قضايا وآراء

إني رأيت "سندس البطاوي"!

عبد الوهاب شعبان
1300x600
1300x600
لأن طفلة بريئة تستقبل عاما جديدا من طفولتها، وهي معلقة بين سؤالين حائرين: أين أبي؟ ومتى سيعود؟ وآخرون يفقدون براءتهم تدريجيا تحت وطأة هذا النوع من التساؤلات، دون إجابة واضحة.. هنا يمكننا تكرار السؤال الرئاسي: لماذا تدعو مجموعة لثورة جديدة في 25 يناير؟
 
(1)
 
بعضهم يراهن على عنصر الزمن لإزاحة 25 يناير من القلوب أولا، قبل التاريخ، ربما يرمي هذا الجيل ذكراه، وذكرياته، على ناحية طريق الإحباط المزمن، ليريح ويستريح، أما أطفال الشهداء، والمعتقلين، فكيف يمكننا استئصال ذكراهم، وذاكرتهم!

لم تكن "سندس" منشغلة طوال الوقت، بتصريحات زملاء أبيها، وأساتذته في احتفالية عيد ميلاده بنقابة الصحفيين، الطفلة ذات الثلاث سنوات تقريبا، انشغلت بالصورة المطبوعة على قطعة "التورتة"، ولم تبرح عيناها التأمل في وجوه الحاضرين، بحثا عن هذا الغائب، هي لم تفسر إعراض أصدقاء "البطاوي" عن وجهها، لكنها ستفسر في مستقبلها القريب، كيفية رسم ابتسامات مصطنعة على وجوه، أرهقها "الفقد"، لذلك معنى الثورة ليس مقتصرا على مجموعات تنزل ميدان التحرير، إنما هي غليان في قلوب جيل آخر، لا يفقه سوى حقائق الغياب التراكمي لـ"الأمل"، أي أمل، لو كنتم تعلمون !
 
لن يفهم أبناء المعتقلين من الصحفيين وغيرهم، لغة الذين يضمون أبناءهم إلى صدورهم كل صباح.. لهم لغة أخرى، عليكم أنتم فهمها الآن!

(2)
 
تتوافر الإجابات الشافية على أسئلة، من نوع: لماذا تطالب مجموعة بثورة جديدة في 25 يناير؟ هل تريدون أن تضيعوا هذا البلد وتدمروا الناس والعباد، وأنتم لستم بحاجة لأن تنزلوا؟"، عند توافر مناخ منطقي، يحصل فيه المسؤول على براح يوازي رفاهية السائل!
 
تنزل سندس من بيتها كل صباح مع والدتها، تلحظ عيناها مشهد الأب الذي يأخذ بيد ابنته، عند عبورهما الطريق معا، حملها على صدره، إذا اشتد زحام المواصلات، ملاطفتها بهمسة في أذنها، تثير ابتسامتها، ترى كل ما لا تستطيع احتماله، لكن براعة الأم، وبراءة الطفولة، تقفان كحاجزين يمنعان تسرسب الأسئلة القاتلة، وربما تسعف ساعات العمل شرود الطفلة والأم معا، أما ساعات الليل، لا يدري أحد، كيف يمران على "سندس" النابهة!
 
وصلنا إلى مرحلة، لا نرتجي فيها إلا استقرارا نفسيا، للأسر المحرومة من عوائلها، دون حاجة لفوران شعبي، لم يجن ثماره، سوى المتنطعين!

(3)

تفيض الطفلة الوديعة، رقة تلخص إنسانية والدها "محمد البطاوي"، ابتسامتها الصافية، تحيلني إلى عبارة: لستُ يعقوبًا، ولاقميص لك، لكني أجد ريح إنسانيتك، وكنت قد كتبتها قبل لقاء "سندس"، الآن تسعفني الثقة في إدراك ريح إنسانيته، دون حاجة لـ"قميص"، في حضرة الإبنة الرقيقة!
 
حين تدرك "سندس" حضن والدها، ستبدو الأسئلة التي تشغلكم، بشأن الثورة، مجرد "خواطر مزعجة" لن يعيرها أحد اهتماما!
 
(4) 
              
في أجواء يسيطر عليها أحمد موسى ورفاقه، من محتكري الوطنية الجدد، لن يفصح شباب 25 يناير عن شيء، لأنهم بالحقيقة لم يعد لديهم أي شيء!
 
تحت أقبية المعتقلات، يقبع شوكان، والبطاوي، والعديد من الزملاء الصحفيين، وفي بيت كل منهم "سندس" التي تنتظر عودة أبيها، هؤلاء بالقطع لم يعد يعنيهم- شأن مجمل هذا الجيل- ما إذا كان المستقبل القريب يحمل أملًا أم لا، لأن آمالهم ببساطة شديدة، تتبلور في لحظة الإفراج المرتقبة !
 
أما فكرة التلويح بمصائر دول الجوار، وأن الدولة التي تدمر، لا تعود، فلا يستدعي أبدا إطلاق العنان، لمن يشوهون كل معارض، والتفتيش في ضمائر الكتاب، فليس من بيننا من يتمنى لبلاده، دخولا في نفق الاستقطاب، أو الاحتراب الأهلي.. سنصدقكم، بالقطع، إذا توقفت أبواق التفتيش في ضمائر الكتاب، والمعارضين، والتشكيك المستمر في وطنيتهم .
 
(5)
 
"سندس البطاوي"، تبدو ضوء يتسلل في ممر مظلم، إذا اكتمل إشراقها، سيشرق بالضرورة وجه الوطن، فابحثوا عن إجابات لهذا الجيل الناشئ في مرمى"الحرمان"، أما نحن فلا أسئلة لنا مطلقا، ولا تعليقات!
التعليقات (0)