كتاب عربي 21

إسرائيل الخارج وإسرائيل الداخل

طارق الكحلاوي
1300x600
1300x600
تروج بين الحين والآخر تعليقات عامة بدون أدلة عن كون قيادات التيار "الجهادي" الإرهابي مخترقين وعناصر استخباراتية وحتى ربطهم بجهاز "الموساد". لا نحتاج إلى أن يكون كل هؤلاء في غرفة عمليات مشتركة تتبع "الموساد" أو أنهم مرتبطون عضويا وهيكليا ومسيرون بأجهزة التحكم عن بعد حتى نرى الترابط الموضوعي والمصلحي بين إسرائيل والتكفير الإرهابي.

فالارتباط على مستوى اهم، في السياسات العامة والممارسات. عندما تضرب اسرائيل صواريخها على اطفال غزة في حربها الطويلة لمحو الفلسطيني من حق الوجود في ذات التوقيت الذي يقصف فيه الارهابي الجندي التونسي الذي حمى الثورة ضد الطغيان ويحمي مسار الانتقال الديمقراطي فاننا ازاء طرفين منسجمين ولو بدى انهما متعارضين تماما. احدهما اسرائيل الخارج والاخر اسرائيل الداخل.

من الناحية الاستراتيجية العامة نظر التيار منذ عبد السلام فرج في "الفريضة الغائبة" منتصف سبعينات القرن الماضي لفكرة قتال الداخل كاولوية على قتال الخارج وبالتالي ان قتال اسرائيل ليس مسالة اولوية. اتى ذلك من قبل شخص من اصول فلسطينية وفي سياق التحضير لـ"كامب ديفيد" واستعار المقاومة الفلسطينية. الموقف المنسوب لـ"داعش" منذ ايام حول عدم اولوية قتال اسرائيل وبمعزل عن امكانية التأكد من انه موقف رسمي نهائي لا يجب النظر اليه على انه غريب بل في انسجام واضح مع رؤى عبد السلام فرج.

النص المنسوب لتنظيم الدولة يتضمن ما يلي:"الجواب الأكبر في القرآن الكريم، حين يتكلم الله تعالى عن العدو القريب وهم المنافقون في أغلب آيات القران الكريم لأنهم أشد خطرا من الكافرين الأصليين.. والجواب عند أبي بكر الصديق حين قدم قتال المرتدين على فتح القدس التي فتحها بعده عمر بن الخطاب".

وهنا يجب ان نرجع لنص عبد السلام فرج في "الفريضة الغائبة" لنفهم ان "داعش" باستراتيجيتها التي تركز على استهداف المسلمين مثل  "قتال الرافضة" و"المخالفين من الكفار والمرتدين" (الامر الذي وصل حتى قتال من يحملون فكرهم من انصار الظواهري و"جبهة النصرة")  استمرارية لذات المضمون الاصلي الذي يستهدف الداخل ويعتبر قتال اسرائيل مسالة ثانوية. يقول فرج في "الفريضة الغائبة" تحت عنوان "العدو البعيد والعدو القريب" ما يلي:

"وهناك قول بأن ميدان الجهاد اليوم هو تحرير القدس كأرض مقدسة والحقيقة أن تحرير الأراض المقدسة أمر شرعي واجب على كل مسلم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف المؤمن بأنه كيس فطن ، أي أنه يعرف ما ينفع وما يغير، ويقدم الحلول الحازمة الجذرية، وهذه نقطة تستلزم توضيح الآتي: أولاً : أن قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد.

ثانياً: أن دماء للمسلمين ستنزف حتى وإن تحقق النصر .. فالسؤال الآن هل هذا النصر لصالح الدولة الإسلامية القائمة ؟ أم أن هذا النصر هو لصالح الحكم الكافر وهو تثبيت لأركان الدولة الخارجة عن شرع الله .. وهؤلاء الحكام إنما ينتهزون فرصة أفكار هؤلاء المسلمين الوطنية في تحقيق أغراضهم الغير إسلامية وإن كان ظاهرها الإسلام، فالقتال يجب أن يكون تحت راية مسلمة وقيادة مسلمة ولا خلاف في ذلك .

ثالثا: إن أساس وجود الاستعمار في بلاد الإسلام هم هؤلاء الحكام ، فالبدء بالقضاء على الاستعمار هو عمل غير مجدي وغير مفيد وما هو إلا مضيعة للوقت ، فعلينا أن نركز على قضيتنا الإسلامية وهي إقامة شرع الله أولاً في بلادنا وجعل كلمة الله هي العليا.. فلا شك أن ميدان الجهاد هو اقتلاع تلك القيادات الكافرة واستبدالها بالنظام الإسلامي الكامل ومن هنا تكون الانطلاقة".

لا يشعر الاسرائيلي بالضرورة  بالارتياح عندما يرى "داعش" تستعرض صواريخ سكود التابعة للجيش العراقي التي سقطت في السابق على تل ابيب مثلما تسقط الان صواريخ "حماس و"الجهاد".

لكنه لا يشعر انها ستستهدفه الان بل ستستهدف خصمه الاقليمي الإيراني أكثر. ومن البديهي ان يكتب معلق وصحفي اسرائيلي معروف مثل زفي باريل في صحيفة هآرتز يوم 15 جويلية الجاري: "في الوقت الذي تضرب فيه إسرائيل قطاع غزة، شئ رائع أن نعرف أن هناك على الأقل تنظيم
إسلامي واحد لم يسارع بتهديد إسرائيل، وهو تنظيم داعش".

من ناحية المصلحة يلتقي الطرفان، التيار "الجهادي" الارهابي واسرائيل في مسالة رئيسية
في السياق الراهن. كلاهما لا يمكن ان يقبل نجاح الديمقراطية عربيا وكلاهما سيخير "الفوضى" واسقاط الدولة ذاتها على نجاحها. بالنسبة للتيار لا يمكن ان تمثل الديمقراطية بوصفها نموذجا توافقيا داخليا للتداول السلمي على السلطة الا اطارا يستهدف في الجوهر نموذج الدولة الشمولية القمعية التي ينظرون لها.

أصبح هذا الموضوع نقطة قارة في كتابات المنظرين المستجدين للتيار والمؤثرة بوضوح في خططهم العامة وخطابهم. لنأخذ على سبيل الذر لا الحصر مقتطفا من كتاب "العالم على اعتاب الفوضى"
لخالد العدم والذي يؤصل لاستعداء تقبل العرب للديمقراطية بناء على تصورات اسس لها الاستشراق الاستعماري فيه ضرورة المراهنة على مسار الفوضى "انطلاقا من قناعة مفادها أنّ العرب بطبعهم و
جبلّتهم لا ينقادون للنظام الدّيمقراطي القائم على التداول السلمي للسّلطة و هو تشخيص يشترك فيه كلّ منظّري التيّار الجهادي العالمي و يقوم على قناعة مفادها : أنّ غلبة الطبيعة القبليّة تمنع انقياد بعضهم لبعض و لا انتظام لهم إلا بوجود صبغة دينيّة من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدّين، وان تعدّد الطوائف مانع من الاستقرار، وعدم اعتياد العرب على الحكم الديمقراطي القائم على مبدأ التّداول، واخيرا انقياد العربي لا يكون الا للدّين او قوّة الحديد و النّار". 

النظرة الإسرائيلية التي انتعشت بعد "الربيع العربي" تذهب في ذات الاتجاه وتدافع بشكل مستميت عن عجز العرب على تقبل الديمقراطية. من الزاوية الاسرائيلية دمقرطة المجال العربي يعني تمكن الشعوب من تحديد مصيرها السياسي وهذا غير مشكل بالنسبة اليها اذ ان هذه الشعوب دافعت بشكل مستمر عن موقف راديكالي من الاحتلال الاسرائيلي ولم تكن بذات "العقلانية" التي استم بها الموقف العربي الرسمي لعقود.
التعليقات (0)