مقالات مختارة

هل نستطيع العيش بجوار سوريا الإيرانيّة؟

جمال خاشقجي
1300x600
1300x600
كتب جمال خاشقجي: الحرب في سوريا سيئة جداً، لكنها مثل كل الحروب لا بد أن تتوقف، غير أن هناك ما هو أسوأ، لو أفضت إلى «حالة سيئة دائمة»، شيء ما مثل إسرائيل.

جيل اليوم لا يتذكّر وصف إسرائيل بالخنجر في قلب الأمة. كان رسامو الكاريكاتور العرب في الستينيات، يرسمون خريطة العالم العربي وفي وسطها حيث فلسطين، خنجر تسيل من جرحه دماء، كان ذلك خنجر إسرائيل الذي أدمانا ولا يزال.

سوريا الإيرانية الطائفية ستكون الخنجر الثاني، التي أسماها بشار الأسد «سوريا المفيدة» ستبقى معنا لعقود، ندخل معها في حرب تلو أخرى، نهزمها أو تهزمنا ولكنها تبقى، ربما تحظى بحماية دولية ليس بالضرورة من الروس وحدهم، حتى إسرائيل مستعدّة أن تحميها، فهي أيضاً تريد دويلات طائفية من حولها، هي دولة يهودية، لذا ستشعر بالأنس بجوار دويلات طائفية وعرقية أخرى في محيطها،

جمهورية شيعية - علوية، وأخرى كردية، ثالثة درزية، هل هناك اقتراحات أخرى؟
لا تقارن تلك الكيانات بالدول العربية السنّية، فهذه معاً تشكّل الجسد العربي الكبير، لكنه جسد ضعيف منهك بالخلاف والاستبداد، إنه الجسد الذي سيرسمه رسام كاريكاتور آخر، وقد غرس فيه أكثر من خنجر، ما لم يحصل تدخّل حقيقي يوقف هذه الأطماع والنوايا التي باتت ظاهرة جلية.

غريب أمر العرب، لم ينتبهوا إلى ما حصل في 2 آب (أغسطس) الماضي في اسطنبول، على رغم أن الاستخبارات التركية وفّرت للمعنيين منهم كل التفاصيل. هناك وفي قاعة جانبية بأحد الفنادق، اجتمع 3 شباب سوريين من تنظيم «أحرار الشام»، القوة الصاعدة في الثورة السورية، مع إيرانيين أربعة، أو بالأحرى ثلاثة، رابعهم تبيّن أنه مندوب من «حزب الله»، وظلّ صامتاً طوال الاجتماع، الإيرانيون قادوا المفاوضات بالكامل كأن «سوريا ملكهم»، كما قال أحد السوريين لاحقاً لزميليه.

ثمة رمزية مهمة حصلت في ذلك الاجتماع تهمّ العرب، وتمسّ أمنهم القومي، فالإيراني يفاوض سوريا على رسم مستقبل سوريا المقبلة، كأنها بلادهم. المفاوضون السوريون كانوا متألمين غاضبين، أن يصبح وطنهم محلّ تفاوض، كانوا يتمنون لو كانت المفاوضات مع ممثلين عن النظام الذي يحتقرونه ويريدون إسقاطه، لكن ما حصل في ذلك اليوم في اسطنبول كشف حقيقة الوضع في سوريا، والأخطر كشف احتمالات المستقبل. إنه مشروع طائفي صرف، فالإيرانيون كانوا يساومون «أحرار الشام» (السورية) على تهجير مواطنين سوريين شيعة إلى مناطق تحت سيطرتهم، مقابل انسحاب المقاتلين السوريين من الزبداني التي يبغون السيطرة عليها.

باختصار، إيران ترسم خريطة سوريا العربية من جديد!

لكي يدرك «القومي العربي» الخطر المقبل يجب أن يفكر بشيء من الطائفية، فمحركات إيران في المنطقة وتحالفاتها، طائفية صرفة، وليتخلّص من مثالياته القومية غير المقنعة والتي تخفي طبائع استبدادية تكره الحرية. إنها معركة مصير «حزب الله»، طليعة إيران المقاتلة، ونخبة مقاتليها والمؤمنين بعقيدتها.

هذا الحزب متمكّن في لبنان ومعطِّل للسياسة فيه، فلا رئيس ينتخب ولا انتخابات تجرى فيه حتى يحسم الحزب وإيران معركتهما في سوريا، التي لا تعدو أن تكون خطّ إمداد للحزب، ولو سقطت بالكامل في يد شعبها، فلن تكون في دمشق ولو للحظة واحدة حكومة صديقة له. أدرك ذلك منذ اليوم الأول للثورة التي خرجت سلمية، تدعو الى انتخابات وديموقراطية وتعددية، لم يرفع فيها لا سلاح ولا أي شعار طائفي، لكن «حزب الله» اصطفّ مع النظام إعلاما وسلاحا وسياسة، حتى جعل لبنان الحر الديموقراطي عدوا لثورة الأحرار في امتدادها الشامي الكبير. لو انتصرت الثورة في سوريا، ستتوقف إمدادات الأسلحة عن الحزب التي جعلته أسدا في لبنان، وسينكمش إلى مجرد حزب يستمد قوته من صناديق الاقتراع ودعم قاعدته الشيعية، ينشغل بمطالبها في خدمات أفضل ووظائف أكثر، ويتخلى عن حلم الجمهورية الإسلامية الكبرى وثارات الحسين والمهدي القادم.

الزبداني بلدة في ريف دمشق الغربي، تقطع بغالبيتها السنّية الطريق على مشروعه الطائفي، فاستطاع بعد حملة قصف جوي ومدفعي تهجير أهلها والقرى المحيطة إلى لبنان وبعيدا حتى الأردن وتركيا، وبقي فيها مئات المقاتلين الأشاوس الذين حوصروا في نحو كيلومتر واحد، لا تصل إليهم مساعدات من أحد. مذبحة القصير التي جرت على يد «حزب الله» قبل 3 أعوام ونسيناها بعد صيحات الجهاد والوعد والوعيد، علّمتهم ألا يثقوا بالحزب.

حاول تنظيم «أحرار الشام» نجدتهم، فوسّط الأمم المتحدة، عرض انسحابه مقابل إطلاق النظام معتقلين، جمع قائمة موثّقة لنحو 40 ألف معتقل، بينهم نساء وأطفال، فرفض النظام، وحيث إن الحرب قبيحة، والعدو لا يرحم، قرر «أحرار الشام» ألا يرحم المحسوبين على النظام.

بعيدا في الشمال، توجد قريتا الفوعة وكفريا وتضمّان نحو 30 ألف سوري من الموالين للنظام، وقد عاشوا في سلام وسط محيطهم السنّي، لكنهم أضحوا خامة مميزة لإيران في زمنها الطائفي، فهم شيعة اثنا عشرية أصليون، وليسوا ممن تشيّع حديثاً خلال عهدي الأسد الأب والابن، اللذين سمحا لإيران بالدعوة إلى التشيّع في أحياء السوريين الفقيرة بدمشق والرقة وبصرى الشام، أو بين العلويين الذين لم تفلح حملات التشيّع بينهم، إذ إن مزاجهم لا يميل إلى التدين ابتداء حتى لو كان إيرانياً.

وعلى رغم اكتساح الثورة السورية أوائل العام الحالي معظم ريف إدلب، استعصت البلدتان، فهما مدججتان بالسلاح وتم تجنيد جلّ شبابهما فوق 17 سنة، هاجمهما تنظيم «أحرار الشام» بشراسة منتصف الصيف، واخترق بعضا من تحصيناتهما، وأعلن أنه يفعل ذلك لتخفيف الضغط عن مقاتلي الزبداني.

لم يهتمّ النظام كثيرا، واستمر في حملته هناك، فهو يريد انتصارا إعلاميا كبيرا، فالفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، شقيق «الرئيس»، تقاتل هناك مع الحزب، ولم تقبل إيران بذلك، فهؤلاء شيعة اثنا عشرية، رأسمال مشروعها الطائفي في سوريا، فكان «أحرار الشام» أحرص على البلدتين من النظام، فبادر عبر الأمم المتحدة الى الاتصال بـ «الأحرار» لوقف حملتها.

في البداية، عرضوا أن تكون المفاوضات في دمشق أو بيروت، فرفض «الأحرار»، فكانت اسطنبول هي البديل وبدأت المفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة، لكن بعد جولات مضنية فشلت، لأن «أحرار الشام» أصرّ على وقف إطلاق النار في الزبداني والفوعة وكفريا معاً، بينما أصرّ الإيرانيون على أن يكون المقابل إخراج مقاتلي الزبداني الذين يرمزون إلى آخر السوريين الوطنيين، الذين بقوا في أرضهم بريف دمشق الغربي، الذي يتعرّض وما حوله لعملية تهجير منذ أعوام بعيدا من الاهتمام العربي والدولي، مقابل إخراج مقاتلي الفوعة وكفريا ومن يرغب من الأهالي، وهو ما رفضه «الأحرار» كموقف وطني مدرك للمشروع الطائفي الإيراني، واستأنف القتال حتى نصر أو شهادة.

إنها حالة "تطهير عرقي" جليّة، ينتفض لأجلها المجتمع الدولي عندما تجري في بلد آخر، لكن في سوريا تتعطّل الأخلاقيات والعرف الدولي!

(عن صحيفة الحياة اللندنية، 5 أيلول/ سبتمبر 2015)
التعليقات (1)
Ahmad latoof
الخميس، 10-09-2015 12:20 ص
عفوا استاذنا انا سوري من حمص هذا التطهير ليس جديدا علينا موجود في سوريا منذ وجد المقبور الرافضي النصيري حافظ اسد رئيسا . تبين هذا جليا في الثمانينات في حرب العراق وإيران. فالنصيري كان في نظر الدولة هو الرجل النبيل اما عامة الشعب يكدحون ليل نهار ليستر عائلته (خربوا البلد بفسقهم ).