ملفات وتقارير

"عربي21" ترصد حجم خسائر الشركات الداعمة للاحتلال جراء المقاطعة.. "دفعوا ثمنا غاليا"

المقاطعة تبقى من وسائل الضغط على صناع القرار والمتدخلين في السياسات- جيتي
المقاطعة تبقى من وسائل الضغط على صناع القرار والمتدخلين في السياسات- جيتي
"الواجب الآن هو الانتفاض والثورة ومقاطعة الاحتلال بكل أشكال المقاومة" هي جُملة قالها الناطق باسم كتائب القسام، في آخر كلمة له، الجمعة؛ اهتزّت بها همّة جُل رواد مختلف منصات التواصل الاجتماعي، في عدد من الدول العربية والغربية، في تأكيد منهم على ضرورة "الاستمرار في كافة أساليب مُقاطعة الاحتلال الإسرائيلي".

وشنّ رواد مختلف منصات التواصل الاجتماعي، في ربوع العالم، حملات مقاطعة الشركات العالمية الداعمة للاحتلال على غرار "ستاربكس" و"ماكدونالدز" و"بابا جونز".. وغيرها؛ بسبب تقديمها دعما لجيش الاحتلال الإسرائيلي سواء ماديا أو معنويا. وذلك منذ بدء عدوان الاحتلال الإسرائيلي الأهوج على قطاع غزة المحاصر، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وعلى الرغم من أنه من المبكّر حاليا إماطة اللثام عن الحجم الكامل للخسائر، أو نسبة تراجع المبيعات التي سجلتها عدد من العلامات التجارية، التي تُشن ضدّها حملات المقاطعة، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وذلك لعدم توفر بياناتها المالية عن فترة الربع الأخير 2023. إلا أن "عربي21" حاولت وضع الأصبع على أبرز الخسارات التي يمكن التوصل إليها في ظل الوضع الحالي.

Image1_12202320153918478673029.jpg
الخسارة الفادحة.. "ستاربكس" في الواجهة
طالب جُل رواد الفضاء الرقمي، بنشر الوعي بين المواطنين في أرض الواقع، لتجنب دعم عدد من الشركات الداعمة للاحتلال؛ وفي المقابل دعم المقاهي والمنتجات المحلية، والتأكيد على تجربة المشروبات والقهوة في أماكن مختلفة، بعيدا عن "ستاربكس".

وفي السياق نفسه، بادر عدد من المؤثرين بإعلان مقاطعة "ستاربكس" بكثير من الطرق التي وُصفت بـ"المبتكرة"، منها: تغيير أسمائهم عند طلب القهوة في مقاهي "ستاربكس" بأسماء لها علاقة بفلسطين، بينهم أحد المؤثرين، الذي قال في مقطع فيديو، عند طلبه من المقهى نفسه: "اسمي فلسطين حرة"، لتصدر هذه الأخيرة فاتورة نقدية تحت هذا الاسم، قبل أن يحتفظ فيها، ويقوم بسكب القهوة في سلة النفايات.

وتكبّدت شركة "ستاربكس" ما وُصف بـ"الخسارة الهائلة" في القيمة السوقية، حيث بلغت 11 مليار دولار، وهو ما يمثل انخفاضا بنسبة 9.4 في المئة، مما دق ناقوس الخطر داخل كافة أروقة شركة متاجر القهوة، الأولى عالميا.

وبحسب موقع "إيكونوميك تايمز"، فإنه "منذ 16 تشرين الثاني/ نوفمبر، انخفضت أسهم الشركة بنسبة 8.96 في المئة"، مؤكدا أن "هذا الانخفاض الكارثي، يعكس تباطؤ المبيعات والاستقبال الفاتر لعروض أعياد الميلاد؛ ممّا يسجل رقما قياسيا جديدا في السوق".

ووفقا للموقع نفسه، "تجاوزت تداعيات المقاطعة، الحدود، حيث إن "ستاربكس" في مصر قامت بتقليص حجم قوتها العاملة بسبب الضغوط المالية الناجمة عن آثار المقاطعة".

وقال الباحث التركي المهتم بالشأن العربي، محمد صديق يلدرم، إن "شركة ستاربكس مملوكة لرجل أعمال يهودي يدعى هوارد شولتز، الذي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية"، مشيرا إلى أن "اسم ستاربكس يأتي من ستاربوك، اليد اليمنى لأخاب، الملك السابع لإسرائيل".

وتابع، يلدرم، خلال تغريدة له على حسابه في منصة "إكس" (تويتر سابقا)، أن "مواقع ستاربكس حول العالم، تقوم بدفع الإتاوات للمالك في الولايات المتحدة. بمعنى آخر، مقابل كل فنجان قهوة يتم استهلاكه، يتم الدفع لواحد من أهم أسماء اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة".

وأضاف: "إن الدولة الوحيدة في الأمم المتحدة التي تدعم حالياً الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل هي الولايات المتحدة. والسبب في ذلك هو أن اللوبي اليهودي، الذي يتكون من شركات يهودية مثل ستاربكس، قد استولى على الحكومة الأمريكية مالياً. وفي واقع الأمر، عندما أصدرت نقابة عمال ستاربكس بيانا لصالح فلسطين فيما يتعلق بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل، رفعتهم ستاربكس إلى المحكمة وأعلنت للعالم أجمع أنها تدعم الإبادة الجماعية".

شركات كُبرى تتكّبد الخسارة 
دعوات المقاطعة لم تقتصر على "ستاربكس" بل امتدت إلى سلسلة مطاعم "ماكدونالدز" الشهيرة، فقالت إحدى المؤثرات على مواقع التواصل: "بينما الأطفال الفلسطينيون يعانون في غزة دون أكل ولا ماء نظيف صالح للشرب، ماكدونالدز تقدم للجنود الإسرائيليين الطعام مجانًا". 

وأكدت وكالة "رويترز" عن مصدر في إدارة شركة ماكدونالدز في مصر، لم تكشف عنه، أن "مبيعات الامتياز المصري انخفضت بنسبة 70 في المئة، على الأقل، في شهري تشرين الأول/ أكتوبر، وتشرين الثاني/ نوفمبر الماضيين، على أساس سنوي".

بدوره، دعا بيرس كوربن، وهو شقيق زعيم حزب العمال البريطاني السابق، البريطانيين، إلى مقاطعة "ماكدونالدز"، بالقول: "أنا أساند أهالي غزة في المذبحة التي ترتكبها إسرائيل، إنها ليست حربا بل هي إبادة جماعية، لذلك نحن بحاجة إلى إجراءات مباشرة مثل مقاطعة ماكدونالدز، التي تقدم وجبات مجانية للجيش الإسرائيلي، وهذا فظيع". 

وأعلنت شركة "ماكدونالدز الكويت"، في بيان، نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، "التبرع بخمسين ألف دينار كويتي (أي أكثر من 160 ألف دولار) لأهلنا في غزة" مؤكدة أن متجرها "يقف مع فلسطين". فيما قدّمت "ماكدونالدز قطر" مليون ريال قطري (نحو 275 ألف دولار) "للمساهمة في جهود إغاثة أهالي غزّة".

اظهار أخبار متعلقة


لكن، على الرغم من إعلانات التبرع، وعلى الرغم من أن البعض من فروع ماكدونالدز، في عدد من الدول العربية، أصدرت بيانا تؤكد فيه أن لا علاقة لها بـ"التصرف الفردي، من قبل الوكيل في إسرائيل، وأنها لا تموّل أو تدعم بأي شكل من الأشكال أي حكومات أو جهات داخلة في هذا الصراع"؛ إلاّ أن دعوات الاستمرار في المقاطعة، لم تتوقف على جُل منصات التواصل الاجتماعي.

شركة "كوكا كولا" كذلك، طالها نصيب وافر من حملات المقاطعة، ما جعل واحدة من رواد منصات التواصل الاجتماعي، من داخل مخزن للمواد الغذائية، تراكمت فيه صناديق "كوكا كولا" تقول: "هذه أول مرة في حياتي، أرى فيها كمية كبيرة من الإشارات الحمراء على هذه المنتجات، وهذا دليل على تأثير المقاطعة على هذه المنتجات". 

"زارا" في ورطة 
بعد عدد من الصور التي فتحت الباب على مصراعيه لجدل واسع، حين أعلنت عن ملابس جديدة في سلسلة "زارا" العالمية، قدّمت الشركة اعتذارها عن محتوى الإعلان الذي يظهر فيه توابيت وأكفان وحجارة؛ وهي ما وصفها نشطاء مختلف منصات التواصل الاجتماعي، بـ"السخرية مما يجري في غزة".

وفي السياق نفسه، أصدرت زارا، بيانا، قالت فيه: "نأسف لحدوث سوء فهم.. بعض العملاء رأوا شيئا بعيدا عما كان مقصودا عند إنشائه"؛ وذلك بعد موجة استياء عارمة، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، أكد فيها الناشطون على أن العلامة التجارية "زارا" استوحت تصميمها من قلب الإبادة المستمرة في قطاع غزة المحاصر، من أجل ترويج المجموعة الجديدة. 

وغرّدت الصحفية الجَازي طارق السنافي، عبر منصة "إكس" (تويتر سابقا): "من الغباء وعدم الحكمة دمج التجارة والسياسة معا! والنتيجة خسارة كبيرة (مُستحقة)! لا نرى هنا فناً معاصراً، فنحن نشاهد منزلا منكوبا وأكفانا وخريطة وجُـثثا وحقيبة سفر، وبرواز بلا هوية، و(شقراء) تتسيد المكان. الرسائل المبطنة أصبحت مكشوفة في هذا الزمن". 

وبحسب تقرير نشرته مجلة "نيوزويك" الأمريكية، في السادس من الشهر الجاري، فإن "تيار السخط العام في العالم العربي، يشير إلى أن فروع الشركات الأمريكية والغربية ستواجه تحدياً كبيراً خلال الفترة المقبلة".

ويرى الأستاذ الباحث في المعلوميات بجامعة روان الفرنسية، يوسف البيتي، أن "منصات التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في انتشار حملات المقاطعة وتنظيمها، نظرا للدور الذي تلعبه في التعبئة الجماهيرية والتأثير على الرأي العام؛ خصوصا عبر آلية الهاشتاج (الوسم) لإيصال الرسائل والتأطير والتعبئة والتأثير وتنظيم الحركيات الشعبية". 

وأوضح البيتي، في حديثه لـ"عربي21" أن "الجدوى من المقاطعة تكمن في قدرتها على الضغط كسلاح جماهيري للتأثير على القرار السياسي، عبر بوابة الاقتصاد، باعتباره ركيزة أساسية بالعالم الرأسمالي الحالي، وهناك علاقة مباشرة بين الجانب الاقتصادي والقرار السياسي للدول التي تنتمي إليها والمنتظم الدولي بشكل عام". مردفا أنه "لفهم هذه العلاقة يكفي أن نشاهد مسارعة الدول الغربية إلى فرض حصار اقتصادي على روسيا من أجل الضغط عليها للتراجع عن عدوانها على أوكرانيا".

اظهار أخبار متعلقة


أما بخصوص قدرة المقاطعة على التأثير، فقد تابع البيتي: "يمكن أن نلمسه بشكل واضح بالدول العربية، ومدى تأثر الشركات الأمريكية (ماكدونالدز، ستاربكس...) بالمقاطعة الشعبية وخسائرها المالية التي دفعت ستاربكس للانسحاب من المغرب مثلا، ودفعت وكلاء ماكدونالدز بأغلب الدول العربية إلى المسارعة للتبرؤ من أي دعم للاحتلال والتعبير عن دعمهم للقضية الفلسطينية والتبرع المالي لصالح الشعب الفلسطيني كما حصل مع ماكدونالدز-مصر".

استغناء وليس مُقاطعة.. 
تحدثت "عربي21" مع عدد من رواد مختلف منصات التواصل الاجتماعي، ممّن يكرّسون جُل وقتهم للإسهام في الرفع من مستوى الوعي بـ"المقاطعة" بين المواطنين، بينهم إيمان (28 عاما) من مصر، التي قالت: "في صراحة الأمر أنا وزملائي وكافة معارفي، أصبحنا مُستغنيين عن كافة المنتجات الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، ولسنا فقط مُقاطعين"؛ وهو الموقف نفسه الذي أكّد عليه مؤيد، من الأردن، حيث أشار: "بعد أكثر من شهرين من العدوان القاسي، عن أي مُقاطعة نتحدث، إنها حملة استغناء".

وعلى جنبات رفوف المنتجات، في عدد من المحال التجارية الكبرى في المغرب، رصدت "عربي21" تمعّن عدد من المواطنين في المنتجات، للبحث عن أصلها، بينهم مريم، التي كانت تعود لهاتفها للتأكد من صلاحية المنتج بالنسبة لها، حيث أكدت بالقول: "إنني أراجع قائمة المنتجات الغربية بهدف عدم شرائها، في وقت يواصل فيه الاحتلال حربه على قطاع غزة المحاصر".

وتوضح مريم في حديثها لـ"عربي21": "بدأنا بمقاطعة كل المنتجات التي تدعم الاحتلال تضامنا مع الفلسطينيين، وهذا أضعف ما بإمكاننا القيام به لنصرة الشعب الفلسطيني كافة، حيث نرفض أن نساهم بأموالنا في المزيد من الأسى".

وتقول الباحثة في العلوم السياسية، أسماء مهديوي، إن "حملات المقاطعة الافتراضية، يمكن أن يكون لها تأثير متنوع، ويعتمد على السياق وقوة الحملة ومدى استمرارها؛ وقد تحقق حملات المقاطعة نتائج ملموسة في تغيير سياسات الشركات تجاه توجيه قضايا تهم الرأي العام، ومع ذلك، يمكن أن يكون الأثر مؤقتًا أو محدودًا تبعًا للظروف المحيطة بالحملة".

اظهار أخبار متعلقة


وأوضحت مهديوي، في حديثها لـ"عربي21" أنه "بالنسبة للقضية الفلسطينية فالمقاطعة تبقى من وسائل الضغط على صناع القرار والمتدخلين في السياسات ووسيلة كذلك لتعبئة الرأي العام العالمي، ودعم صمود الفلسطينيين".

واسترسلت: "أعتقد أن معركة المقاطعة تتطلب نفسا طويلا واستراتيجيات للتعبئة، والبحث كذلك عن بدائل جيدة؛ فيما تبقى المقاطعة أسلوبا للتعبير عن الرأي يروم الضغط على صاحب رأس المال، الذي بدوره يمكن أن يضغط على صانع القرار السياسي".

من جهته، كان المختص في القانون الدولي، عبد القادر العزة، قد أكد في حديث سابق لـ"عربي21" على أن "المقاطعة تركّز على رفض الفرد أو الجماعة للمشاركة في دعم أو استهلاك منتج أو خدمة، ويمكن أن تشمل عدم شراء سلعة محددة أو عدم التعامل مع شركة أو مؤسسة بناءً على مبادئ أخلاقية أو سياسية أو دعهما لسياسات الاحتلال الإسرائيلي".
التعليقات (0)