كتب

الجواسيس الفلسطينيون.. عين إسرائيل الثالثة

تفضل إسرائيل تجنيد العملاء بـ"الإقناع" أكثر من الضغط
تفضل إسرائيل تجنيد العملاء بـ"الإقناع" أكثر من الضغط
أصدر مركز الزيتونة للدراسات في بيروت؛ كتاباً جديداً بعنوان "العملاء والجواسيس الفلسطينيون.. عين إسرائيل الثالثة"، يتناول ظاهرة بالغة الحساسية في المجتمع الفلسطيني، وهي ظاهرة الارتباط بمخابرات الاحتلال.

ويبحث الصحفي الفلسطيني أحمد البيتاوي، مؤلف الكتاب، الدوافع المتعددة لهذه الظاهرة، ويقدم عدداً من الخلاصات والتوصيات للتعامل معها.

يذكر الكتاب أن الإسرائيليين تنبهوا مبكراً، وخلال مرحلة ما قبل إنشاء دولتهم، إلى أهمية تجنيد العملاء الفلسطينيين والعرب للعمل لصالحهم. فأنشأت مجموعة الهاغاناة الصهيونية في العام 1947م جهاز استخبارات يسمى "الشاي"، وكان يشرف على الجواسيس ضباط يهود يجمعون المعلومات، ويحفظونها في ملفات خاصة، وكان هذا الجهاز يضم 80 عميلا عربيا.

يشير الكتاب إلى أن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي لم يقلل من الاعتماد على العنصر البشري، وفي ذلك يقول أحد رجال المخابرات الإسرائيلية إن الإنسان هو الجهاز الأكثر ذكاءً، إذ بإمكان العنصر البشري طرح الأسئلة على الأفراد، وتوجيههم إلى المكان الذي تريد أن يتواجدوا فيه، فالاستخبارات البشرية تنقل أدق التفاصيل، كالنوايا والروائح والأجواء العامة، وتمكنك من الاطلاع على الكيفية التي تقال فيها الأمور، وهذه المزايا لا توجد في وسائل التنصت الالكترونية، التي تنقل المعلومات بشكل مجرد.

في البحث عن دوافع الظاهرة يرى الباحث أنها دوافع عديدة و متداخلة، ويرى أن السبب الأول يتمثل في ضعف الحصانة الدينية والأخلاقية والوطنية، إذ يلعب الوازع الديني دوراً محورياً في الحصانة من الوقوع في شباك الخيانة، في المقابل يُعد الفساد الأخلاقي أحد الأسباب التي تؤدي للسقوط الأمني. وتعد أماكن الفساد الأخلاقي تربةً خصبةً لأجهزة المخابرات الإسرائيلية التي تبحث من بين رواد هذه الأماكن، عن أشخاص لتربطهم بها.

كما يلعب ضعف المنظومة الأخلاقية في المجتمع، كتراجع الثقافة الجمعية، لحساب الفردية الأنانية، دوراً هاماً في نشر ثقافة الانهزام والسقوط بل وتبريره وفق الكتاب.

وينقل الكتاب عن رئيس الموساد السابق، شفتاي شافيت، تأكيده على استعداد شريحة من الفلسطينيين والعرب، على الارتباط مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية، بسبب تصرفات الأنظمة الشمولية الاستبدادية في العالم العربي، لافتاً إلى أن هذه الأنظمة، ساهمت في تقليص الشعور بالانتماء الوطني لدى مواطنيها.

يقول الكتاب: "تُشكل حالة ضعف التوعية الأمنية، لدى الفلسطينيين أحد الأسباب التي ينجح الاحتلال من خلالها في تجنيد العملاء والجواسيس. وتظهر حالة ضعف التوعية الأمنية في عدد من السلوكيات، كالثرثرة والفضول، والتدخل في أمور الغير، والميل للتفاخر، وحب الظهور".

يذكر الكتاب أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً واضحاً في مراعاة السرية والكتمان في عمل الفصائل الفلسطينية، ويعزى ذلك إلى أن المحافظة على السرية لفترة طويلة، أمر مخالف لفطرة الإنسان، إضافةً إلى أن طول فترة النضال ضد الاحتلال قد تلعب أحياناً دوراً سلبياً في إضعاف المثابرة، واستمرار الوعي والحرص.

وقد استفاد الاحتلال من حب الناس للثرثرة؛ فخصص الجيش الإسرائيلي وحدةً خاصةً لجمع المعلومات التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي أسماها وحدة "حتسف". وينظر جهاز الشاباك لهذه المواقع على أنها كنز كبير، كما ذكر الناطق باسم وزارة الداخلية في غزة، إسلام شهوان أن الاحتلال الإسرائيلي أصبح يستمد 75 في المئة من معلوماته من مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات على شبكة الإنترنت.

يورد الكتاب شهادة الجاسوس "حيدر غانم" من قطاع غزة، والذي قتل عام 2009م، أنه استغل عمله الصحفي في إجراء مقابلات ولقاءات شخصية مع عدد من قادة الفصائل الفلسطينية المختلفة، وكان يوجه لهم أسئلةً يُعدها جهاز المخابرات الإسرائيلية. ويشير الجاسوس إلى أن الذين قابلهم كانوا يدلون بما لديهم من معلومات، وفي حالات كثيرة كانوا يتبرعون في طرح خلافاتهم ومشاكلهم الشخصية، ونشر بطولاتهم أمامه، وكانوا يثقون به لدرجة كبيرة.

يذكر الكتاب أيضاً استغلال المخابرات الإسرائيلية ضيق الحال وندرة الوظائف، خاصةً في قطاع غزة في تجنيد العديد من المواطنين، بعد إغرائهم بالمال والامتيازات، وفي هذا السياق، يذكر جاسوس فلسطيني أن ضابطاً إسرائيلياً طلب منه في إحدى المقابلات إحضار معلومات عن عناصر المقاومة الفلسطينية، وعندما رفض ذلك طلب منه الرجوع إلى بيته، وهدده بحرمانه من العمل داخل "إسرائيل"، فما كان منه إلا أن وافق على طلبه، بدعوى أن لديه عشرة أبناء يريد إطعامهم. وفي هذا الصدد، يذكر تقرير أصدرته منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان أن الاحتلال يستخدم التصاريح التي يمنحها للفلسطينيين بغرض العلاج الطبي وغيره وسائل ضغط لإجبارهم للتعاون معه.

لكن الحديث عن الفقر والبطالة لا يعني أن الجواسيس هم من هذه الشريحة فقط، فينقل الكتاب عن أحد رجال المخابرات الإسرائيلية؛ أن المال ليس هو الأسلوب الوحيد لتجنيد الجواسيس وتشغليهم. فلو كان الجاسوس يريد مالاً لسرق، وكسب أضعاف ما يمكن أن يحصل عليه مقابل عمالته، ودون أن يعرض نفسه للخطر.

فمن الدوافع التي يرصدها الباحث للارتباط بالاحتلال دافع الحقد والانتقام الشخصي، "ويُعد الجاسوس الذي يعمل ضد بلاده، بدافع الحقد الشخصي لسبب ما، أو موقف تعرض له خلال حياته، من أخطر أنواع الجواسيس وأكثرهم عمقاً وعنفاً. وغالباً ما يتم تجنيد هذا العميل بسهولة، أو لربما يكون هو المبادر بطلب التعامل مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية، لينتقم ممن ظلمه، سواء كان شخصاً بعينه، أو حزباً، أو مجموعة، أو المجتمع ككل".

ويستشهد الكتاب باتصال ضباط في الشاباك بعدد من عناصر الأجهزة الأمنية وحركة فتح في أعقاب سيطرة حركة حماس على غزة منتصف العام 2007، وعرض التعاون عليهم من أجل القضاء على حكم حماس، في محاولة لاستغلال حالة الحقد والرغبة في الانتقام التي انتابتهم.

من الأسباب التي يذكرها الكتاب أساليب التنشئة الخاطئة التي ينتهجها الآباء وقسوتهم المفرطة وغياب لغة الحوار مع الأبناء، والتي يمكن أن تؤدي إلى ميل الشباب نحو الانحراف، وممارسة سلوكيات أخلاقية، وأمنية خاطئة، فغالباً ما يترافق ذلك مع رغبة بالهروب من المنزل، ومرافقة أصدقاء السوء، وهي الأمور التي تؤدي إلى حدوث خلل في بناء شخصية الشاب أو الفتاة.

يستغل الاحتلال شبكات الإنترنت في إسقاط العملاء، إذ يروي أحد الجواسيس من غزة أن ارتباطه بدأ في العام 2009م من خلال موقع فيسبوك، حين تعرف على فتاة ادعت أنها محامية من الضفة الغربية. ثم بدأت علاقة الشاب بالفتاة التي تعمل مع جهاز الشاباك تزداد، حتى وصلت إلى المكالمات الجنسية، بعد ذلك أوصلته بمديرها وهو ضابط إسرائيلي، حيث نفذ جميع المهمات المطلوبة منه إلى أن اكتشفته أجهزة الأمن في غزة.

جاسوس بالإقناع

تعتبر الأساليب النفسية من الوسائل الفعّالة التي يستخدمها الاحتلال في تجنيد الفلسطينيين، ويتجسد ذلك في أسلوب الإقناع الذي تلجأ إليه أجهز المخابرات، مستغلةً الأشخاص الذين لا يملكون خبرةً نضاليةً أو تعبويةً أو حياتيةً. ويشير يعقوب بيريـ رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) السابق، في كتاب له، إلى أن التجربة أثبتت، أن الجاسوس الذي يُجنَد مكرها لا يمكن الاعتماد عليه في توفير كل المعلومات، لافتاً إلى أنه يفضل أسلوب الإقناع.

وتُعد قصة الجاسوس مصعب يوسف مثالاً حياً على من وقعوا في وحل العمالة، نتيجة الإقناع وعدم استخدام أي من الوسائل الإغرائية والابتزازية، حيث يُشير مصعب إلى أن ارتباطه مع الاحتلال كان نتيجة قناعته في الأفكار المنطقية التي كان يطرحها ضباط المخابرات الإسرائيلية خلال حديثهم معه، والذين وصفهم بالودودين.

المهام الموكلة إلى الجواسيس

لم يعد دور الجاسوس منحصراً في نقل المعلومات، بل عمل جهاز المخابرات الإسرائيلية، على توسيع نطاق عمل الجاسوس، بحيث أمكن الاستفادة منه إلى أبعد مدى، وكأنه في سباق مع الزمن لتيقنه أن ساعة انكشافه آتية لا محالة.

ومن أبرز المهام التي ينفذها الجاسوس الفلسطيني لصالح دولة الاحتلال: المشاركة في اغتيال واعتقال ناشطي المقاومة، ومحاولة اختراق الفصائل والسلطة الفلسطينية، وتعزيز الانقسام بين الفصائل وإثارة المشاكل بين أبناء المجتمع، وشراء الأراضي والعقارات الفلسطينية وتسريبها للاحتلال، ونشر الانحلال الأخلاقي والمخدرات، وتجنيد وإسقاط آخرين في شباك الجاسوسية، ونشر الإشاعات والأكاذيب، وضرب الروح المعنوية للفلسطينيين.

يرى الباحث أن المخابرات الإسرائيلية تبقى مهتمةً بالجاسوس لحين انكشاف أمره أمام شعبه، على اعتبار أنه يقدم لها خدمات جليلة، ولكن هذا الاهتمام سرعان ما يتبدل في اللحظة التي يتم فيها انكشاف الجاسوس؛ لأنه ببساطة لم يعد يحقق لها الغاية المرجوة، فهو أشبه بالسلعة التي انتهت مدة صلاحيتها.

يخلص الكتاب إلى أن مواجهة الجاسوسية يقتضي جهداً وقائياً متكاملاً ذا أبعاد أمنية وتربوية وسياسية واجتماعية وقانونية ودينية ورسمية وشعبية، كما يوجه الكتاب نقداً إلى التعامل العشوائي مع هذه الظاهرة طوال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن الفلسطينيين وقعوا في كثير من الأخطاء، كاتهام بعض الشرفاء بالجاسوسية، وهو ما أدى إلى تفاقم الظاهرة بدلاً من محاصرتها.

يوصي الكتاب باستيعاب الجواسيس الصغار الذين لم يرتكبوا جرائم كبيرةً بحق الشعب الفلسطيني، والعمل على دمجهم في المجتمع فهم ضحايا تم خداعهم، وهم في النهاية جزء من المجتمع، ولكن الاحتلال غرّر بهم فلم يستطيعوا التراجع بسبب ضعف إرادتهم.

يستدرك الكتاب بأن الاحتلال لم ينجح في تحويل ظاهرة الجاسوسية إلى كيانات منظمة مكشوفة، تؤدي أدواراً سياسيةً وعسكريةً كما حدث في جنوب لبنان، وأن هذه الظاهرة رغم وجودها إلا أنها لم تصل إلى حد المجاهرة العلنية بالخيانة وبقيت في حدود ضيقة جداً.
التعليقات (1)
احمد
الثلاثاء، 29-01-2019 10:57 ص
كيف يمكن الحصول علي هذا الكتاب؟