تقارير

أخلاق السلم والحرب.. نظرة تحليلية على ضوء الحرب على غزة في ندوة دولية

الخبراء والمختصون في حقوق الإنسان أخذوا مواقف جريئة قد تنفع لمتابعة الكيان على جرائمه في المحاكم الدولية..
الخبراء والمختصون في حقوق الإنسان أخذوا مواقف جريئة قد تنفع لمتابعة الكيان على جرائمه في المحاكم الدولية..
في إطار برامجه التي تعنى بالقيم والأخلاق والتعاون الحضاري، وتسعى إلى المساهمة في بناء عالم يحترم القيم الإنسانية ويقدرها ويتساكن في ضوئها، نظم المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري يوم الجمعة 29 مارس 2024 ندوة دولية في موضوع: "أخلاق السلم والحرب: نظرة تحليلية على ضوء الحرب على غزة". وذلك بحضور ثلة من الدكاترة والمفكرين والفاعلين الحقوقيين.

في البداية افتتحت الأستاذة وديان البخاري مسيرة الندوة بتقديم أرضية ودواعي تنظيم هذه الندوة، ثم تطرق الدكتور Carlos Totta في مداخلته التي أسس لها على ثلاثة أسئلة محورية وهي كالآتي:

ـ هل فلسطين مهمة إلى هذه الدرجة حتى تثير هذا النقاش؟
ـ هل ما يجري في فلسطين له علاقة بواقعنا اليوم؟
ـ هل يعرف الناس خطورة ما يقع في فلسطين؟

من خلال إجابته عن هذه الاسئلة أكد الدكتور Carlos على أن ما يحدث في فلسطين ليس أزمة إنسانية، بل هو أزمة الإنسانية كما جاء على لسان الأمين العام للأمم المتحدة. كما أنه أكد أن القضية الفلسطينية قضية عادلة تتمثل في مقاومة شعب لاسترجاع سيادته وأراضيه المغتصبة من دولة ترتكب إبادة جماعية أمام تواطؤ دولي رهيب.

وأشار الدكتور Carlos في معرض حديثه إلى أن ما يجري الآن من تدمير شامل لكل البنى التحتية وخاصة المستشفيات لا يتعلق بأحداث السابع من أكتوبر، بل هو سياسة إسرائيلية منذ الحروب التي شنتها على قطاع غزة حيث كان الدكتور شاهدا عليها في معركة الرصاص المصبوب (معركة الفرقان) سنة 2014، وأكد أن إسرائيل تعتبر وريثة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وتعمل على رعاية مصالحها.

وفي ختام كلمته خلص الدكتور إلى أن المذبحة التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني لا يمكن السكوت عنها ويحتم علينا مقاومتها بكل الوسائل ومن ذلك عدم الترويج للأكاذيب التي تروجها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية حول ما يجري في غزة.

ثم تلتها مداخلة المحامي والخبير في القانون الدولي ورئيس منظمة الكرامة بجنيف رشيد مصلي التي تطرق فيها إلى جرائم الاحتلال الإسرائيلي بقطاع غزة في ميزان القانون الدولي الإنساني، حيث بين أن الأقنعة قد سقطت وظهرت الدول الغربية ومنظماتها الحقوقية التي كانت تقدم دروسا في حقوق الإنسان في وضع مخز بعد دعمها للجرائم التي تقوم بها إسرائيل في غزة وهي جرائم ضد الإنسانية وابادة جماعية منتهكا بذلك مختلف القوانين الدولية وكل المبادئ التي حكمت العالم ومنها اتفاقية مناهضة التعذيب وقانون روما الاساسي وأن الامر لا يحتاج أن تكون خبيرا دوليا لتتأكد أن إسرائيل ترتكب جرائم الإبادة الجماعية.

نعيش الآن في مرحلة جديدة وهي مرحلة تردد ومقبلون على مرحلة جديدة على المستوى الدولي في ما يتعلق بالمنظومة الدولية لحقوق الانسان والتي لم يبق لها أية فعالية لان إسرائيل مدعومة بالدول الغربية تبقى دون ردع.

وأكد أن الخبراء والمختصين في حقوق الإنسان أخذوا مواقف جريئة قد تنفع لمتابعة الكيان على جرائمه في المحاكم الدولية ولو مستقبلا فيما يتعلق بالاعتداء الإسرائيلي وجرائم الإبادة الجماعية وقتل الصحافيين والاعتداء على المستشفيات مع دعوات لوقف تصدير الأسلحة لإسرائيل موضحا أن هذه المواقف أحدثت تغييرا جذريا في عقلية العاملين في منظومة حقوق الانسان.

ثم تناول الكلمة العجمي الوريمي الأمين العام لحركة النهضة التونسية، في موضوع: "بين أخلاقيات المقاومة وأحقية الدفاع عن النفس: مساحة مشتركة ومساحة التوظيف السياسي".

بدأ الوريمي مداخلته بتحية الشعب الفلسطيني المقاوم الصامد المرابط، وبين مركزية القضية الفلسطينية في الأمة العربية والإسلامية، والتي وقع لها نوع من التهميش والتناسي. حتى جاء طوفان الأقصى الذي قادته المقاومة، وأرجعت القضية الفلسطينية لصلب الاهتمام العربي والإسلامي والإنسانية جمعاء. إذ هي حق مشروع يضمنه القانون الدولي والشرائع السماوية والإنسانية. مقاومة أصبحت تلهج بها الألسن والأفواه في الساحات والعواصم العالمية. لتعبر عن مواقفها الإنسانية تجاه القضية الفلسطينية مناصرة للشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة وحقه المشروع في أرضه وبناء دولته وسيادته ومقاومته. ويفضح حقيقة المشروع الصهيوني وكيانه، وكذا تواطؤ العواصم الغربية وتخاذل العواصم العربية. أمام ما تقوم به الصهيونية بغزة من تقتيل وتهجير، واستيلاء على الأرض، وانشاء للمستوطنات، ورده غير المتكافئ مع فعل المقاومة يوم 7 أكتوبر.

انتقل الوريمي في مداخلته ليؤكد على حقيقة المقاومة، وهي أنها ليست رد فعل، ولا بندقية عمياء، أو حزاما ناسفا، إنما هي عمل وحركة تحررية مقاومة للاحتلال الغاصب لأرض فلسطين منذ وعد بلفور المشؤوم. وإنها أيضا مقاومة بينت مدى فشل الإنسانية في إيجاد حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني الذي حرم من كل حقوقه بخلاف اليهودي الذي يتمتع بسائر حقوقه. وأيضا مختلف الحروب التي يشنها الاحتلال الغاصب لتصفية القضية الفلسطينية عن طريق: الحروب الخاطفة، والحرب النفسية، والاستنزاف والتخويف، والتطبيع، وحماية الأنظمة العميل، ومنع قيام أي قوة سياسية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو علمية.

وفي ختام مداخلته أكد العجمي الوريمي على:

أولا ـ دور طوفان الأقصى في فضح الإفلاس الأخلاقي للغرب من جهة، ومن جهة أخرى إرجاع القضية الفلسطينية ومقاومتها الباسلة للواجهة، وتغييرها لقواعد الاشتباك، وقواعد المواجهة، ووضعت القضية على الطاولة من جديد. وعلى حاجة هذه المقاومة الشرعية لدعم سياسي واعلامي وشعبي من أحرار العالم. حتى يتم تطوير الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية ومقاومتها ليتوقف الحصار، والجرائم، وحرب الإبادة، والاحتكام للقانون الإنساني لينال المجرمون جزاءهم ويحاكمون أمام القانون. بالتالي فإن البحث الجدي عن حل عادل للقضية يكون الفلسطينيون فيه قول وفصل دون وصاية أو تدخل من أحد.

ثانيا ـ ضرورة وضع ميثاق أخلاقي جديد يحترم الحق في العيش والسيادة، وتقرير المصير، والضغط على الحكومات حتى لا يستمر الاحتلال والظلم، ولا تستمر كل هذه الكيانات العنصرية التي تضرب عرض الحائط كل المكاسب الحضارية والإنسانية، وتضرب عرض الحائض أيضا كل الحقوق والمواثيق الدولية.

ثالثا ـ رفع الحصار الغاشم على فلسطين ومقاومتها، وتمكين الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة، واستصدار قرارات ضاغطة دولية، وقرارات ضاغطة على الحكومات لتغيير سياساتها تجاه هذا الكيان الغاصب، وقمعه وإنهاء هذه المأساة والحرب التي ينبذها الدين والإنسانية كافة.

وختاما جاءت مداخلة الدكتور فؤاد هراجة الباحث المغربي تحت عنوان: "تأثيرات المنظومة الفكرية الغربية على التميز بين الدول والشعوب".

عرج الدكتور فؤاد هراجة، في مداخلته على أهم الأحداث المأساوية التي تعيشها غزة، والتي تجاوزت كل الأفعال المحرمة دوليا؛ من قتل وإبادة جماعية، وتطهير عرقي، وتخريب للعمران، واستهداف للمشافي والمدارس، والملاجئ واللاجئين، والأطقم الصحية والصحفية، وحصار للمساعدات، ومنع للطعام والماء والدواء والكهرباء... والتي ستبقى وصمة عار في جبين المنتظم الدولي عامة، وفي جبين حكومات الدول العربية والإسلامية خاصة. ليبسط الحديث بعد ذلك في مداخلته عن مدى انعكاس وتأثير بنية الأفكار الغربية ومدى الجنوح المتواصل للساسة الغربيين إبان القرن 19 و20 والربع الأول من القرن الذي نعيشه إلى الغزو والقتل والتهجير، والتي تعد فلسطين وغزة حلقة شاهدة على هذا المسلسل، كما في معظم دول المعمورة والتي راح ضحيتها ملايين من البشر.

انتقل الدكتور هراجة وهو يقدم مداخلته ليتساءل أمام هذا المشهد القاتم، بل وينطلق من فرضية مفادها "أن المنظومة الفكرية الغربية وبنية القيم والأخلاق المنبثقة عنها هي المحرك الأساس لكل دوافع الحرب، وهي الصانعة لإرادة الحرب، وأن "خلاص البشرية من مسلسل الدمار المتواصل يقتضي مراجعة كل الفلسفات الغربية كونها مسؤولة عن إنتاج وصناعة عقل غربي صدامي صراعي، غرست فيه كل بذور العنصرية والشعور بالتفوق ومركزية الذات، بل وجعلته يكفر بكل وجود خارج وجود الحداثة، ومن ثم نزع صفة الإنسانية عن كل الكائنات التي تعيش خارج الوجود الحداثي، وأن هذه هي السمة الحقيقية للحداثة الغربية في نظر الدكتور هراجة، وماهي إلا في الحقيقة سوى: "أنترولوجيا حداثية عنصرية متمركزة على الذات، لا ترى الحق إلا في الوجود للكائن الأبيض الحداثي".

ويتساءل: هل مكمن الداء في المنظومة الفكرية التي يحملها الغرب؟ ثم أليس من حقنا كشعوب مسلمة وشعوب دول الجنوب أن نتساءل أو نسائل المنظومة الفكرية الغربية مثلما سمحت لنفسها أن تسائل المنظومة الإسلامية عقب أحداث 11 سبتمبر ومدريد ولندن وبروكسيل الإرهابية، حيث اتهمت هذه المنظومة الغربية التعاليم الإسلامية من أنها من كانت وراء دفع منفذي ومرتكبي هذه الجرائم في حق الأبرياء والتي ننكرها ونشجبها؟ أليس من حقنا أن نقارن تلك الخسائر التي خلفتها تلك الحروب، ونتساءل لماذا لا نتصرف بنفس المعايير، ونتهم المنظومة الغربية الحداثية على أنها المسؤولة عن صناعة العقل السياسي الغربي، الذي لا يرى في الآخر غير الغربي مجرد حيوانات بشرية، وأن حيواتهم لا تهمهم في شيء؟ ألى يعتبر كل ما ذكرناه تجنيا على فلسفة الحداثة أو ادعاء في حقها؟

خلص الدكتور هراجة بعد كل تلك التساؤلات وبعد أن استقرأ نماذج من الفكر والفلسفات الغربية، إلى:

أولا ـ صحة فرضية كون تلك الفلسفات والمنظومات الفكرية الغربية أدت دورا سلبيا مقيتا في صناعة الحروب والصراعات في العالم، وقدمت مبررات أخلاقية لساسة وجيوش العالم لقتل ونهب تلك الشعوب. وأبرز ذلك من خلال الانتاجات الفكرية والفلسفية للغربيين، حيث وجود علاقة بين الفلسفة الغربية وما وقع من حروب داخل أوروبا وخارجها، وما أنتجه من عبودية واستعمار. وأن المحتل مارس بربريته المتوحشة على المحتَلِّين -نموذج الفعل الصهيوني ـ الأمريكي على الفلسطينيين؛ إذ وصفوهم بالوحوش البشرية نازعين صفة الانسانية عنهم.

ثانيا ـ كون الغرب بدأ يتخلى بكل سهولة عن قيمه تجاه نفسه؛ وقد كان يتمتع بمصداقية، وكان يدعوا إلى هذه القيم، ويحدد حدودها، ويحدد فهمها، وتجلياتها ومغزاها.

ثالثا ـ ضرورة أن نأخذ سلطة أنفسنا لممارسة هذه القيم خارج سلطة الغرب ووصايته. وقال: "إن العالم ينتظر نموذجا حضاريا فمن يا ترى سيقترحه؟ الإنسانية في حاجة إلى يقظة واحياء لقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى' وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا' إن أكرمكم عند الله أتقاكم) نحتاج إلى تعارف بميثاق جديد، نحتاج إلى تواصل بميثاق جديد، نحتاج إلى تكامل بميثاق جديد، إلى تعاون بميثاق جديد. نحتاج إلى ائتلاف عالمي يعيد الاعتبار للقيم والأخلاق، ويعيد المصداقية للسلم والأمن والسلام والتعارف والتعايش".

وفي ختام الندوة الدولية أعطيت الكلمة للحضور الذين أدلوا بمداخلاتهم وتعقيباتهم في الموضوع.
التعليقات (0)