قضايا وآراء

يا أخي اتق الله في إخوانك .. ولا تنتقد في العلن

علي البغدادي
1300x600
1300x600
ظاهرة ليست بجديدة، لكن انتشار وسائل التواصل الإعلامي وسهولة أدوات الإعلام الجديد أدت إلى بروزها وانتشارها، فالتطور الهائل في تلك الوسائل كسر جدرانا كانت تحجب المعلومات ووفر منصات لإبداء الآراء ومناقشتها، لم تكن متاحة في السابق.

لم تكن الحركة الإسلامية بمعزل فهي تعيش في هذا العالم تؤثر وتتأثر به، وكان من الطبيعي أن ينهمك شباب الحركة الإسلامية ومحبوها ومناهضوها أيضا في مناقشة قضاياها وقراراتها واستراتيجيتها وفكرها وإيجابياتها وسلبياتها ونجاحاتها وإخفاقاتها. 

قبول هذا الأمر لم يكن سهلا على بعض منتسبي الجماعات الإسلامية خصوصا ممن اعتادوا على نمط معين من العمل لا يتيح النقاش والحوار في الجو المفتوح، كما تربوا على ثقافة ترفض النقد العلني – وربما غير العلني أيضا - وتعتبره عيبا (ونشرا للغسيل الوسخ في الشارع)، وهو من القوادح في شخصية المسلم الملتزم الذي ارتضى أن يعمل في جماعة دعوية.

وفي تفسيرنا لأسباب هذا الموقف الرافض لثقافة النقد في الجو المفتوح نذكر خمسة أسباب رئيسية أدت إليه:

1) الحساسية من النقد بشكل عام فهناك من يرى – وإن لم يصرح – أن الحركة الدعوية التي ينتمي إليها تمثل الإسلام نفسه .. فهي الأمل لإعادة إحيائه في النفوس وهي حائط الصد ضد المؤامرات التي تحاك ضده وهي السبيل لإعادة الخلافة المفقودة .. لذلك فهي حركة طاهرة مباركة تستمد قدسيتها من قدسية الإسلام، فمن أحبها أحب الإسلام ومن عاداها فهو يعادي الإسلام نفسه، تماما كما ينظر كثير من خريجي المعاهد الشرعية لأنفسهم من موقع الأستاذية باعتبارهم (الموقّعين عن رب العالمين)، فكيف للتلميذ أن ينتقد أستاذه المعلم؟
 
2)  الخلط بين مفهومي نصح الأفراد في أمورهم الخاصة والأصل فيه أن يكون سرا وهو خلق كريم، وبين نصح المؤسسات والشخصيات العامة في قرارتهم التي يتأثر بها خلق كثيرون، بل قد يؤدي الخطأ فيها إلى كوارث تصيب الأمة وتزهق فيها الأرواح، فهذه مكانها الفضاء المفتوح لأنها شأن عام يهم الجميع وهي ليست ملكا لقائد معين أو جماعة بعينها بل ملك للأمة وجزء من خبرتها وتاريخها. هذا الخلط هو نتيجة انتشار مفهوم ساد في أمتنا عبر قرون - منذ حدوث الخلل في الحكم وتحويله من شورى بين المسلمين إلى حكم وراثي -  وهو أن النصح للحاكم لا يكون إلا سرا، وهو مفهوم يخالف سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، والشواهد على ذلك كثيرة بل إن بيعة العقبة التي قامت على أساسها دولة الإسلام الأولى ضمت بين بنودها العهد بقول الحق دون خوف لومة لائم، هذا المفهوم الخاطئ موجود في التراث وفي خلفيته الثقافية ويتم استصحابه على حالة الجماعات الإسلامية بالإصرار على رفض النصح العلني.

3) الخوف على الحركة الإسلامية من تربص أعدائها واستغلال نقاط ضعفها، وهم يرون أبناءها ومحبيها يناقشون قضاياها الداخلية وينتقدون أخطاءها وكأنها عورة يخافون كشفها، ونحن نقول: هل منعت نقاشات الغرف المغلقة المؤامرات على الحركة الإسلامية؟ هل وضع الحركة الإسلامية وهي تعمل منذ عشرات السنين بأسلوب (السمع والطاعة) والحشد والتجييش وضع مكتمل الأركان؟ يرد د.عبد الله النفيسي الخبير المستقل في شؤون الجماعات الإسلامية في كتابه الحركة الإسلامية ثغرات في الطريق ردا قويا على أصحاب هذا الرأي فيقول: (والقول بأن مناقشة قضايا الحركة الإسلامية في وسائل الإعلام كفيل بكشف ظهر الحركة الإسلامية لأعدائها برغم ما ذكر عن السيولة المعلوماتية في عصرنا، هو لاشك قول ساذج إلى أبعد الحدود، نحن فعلا نعيش عصر ثورة المعلومات والاتصال ولا يمكن لأية دولة أو حزب أو حركة تتعاطى في السياسة أو غيرها من مجالات النشاط الإنساني أن تفرض على نفسها طوقا من الظلام أو العزلة عن المحيط بها) وكلام النفيسي هذا في ثمانينيات القرن المنصرم أي قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بل قبل انتشار الانترنت بل والفضائيات أيضا.

4) سيادة العقل الأحادي الذي لا يرى إلا الأسود والأبيض، أو الحق والباطل، أو معي أو ضدي، وغياب العقل التعددي الذي يرى الصورة كاملة بما فيها من حسنات وسيئات ويفرق بين درجات الألوان كلها، ويزن الأمور بميزان الموضوعية فيضع لكل أمر وزنه الذي يليق به، ويعيش في حالة تنقية دائمة لأفكاره وقيمه. وأصحاب العقل الأحادي إن قرأوا نقدا ظنوه تشهيرا، وإن سمعوا رأيا معارضا اعتبروه فتنة، وهم بهذه الحالة لا يمكنهم تصور وجود شخص مختلف ناقد وفي نفس الوقت مخلص عامل، لأن الإخلاص في العمل يقتضي البعد عن هذه الفلسفات حسب وجهة نظرهم، وهذا خلل في الفكر.
 
5) اعتبار أن التحديات كبيرة وأن النقد والمراجعة والتقويم لا يكون في زمن المحن والابتلاءات، فلننتظر حتى تنجلي الغمة ثم ننتقد كما نشاء، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وقد يكون هذا الكلام صحيحا إن قصدوا به مرحلة معينة أو تحديا محددا، لكنها أصبحت حالة مزمنة مستمرة شهورا وسنين ولا ندري متى تنتهي ، وأصحاب هذا الرأي لا يدركون وظيفة النقد والمراجعة، ولا يفقهون حركة التاريخ، وهم يظنون أنه سيأتي عليهم زمان تنتهي فيه التحديات تلقائيا فيجلسون على الأريكة ليتحدثوا بأريحية حول أخطاء الماضي ويستخلصون العبر والدروس من تجربتهم!

إن التحديات لا تنتهي طالما استمرت عجلة الحياة وحركة التاريخ وفعل الإنسان، وتخطي التحديات لا يكون إلا بالرؤية النقدية والمراجعة ثم العمل على بصيرة، وإلا سيستمر التيه في حلقة مفرغة، كمن يطلق النار دون أن يحدد الهدف.

بسبب هذا الفهم استمرت الحركة الإسلامية تنتقل من ابتلاء إلى ابتلاء دون أن تحقق إنجازات تساوي تضحياتها لأنها لم تقف مع نفسها وقفة للمراجعة، يقول الشيخ محمد الغزالي في مذكراته (قصة حياة): (وقد أحزنني وأنا في الطور أن الإخوان عموما يرفضون أي اتهام لسياستهم، وقد قلت: إنه بعد هزيمة أحد وقع اللوم على البعض من الصحابة، فلماذا لا نفتش في مسالكنا الخاصة والعامة؟ فقد يكون بها ما يستدعي التغيير، وما يفرض تعديل الخطة، لكن هذا التفكير لم يلق ترحيبا) لذلك ليس بمستغرب أن تكرر حركة الإخوان المسلمين في مصر نفس أخطائها التي وقعت فيها في الخمسينات رغم أن الكثير من قياداتها عايشوا تلك الأحداث واكتووا بنارها. 

لماذا نتكلم في العلن؟

لأن الحركة الإسلامية – رغم جراحها - كبرت وأينعت، ولم تعد تلك الحركة المحصورة في المساجد والجامعات، وقد أصبح لها مؤسساتها وكياناتها وحضورها المؤثر في الخرائط المحلية والدولية أيضا، وشأنها بالتالي شأن عام لا يخصها وحدها بل يخص الأمة كلها، وهي لم تعد ملكا لنفسها بل ملك الأمة وجزء من تراثها وشخصيتها، لذلك نرى تداول شؤونها وقراراتها دليل قوة لا ضعف، فالحركة ليست عورة يخشى كشفها ولا هي موجة عابرة تزول بأصغر سبب، بل هي حركة تقف شامخة بين الناس بعطائها ومواقفها، ومتجذرة في أصول المجتمع وواهم من يحلم باجتثاثها منه، ومن ينكر علينا الكلام العلني تغيب عنه هذه المعاني.

وقضايا الأمة والأوطان تحتاج الصراحة والمكاشفة والمحاسبة، ولا تحتمل مجاملات ولا جبر خواطر، وهي أكبر من مصلحة فئوية أو مشاعر هذا أو ذاك، هكذا يفكر من يضع مصلحة أمته فوق حزبه، فإذا كانت الحركة تعمل لمصلحة الأمة فحق الأمة عليها مناقشة قضاياها على الملأ وسماع الرأي والمشورة في كل ما يخصها، أما إذا كانت تسعى لمصالحها الخاصة فستذهب بالتأكيد الى الغرف المغلقة، ومن لا يرى ذلك فهو ينظر إلى جمهور الأمة باعتباره إما جاهل لا يستفاد منه أو عميل يخاف شره.

ولأن البشرية تتقدم والعالم يتطور، وعلينا الاستفادة من كل جهد بشري مفيد، وقد توصلت البشرية إلى أسلوب المكاشفة والشفافية في العمل، وكان هذا أحد أهم أسباب تقدمها، وأصبح أحد مقاييس قوة ونضوج أي مؤسسة عامة حزبية أو حكومية بل وحتى تجارية هو مدى شفافيتها وقدرتها على طرح مشاكلها أمام الملأ، وأصبح من مقتضيات التقييم العلمي السليم هو أن تقوم جهة مستقلة به، لذلك تلجأ الأحزاب الغربية لتعيين مدقق داخلي لتقييم عملها بحيادية، وتعقد ورش عمل وتدعو ضيوفا من خارجها للتقييم والنقد الذاتي وتأخذ بتوصياتهم، فالحوار في الجو المفتوح كاشف للعقول وشاحذ للفكر ويوفر حلولا خارج الصندوق، أما الحوار في الغرف المغلقة فهو دوران في نفس دائرة التفكير الحزبي النمطي وهو انعكاس لعقلية الحاكم المستبد الذي اعتاد على نشرة الأخبار الرسمية التي تعدد إنجازاته وتحفظ له هيبته، وحقيقة الأمر أنه خائف من محدودية قدرته وإنجازاته، وغالبا سنجد أن الأكثر خوفا من المكاشفة هو الأسوء أداء.

ومن المحزن أن نرى العالم كله – وعدونا الصهيوني بينهم - وهو يتجه إلى الشفافية والمكاشفة في زمن تطور وسائل التواصل وثورة المعلومات وطرح مشاكله في الهواء الطلق بينما نجد من يصر على الوقوف في وجه تيار الانفتاح، ألا يدري أنه يدافع عن قضية خاسرة؟ ألا يرى واقع الدنيا وكيف يفرض نفسه؟ ألا يسأل نفسه إلى أين تتجه الدنيا: المزيد من الانفتاح أو الانغلاق؟

ولإن التفكير النقدي هو أعلى درجات التفكير الإنساني وهو علم وفن، ووجوده وممارسته ضرورة يمليها الواقع، والغريب في الأمر أنه في عصر المعلومات والإعلام التي أتاحت المجال لكل فرد أن يدلو بدلوه في القضايا العامة، ومنها القرارات الكبيرة التي تتخذها المؤسسات السياسية يريد البعض أن يحرم - من هذا الحق - أفراد هذه المؤسسة الذين يهمهم أمرها ويشاركونها الفكر والرؤية ويملكون المعلومات الدقيقة باعتبار أن ذلك يصب في خدمة العدو، وهذا من الخلل الفكري الذي يجعل الناقد في جبهة العدو، فصار صاحب الفكر والرأي مشلول الحركة لا يتمكن من البوح بنفثة صدره أو بقراءته التحليلية للتجارب التي يراها، وهذه معضلة كبرى: لماذا لا يذكر الأخطاء إلا المنشق أو المخالف؟ لماذا لا نرى محبا مواليا يتكلم برأيه في الجو المفتوح؟ هل هذا ما تعلمناه من القرآن الكريم والسنة النبوية؟ هل يعجبكم نموذج وعاظ السلاطين؟

ومن ينظر إلى برامج التكوين والتثقيف التي تنتهجها الحركات الإسلامية سيجد بوضوح غلبة التلقين والوعظ والمفاهيم التنظيمية، على حساب البرامج التي تنمي الفكر وتثير الوعي والروح النقدية، لذلك غلب العقل الإجرائي التنفيذي على العقل التأملي التساؤلي النقدي، وهذا قاتل للوعي وللعمل على بصيرة.

إن خدمة الأعداء ليست بانتشار ثقافة النقد والمصارحة وإنما بثقافة التبرير والتطبيل، فالأولى تعين على النهوض بعد الكبوات واستغلال الفرص الضائعة، والثانية تخدر العقول وتديم حالة الإنكار حتى يصل الفرد أو المؤسسة إلى لحظة الحقيقة بعد فوات الأوان فتحدث الانتكاسة، وقد قال لي أحد أساتذة التاريخ السياسي المخضرمين بأن (أكبر خطأ ارتكبته أمتنا الإسلامية في تاريخها هو تبرير الأخطاء)، علينا أن نعي ذلك جيدا، فما خسرته أمتنا عبر تاريخها من غياب ثقافة النقد هو أكبر بكثير مما خسرته على يد أعدائها، لذلك هي مستمرة في تقديم التضحيات والدماء وتكرار التجارب الفاشلة وتجرع نفس اللدغات من نفس الجحر مرة تلو مرة. 

همسة أخيرة

لا يجب أن يكون نقد الحركات الإسلامية الفاعلة بابا من أبواب إظهار البطولة أو التشفي بخطأ قراراتها أو ادعاء الحكمة بل هو محاولة جادة للوقوف على مكامن الخلل والاستعداد لانطلاقة قوية جديدة تحقق نقلة نوعية في المسيرة الحضارية للأمة بعد أن عجزت هذه الحركات عن تحقيقها حتى الآن، ولولا أهمية هذه الحركات وترجي الخير منها لما سعى المخلصون لنصحها وتقييمها، لكن لا ينبغي إغفال دور قوى الاستبداد التي تسعى لاستغلال الثغرات والولوج منها تمهيدا لهدم البناء القائم.

وبالمقابل ليس كل رأي معارض فتنة ينبغي محاربتها .. وليس كل ناقد وراءه محرك أو مغرض .. بل الأصل هو تقبل النقد والرأي الآخر والبحث عن الجيد فيه بغض النظر عن قائله.

لذلك فالمسؤولية مشتركة وهي أمانة عظيمة ينبغي فيها الموازنة بين النقد الجاد والقوي والموضوعي وبين الحرص على المصلحة العامة فحتى هذه اللحظة لا يوجد للأمة حصن تحتمي به إن تهدمت هذه الحركات العاملة.

فإن لم تكونوا قادرين على بناء مشروع جديد فلا تهدموا البناء القائم .. واسعوا بكل قوتكم لاستكمال بناء مشروع إسلامي حضاري ينهض بهذه الأمة ويتجاوز نقد الحالات القائمة.
التعليقات (5)
يوسف ابراهيم حسن عمار
الأحد، 15-09-2019 07:52 م
الحركه الاسلاميه تحمل ميراثاً عظيما لا ينحس برؤيتها فقط وانما تتظافر وتتكامل مع العاملين بحق لرفع شأن الامه واستعاده دورها الريادي وهذا يتأتي بتلاقح افكار قاده الفكر الاسلامي الرشييد والساعين لتقويه شوكتها باجتماع الكلمه ووحده الهدف وان تباينت الرؤى لان مصلحه وصيانتهاوحمايتها امام الاخطار اهم معالم مسيرتها اذا صاحب ذلك الاخلاص والتجرد لكل القيادات وجنودها ارتباطا بهدي كتاب الله وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وحسبنا قول ربنا ولا تنازعوا فتفشلوا . ولأن سير الصحابه معلم في وحده الامه وان اختلف الرأي في مسأله كما حصل بين ابن مسعود وعثمان رضي الله عنه وهذا لا يتأتي الا بالوعي الرشيد وسلامه الصدور وصدق النيه وهذا امر لا يعلمه الا الله في سرائر القلوب هذه وصيتي لاخوتي العاملين بالحركه الاسلاميه او الجماعات الاخرى فالاخوه الايمانيه امر عظيم وجلل علينا جميعاً تحقيقه فإن رأى الله ذلك منا تحقق النصر والتمكين وعد الله اللذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض وليمكنن لهم دينهم اللذي ارتضى لهم وليبدلمهم من بعد خوفهم أمنا فاذا حققنا الشرط تلقائيا يتحقق الوعد والله لا يخف الميعاد تقبلو تحياتي سائلين الله لنا ولكم الثبات
صالح الشحري
الثلاثاء، 29-09-2015 10:38 ص
مقال مهم و طرح مبدع لمشكلة كبري أصبحت من عيوب التفكير في الحركات المنسوبة للدين. فقضية الحرج من النقد و من مناقشة اخطاء الشخصيات العامة في اخلالهم بشؤون العامة ، و ان ظنها البعض قد حمت الحركات الاسلامية من اعداءها و حفظت لها صورتها المشرقة عند الناس ، الا انها ايضا حمت الفساد فيها و اتاحت له ان يتمدد و يصبح عصيا علي الإصلاح . لكنني هنا لا ارغب في معالجة ما اشرت اليه في المقدمة لان الاستاذ علي بغدادي قد ابدع في طرحها لكنني اريد ان اتصدي للبس يحوك في الاذهان ربما أدي الي هذا الخطا في منهج التفكير..... فحرصا من الدين علي أعراض الناس و تسهيلا للتوبة علي الآثمين جعل الدين الستر أساسا و النصح في السر ادبا مطلوبا، لكنك لو تتبعت القران و السنة لوجدت ان ما أشرنا اليه في الستر انما هو في الآثام و الاخطاء الشخصية، اما في الامور العامة و بخصوص اخطاء اصحاب الولاية في التصرف بشؤون الولاية فقد كان العتاب المعلن و النقد المعلن سيد الموقف، تامل في ايات ( عبس و تولي ان جاءه الاعمي) و في أية سورة الكهف ( و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا) و في سورة الانفال( ما كان لنبي ان يكون له اسري حتي يثخن في الارض) و في ال عمران عن معركة احد ( حتي اذا فشلتم و تنازعتم في الامر و عصيتم من بعد ما اراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا و منكم من يريد الاخرة) و ايضا في ال عمران (ان الذين تولوا منكم يوم التقي الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا و لقد عفا الله عنهم) و في سورة التوبه( يا ايها الذين آمنوا ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الي الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة) و في حادثة ابن اللتبية يقول صلي الله عليه و سلم علنا: هلا جلس احدكم في بيته فنري ان كان يهدي اليه شيء، لو كانت مناقشة هذه الامور فضيحة و افساد و أزراء بالقادة لما انزلها الله في قران يتلي الي يوم الدين و فيها نقد لنبيه الذي يراد له ان يكون حجة علي البشر. و في فعل الصحابة ترجمة لهذا الفهم و الا ما عرفنا ان الصديق قال لعمر( اجبار انت في الجاهلية خوار في الاسلام يا عمر) و لما سجلت كتب التاريخ ان عمر ارسل بلالا العبد الذي اعزه الله بالإسلام الي خالد المخزومي و هو أمير حُمُّص فلم يكلمه حتي نزع عنه عمامته المزينة بالريشه حتي يأخذ حال المتهم ثم ساله عن نفقة أنفقها مفصلا ان كانت من مالك فقد أسرفت و ان كانت من بيت المال فقد خنت. و ختاما اري ان هذه المسالة بحاجة الي مزيد من التحرير الشرعي لان التفكير الجمعي للحركات الاسلامية بشأنها جعلها مرضا قاتلا، و أدخلنا في الذم الذي نالته العقلية الحزبية التي تكيف فيها الاخلاق و المباديء لتناسب العصبية الحزبية و هي ليست الا قبلية جديدة
علي البغدادي
الثلاثاء، 14-10-2014 12:32 م
بطبيعة الحال لن يصرح أحد برفضه للنقد لكنه سيقول بأن للنقد آدابا وأسلوبا وهو محق في ذلك لكن السؤال: ما هي هذه الآداب؟ أتمنى أن تخبرونا بالنقد المقبول من قبلكم .. هذا أولا أما ثانيا: لماذا يتم التركيز على إيذاء النصيحة لصاحبها ولمشاعره مع أن الأهم أن يتم التركيز حول فائدة هذه النصيحة ووجاهتها بغض النظر عن قائلها .. هكذا يفعل من يريد أن يصحح نفسه أما من يشغل نفسه بالضرر الذي تسببته وهو في الغالب نفسي فهو بحاجة لترويض نفسه وتعويدها على الثقة بالنفس وشجاعة مواجهة الذات والآخرين .. ثالثا: لا زال السؤال مطروحا ولم تتم الإجابة عليه عند المعلقين: لماذا تتحرجون من الحوار المفتوح؟
اشرف نصار
الأحد، 28-09-2014 05:07 م
يقول الاستاذ محمد الراشد فى كتابه القيم ( العوائق ) المسارة في نصيحة القادة فلما لم يعط النبي -ص - جعيل بن سراقة الضمري ض شيئا من المال، وهو المهاجر المجاهد، وأعطى من هو دونه، وظنها سعد بن أبي وقاص، ض إهمالا لجعيل، وأراد توثيقه: قام النبي -ص- مقترحًا: قال سعد: (فساررته قلت: مالك عن فلان، والله إني لأراه مؤمنًا؟ قال: أو مسلمًا) فذكر ابن حجر أن هذا الحديث يتضمن من الفقه: (أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان ) قال: (وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة) ولما طلبوا من أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يكلم بعض الأمراء حول أمر ضجروه منه قال: (إنكم لترون أني لا أكلمه؟ إلا أسمعكم أني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه؟) فأخبرهم أنه لم يغفل عن ذلك، وأنه كلمه، ولكن في السر، خوفا أن يستغل أهل الأهواء كلامه، فيتخذونه ذريعة إلى الفتن والمفاسد. فلهذا يسمي هذا النور: نور أسامة، وما زال يتولي إيقاده من دعاة اليوم كل أسامة. لا تعن سفاكًا!! ويصور لنا أبو معبد عبد الله بن عكيم الجهني، وهو أحد قدماء التابعين المخضرمين الثقات ممن أدرك رمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يره، مبلغ أساه وندمه وحسرته على كلمات تفوه بها زمن عثمان رضي الله عنه نصحه بهن جهارًا، يظن أن فيه مساوئ، وحاشا الراشد الثالث من المساوئ فتلقف كلماته أصحاب الأغراض، واستباحوا دمه الشريف بهن وأمثالهن. وراموا دم الإسلام لا من جهالة ولا خطأ، بل حاولوه على عمد ففي حلقة دراسية انعقدت في المدينة لتدريب وتفقيه الجيل الجديد من رجال دولة الإسلام المكلف باستدراك ما صنعته الفتنة: حاضر عبد الله بن عكيم، وطفق يلخص لهم تجارب المخلصين فقال: (لا أعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان ) وكانت كلمة مثيرة منه حقا.وتأخذ الجميع إطراقة، فما ثم إلا عيون تتبادلا لنظر مستغربة ما يقوله الرجل الصالح. ما لهذا الشيخ البرئ المؤمن الذي لم يرفع في وجه عثمان سيفا أبدًا يتهم نفسه ويلومها على ما لم يفعل؟ وينبري جزئ لسؤاله: (يا أبا معبد: أو أعنت على دمه)؟ فيقول: (إني لأرى ذكر مساوئ الرجل عونا على دمه) فهو يتهم نفسه بجزء من دم عثمان لأنه رأى بأم عينه كيف أن ما ظنه وقام في نفسه من أنه الحق قد أدى إلى استغلال الرعاع له حين يتكلم به، وكيف طوروه حتى قتلوا عثمان رضي الله عنه. إنها حساسية النفس الصادقة في توبتها ينطق بها ابن عكيم، مع أنه ما كان يكره عثمان حين تفوه بتلك الكلمات، فإن ابنه يقول: (كان أبي يحب عثمان) وهذا يقتضي أنه قال كلماته الناقدة بلهجة المحب وما فيها من الرفق واللين، ومع ذلك نتج عنها من المفاسد ما نتج، فكيف لو أنضاف إلى علانية النقد لفظ ردئ، وعبرت عنه لهجة عنيفة؟ إن الجيل الجديد من رجال دعوة الإسلام الحديث -إذ هو يتفقه اليوم في حلقاته الدراسية لاستدراك ما صنعته فتن الأمس- مدعو إلى ملاحظة المغزى العظيم المهم لقصة عبد الله بن عكيم، وتجربته الصادقة. لا تكن ساذجًا أيها الداعية، فإنها تحريشات من حولك لسفك دم الدعوة. احذر، والتفت إلى عيب نفسك، وصن سمعك وسارر بنصيحتك ونقدك، ولا تعن بلسانك. إنه دم الدعوة.
د عبدالمعز حريز / الجامعة الاردنية كلية الشريعة
السبت، 27-09-2014 03:29 م
مع كل ما ورد من بيان في البيان ونظرا لدعوة الكاتب الى الكتابة في العلن اقول مع موافقتي لبعض ما قيل الا ان امرا مهما غاب من المقال الا وهو تحرير النزاع في مسالة هل الكتابة في العلن نصيحة ونقد، النصيحة تقدم لاصحابهامن افراد وجماعات ولا يختلف الامر ، واما القول ان قرار بعض الجماعات لا يهم افرادها فقط فصحيح لكن الا يوجد في اداب النصيحة والنقد كيف تقدم لصاحبها دون ان تؤذيه ، الا يوجد في ادبيات النقاد الناصحين وسيلة للنقد والنصح غير العلن ، ومن النصائح ما كانت على المنبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لخطأ مخافة ان يعم ، ما بال اقوام ، ومن النصيحة ما كان غير ذلك مع التحية وللحديث بقية