مقالات مختارة

المصائب لا تأتي فرادى

عماد الدين حسين
1300x600
1300x600
كتب عماد الدين حسين: المصائب لا تأتي فرادى.. للأسف ربما هذا أفضل وصف للمأساة الليبية، مصر هي الخاسر الأكبر مما يحدث هناك.

كانت ليبيا حتى وقت قريب واحدة من البلدان الرئيسية المستقبِلة للعمالة المصرية، التى وصلت ــ ذات يوم ــ إلى نحو مليون ونصف المليون قبل سقوط نظام معمر القذافى، والمرجح أن عددها انخفض الآن إلى نحو 700 ألف فقط، على عهدة سفيرنا السابق هناك هانى خلاف.

هذه العمالة كانت تمثل شريانا أساسيا للاقتصاد المصرى. ولو افترضنا أن متوسط العمالة كان مليونا، فمعنى ذلك أنهم كانوا مسئولىن عن إعالة 5 ملايين شخص بحساب أن متوسط عدد أفراد أسرهم خمسة.

لو استمر تدفق العودة بهذا المعدل الذى يتراوح ما بين ألفين إلى خمسة آلاف مواطن كل يوم، فإن الاقتصاد المصرى سيتعرض لمشكلة أخرى فى وقت يعانى فيه من مشاكل كثيرة.

والمحبط أن نوعية العمالة المصرية فى ليبيا معظمها عشوائية وغير مؤهلة، فمعظمهم عمال بناء وزراعة وباعة جائلين، ينتمون إلى الشرائح الأفقر فى المجتمع، وعودتهم تعنى زيادة حدة فقر هذه الشرائح. وعلى الحكومة المصرية أن تراعى هذا الأمر وهى تعالج المشكلة خصوصا إذا كانت تنوى تطبيق الدعم النقدى واستهداف الأكثر فقرا.

لم تكن تلك هى المرة الأولى التى يعود فيها المصريون من ليبيا، حدث ذلك مرات عديدة فى عهد معمر القذافى، فى أى نوبة غضب أو جنون لهذا الحاكم غريب الأطوار كان ينتقم من العمالة المصرية. فى يوم يزيل الحدود بجرافة يقودها بنفسه، وفى يوم آخر يمنع المصريين من الدخول رغم أنه كان قد اعتمد البطاقة الشخصية لدخولهم!.

وعندما نقول إن المصائب لا تأتى فرادى، فالمقصود أن المشكلة لن تتوقف عند عودة العمالة وتحميل الاقتصاد المصرى المزيد من الأعباء، بل توقع تصاعد التهديدات الأمنية القادمة من الحدود الغربية.

فرغم كل نوبات جنون القذافى ونظامه العجيب فقد كانت مصر تأمن شر تهريب السلاح من الحدود الليبية كما نشهده الآن

قد لا يكون هذا التهديد هو وجود «جيش حر» كما توقع البعض قبل شهور، لكن البنية الليبية الحالية المنفلتة من كل عقال ستمثل تهديدا طويل الأمد لمصر ما لم تحدث معجزة.

أولا: هناك ميليشيات متطرفة كثيرة لا أحد يعلم عنها شيئا، خصوصا تلك المتحالفة مع المتطرفين فى الجزائر ومالى وربما تكون هى التى نفذت مذبحة الفرافرة.

ثانيا: هناك دول تمول هذه التنظيمات لتستمر ليس فقط فى تهديد مصر، بل كل المنطقة، وحتى إذا توقفت هذه الدول الاقليمية أو الدولية عن التمويل، فإن هذه التنظيمات الليبية بدأت فى وضع يدها على أموال ونفط وسلاح الدولة، ما يجعلها تكتسب المزيد من التجبر.

كنا نعتقد أن الحدود مع ليبيا هى ملاذنا عندما تضيق بنا الأحوال كما حدث بعد هزيمة 1967 حينما أرسلنا طائراتنا وسفننا بل وبعض مؤسساتنا العسكرية إلى ليبيا.. الآن لم يعد يأتى من هذه الحدود إلا المشاكل الكبرى.

مرة أخرى الثمن الأكبر للمأساة يتحمله الأشقاء الليبيون كان الله فى عونهم، فهم الذين يكتوون بنار العنف والإرهاب والتطرف كل لحظة، بعضهم فقد بيته وأسرته وأمنه ووطنه وصار هائما فى بلاد الله.

المطلوب أن نبلور استراتيجية مصرية شاملة للتعامل مع الأزمة الليبية الراهنة على المدى القصير والمتوسط والطويل، نضع فيها كل السيناريوهات المحتملة، حتى لا نتفاجأ ذات صباح بأن داعش الليبية قد التحمت بداعش المصرية فى سيناء.

(بوابة الشروق المصرية)
التعليقات (0)