نهاية العمل الميداني كانت تلك النسبة قد هبطت إلى الثلث.
 
أما بخصوص تركيا، فلم تتغير النتائج وبقيت إلى حد كبير كما كانت عليه. لطالما سعت أنقرة إلى تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين وعبرت عن تعاطفها معهم، وإن كان ذلك من الهوامش لا أكثر. ثمانية وستون بالمائة من التونسيين كانت نظرتهم إيجابية تجاه تركيا في فترة ما قبل الهجوم وفي الفترة التي تلته. إلا أن الآراء المعبرة عن رضاها بخصوص السياسة الخارجية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان انخفضت من 54 بالمائة إلى 47 بالمائة. أما عدد الناس الراغبين في رؤية علاقات اقتصادية أوثق مع تركيا فزادت نسبتهم من 57 بالمائة إلى 64 بالمائة.
 
ومع ذلك، لا يبدو أن الحرب في غزة حسنت النظرة إلى تركيا في أوساط التونسيين، ولربما كان السبب من وراء ذلك هو أن التنديد التركي بإسرائيل كان محصوراً نسبياً. إلا أن المكسب كان من نصيب القيادة في واحد من البلدان الأخرى، ألا وهو إيران. تعارض الجمهورية الإسلامية بقوة وجود إسرائيل، بل وهللت وكبرت ابتهاجاً بهجوم حماس. في مناشدة وجدت لها صدى بكل تأكيد لدى الرأي العام العربي، دعا خامنئي في السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) إلى وقف القصف الذي يشن على غزة ووصف أعمال إسرائيل بأنها "إبادة جماعية". وعلى الرغم من أن المسح لم يتضمن أسئلة حول الموقف من إيران نفسها، إلا أنه اشتمل على سؤال حول السياسات الخارجية التي ينتهجها خامنئي، ومن الواضح أن الرضى عنها تحسن. فقبل الهجوم، فقط 29 بالمائة من التونسيين أعربوا عن رضاهم عن سياساته الخارجية. ثم بنهاية العمل الميداني، ارتفع الرقم إلى 41 بالمائة. كانت القفزة في الدعم أبرز شيء خلال الأيام التي تلت تصريح خامنئي يوم السابع عشر من أكتوبر.
 
ثم هناك إسرائيل ذاتها. حتى قبل الهجوم كانت نظرة التونسيين إلى إسرائيل سلبية جداً – فقط 5 بالمائة من الناس المستطلعة آراؤهم كانت نظرتهم لإسرائيل إيجابية. ونتيجة لذلك، لم يكن تراجع النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل إلى صفر بالمائة انخفاضاً كبيراً على الإطلاق. ولكن الآراء الخاصة بمسألة التطبيع طرأ عليها تبديل. لم يكن التطبيع من إسرائيل مرغوباً فيه على الإطلاق، ومع ذلك تبخر كل قدر من التأييد للتطبيع تبخراً تاماً بعد الهجوم. في يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) كان 12 بالمائة من الناس يؤيدون التطبيع، ولكن بحلول السابع والعشرين من أكتوبر، انحط الرقم إلى واحد بالمائة فقط.  
 
كما أنها تبدلت الآراء إزاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من عدة طرق مهمة. قبل السابع من أكتوبر، عندما طرح على الناس سؤال حول الأساليب التي يفضلونها لحل الصراع، أعرب 66 بالمائة عن تفضيلهم لحل الدولتين على حدود عام 1967، بينما فضل 18 بالمائة سلوك طريق دبلوماسي بديل، مثل الدولة الواحدة بحقوق متساوية للجميع أو ما يشبه الكونفدرالية. فقط 6 بالمائة من التونسيين اختاروا "غير ذلك"، وغالبية هؤلاء أعربوا عن تأييدهم للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومن المحتمل أن يتضمن ذلك زوال دولة إسرائيل بالكامل. ولكن بنهاية عملنا الميداني، فقط 50 بالمائة من التونسيين دعموا حل الدولتين، بينما تراجعت نسبة من يؤيدون حل الدولة الواحدة أو الكونفدرالية بما مجموعه سبع نقاط. وكان المكسب الأكبر من نصيب "غير ذلك" من الوسائل، حيث ارتفعت النسبة بما قدره ثلاثون نقطة إلى 36 بالمائة. وتارة أخرى، كانت الغالبية العظمى من هؤلاء التونسيين ترغب في استمرار المقاومة المسلحة.
 
كسر الدائرة المغلقة
جغرافياً، تقع تونس على مسافة بعيدة من إسرائيل، ومن غير الوارد أن تؤثر شهية شعبها المتنامية للمقاومة المسلحة في الحرب بشكل مباشر. ولكن لو كانت الدول العربية الأخرى تشهد تغيرات مشابهة في الرأي العام، فإن من الوارد أن يندلع القتال على الحدود مع إسرائيل. ومن المرجح أن السخط ضد إسرائيل نما أكثر داخل البلدان الأقرب إلى ساحة الصراع أو داخل البلدان التي تؤوي اللاجئين الفلسطينيين بأعداد كبيرة، مثل الأردن ولبنان. ومن هنا فإن إمكانية نشوب عنف أكبر محتملة، ومن ذلك تنبع الخطورة. ناهيك عن أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موبوءة بالصراعات المحتدمة أكثر من أي جزء آخر من العالم.
 
طالما استمر القصف على غزة، فإن الخطر سيتفاقم لا محالة. والحقيقة هي أنه حتى بعد انتهاء القتال، من الوارد أن تبقى المنطقة محفوفة بالمخاطر. لقد شاهد جيل جديد فظائع الاحتلال مباشرة عبر شاشات التلفاز ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك الصور المأساوية لجثث الموتى والعائلات المكلومة التي من غير الوارد أن تنسى ما حل بها. من المحتمل أن تلجأ نسبة من هؤلاء إلى تمويل أو مساعدة، أو حتى الانضمام إلى، المجموعات التي تقاتل ضد وجود إسرائيل. قد يظن سياسيو البلد بأن هذه الحرب سوف تزيد من منعتهم أمنياً، ولكن أمن إسرائيل لن يتحسن طالما استمر هذا الصراع.
 
إن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن القضية الفلسطينية تظل مسألة في غاية الأهمية بالنسبة للعالم العربي، ولا يمكن لإسرائيل أن تأمل في أن تتمكن من إلحاق الهزيمة بها من خلال القصف بالقنابل. لم تفقد هذه القضية أهميتها لدى الجيل الجديد. وعلى الرغم مما قد تكون العديد من العواصم الغربية (بل وبعض العربية كذلك) قد افترضته، فإنها لن تتمكن إسرائيل من صنع السلام مع جيرانها طالما ظل الفلسطينيون بلا دولة. فقط خلال عشرين يوماً تبدلت نظرة التونسيين إلى العالم بطرق يندر أن تحصل حتى على مدى بضعة من السنين. لا توجد قضية أخرى في كل أنحاء العالم العربي يشعر الناس إزاءها بارتباط فردي وعاطفي وثيق.
 
وهذه الحرقة صادمة بشكل خاص إذا ما أخذنا بالاعتبار ما تواجهه تونس من تحديات محلية. فالدولة الآن لديها ناتج محلى إجمالي لكل مواطن أقل مما كان عليه الحال قبل أن تندلع الثورة في البلاد في عام 2010. ومع ذلك، يريد التونسيون رؤية ارتباط أقل بالولايات المتحدة من الناحية الاقتصادية. فبحسب ما جمعناه من بيانات، بحلول السابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول)، كان التونسيون يفضلون التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية على التنمية الاقتصادية في بلادهم، وبهامش هائل – 59 بالمائة مقابل 4 بالمائة.
 
إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان إلى تحقيق سلام حقيقي مع العالم العربي – بدلاً من السلام البارد مع أنظمة قمعية تحكم معظم بلدان المنطقة – فإنه يتوجب عليهما تغيير سياساتهما. إنهما بحاجة إلى إيجاد طريقة لإنهاء الصراع الحالي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وهذا يعني أنه يتوجب على كل هذه المجموعات أن تعمل بجد من أجل بناء مستقبل أعدل وأكرم للشعب الفلسطيني: وتحديداً، حل الدولتين. فتلك هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تغيير القلوب والعقول لدى السكان المجاورين ووضع حد لدورة العنف التي ابتلي بها الشرق الأوسط على مدى قرن من الزمن.
التعليقات (0)