مقالات مختارة

ثقتهم في ترامب: الإسرائيليون يتوجهون نحو وأد حل الدولتين

ميرون رابوبورت
1300x600
1300x600
رحب زعماء المستوطنات الإسرائيلية بانتخاب ترامب وصفقوا وهللوا، فهل يعجل فوزه بمبادراتهم باتجاه ضم الضفة الغربية؟
 
ظلت حركة الاستيطان في إسرائيل ولسنوات عديدة تسعى إلى الحصول على تفهم دولي – إن لم يكن اعترافاً – بما تبذله من جهود لاستعمار الضفة الغربية. ولكن، وباستثناء شخصيات يمينية متطرفة مثل غيرت وايلدرز، زعيم حزب الحرية الهولندي، أخفقت الحركة في الحصول على أي دعم ذي قيمة. 
 
أما الآن، وبعد انتخاب دونالد ترامب، بوصفه الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية، يشعر المستوطنون بأنهم سيكون لهم صديق داخل البيت الأبيض. 
 
كان أنصار ترامب قد افتتحوا مقراً محلياً لهم في إحدى مستوطنات الضفة الغربية، بينما التقى يوسي داغان، رئيس المجلس المحلي في شومرون، بأحد كبار مساعدي ترامب في نيويورك قبل الانتخابات. 
 
وبعد يوم واحد من فوز ترامب المذهل وصف داغان ترامب بأنه "صديق المستوطنات". ولم يكن في ذلك وحيداً. 
 
فهذا نفتالي بينيت، وزير التعليم ورئيس حزب البيت اليهودي، يزعم بابتهاج شديد بأنه مع انتخاب ترامب "ولت حقبة الدولة الفلسطينية (المستقلة)".
 
بالنسبة لبينيت ومن على شاكلته، انتهت إلى غير رجعة الأوقات الحالكة لإدارة باراك أوباما، الذي فرض تجميداً للاستيطان خلال سنة حكمه الأولى، وتلوح في الأفق أيام مضيئة. 
 
لعبة التخمين
 
يعصب على من كان خارج إطار السياسة المتعارف عليها أن يخمن بالضبط ما هي مواقف ترامب من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، هذا إن كانت له مواقف على الإطلاق. 
 
أثناء حملته الانتخابية صرح بعض مساعديه بمواقف يبدو معها بينيت كما لو كان ليبرالياً عاشقاً للسلام. من هؤلاء السيناتور نيوت غينغريتش، الذي يتحدث الناس عن احتمال ترشيحه لمنصب وزير الخارجية، والذي كان فيما مضى قد عبر عن اعتقاده بأن الفلسطينيين "شعب مصطنع". 
 
من جهة أخرى، كان أحد المعلقين الفلسطينيين قد ذكرنا في وقت مبكر من الحملة الانتخابية بأن ترامب كان قد قال بأنه سيطالب إسرائيل بدفع قيمة المساعدات العسكرية الهائلة التي تتلقاها الآن مجانا. 
 
وفي مناسبة أخرى، أشار ترامب إلى أنه من أجل القيام بدور الوسيط النزيه في النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، يتوجب على الولايات المتحدة أن تتبنى موقفاً محايداً، مما جلب عليه نقداً لاذعاً من قبل اللوبي المؤيد لإسرائيل. 
 
وفي مقابلة مع صحيفة وال ستريت جورنال بعد الانتخابات مباشرة قال ترامب بأنه بوصفه "خبير في إبرام الصفقات" يرغب في إبرام "صفقة لا يضاهيها شيء" بين الإسرائيليين والفلسطينيين، صفقة قد لا تعجب أصدقاءه في إسرائيل. 
 
مقاربة عدم التدخل
 
ولكن، سواء كان ترامب سينحاز إلى جانب المستوطنين أم كان سيتبنى موقفاً أكثر اتزاناً، يبدو أنه أقرب إلى التقليد الانعزالي المستحكم جيداً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية. 
 
يمكن من هذه الناحية أن يعتبر وريثاً للرئيس أوباما الذي آثر الانشغال بإصلاح المشاكل الداخلية لأمريكا على محاولة إصلاح مشاكل الشرق الأوسط ثم الفشل في ذلك. 
 
يبدو أن من المبالغة وصف إدارة أوباما بأنها "تدخلية" تجاه سياسة إسرائيل في المناطق المحتلة. تعتبر حزمة المساعدات الأخيرة البالغة 38 مليار دولار مثالاً واحداً فقط على الدعم الذي منحه أوباما لإسرائيل. ولكن، يصح أيضاً القول بأن ما من مشروع بناء جديد في المستوطنات إلا وقوبل بنقد أمريكي رسمي. 
 
من المحتمل أن تبدو الأمور مختلفة في ظل إدارة ترامب، على الأقل إلى أن يقرر ما هي أولوياته في الشرق الأوسط. قد تشعر الحكومة الإسرائيلية بالأمان وبأنها لن تقابل بأي ضغط أمريكي إذا اختارت توسيع المستوطنات القائمة أو بناء مستوطنات جديدة. إذا ما حافظ ترامب على وعده بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فمن غير المحتمل أنه سيسارع إلى التنديد بإسرائيل إذا ما بادرت ببناء المزيد من المستوطنات في الجانب الفلسطيني من المدينة. 
 
ما من شك في أن بناء أحياء يهودية جديدة في الضفة الغربية أمر مهم جداً بالنسبة لبينيت وداغان وغيرهما من قادة المستوطنين. ولكن يبدو أنهم الآن يتوقعون ما هو أكثر بكثير من حكومة بنيامين نتنياهو. 
 
بعد سنوات طويلة في السلطة، يتوقع زعماء التيار اليميني، أو على الأقل يتظاهرون بالتوقع، أن تبدأ إسرائيل في ضم أجزاء من الضفة الغربية، محطمة بذلك الوضع القائم الذي أوجدته اتفاقيات أوسلو. 
 
أعطيت الإشارة الأولى يوم الأحد عندما أقرت الحكومة مسودة قانون يستهدف شرعنة البؤر الاستيطانية والمستوطنات غير الشرعية التي أقيمت على أراض يملكها فلسطينيون. كان نتنياهو قد عارض هذا التحرك، كما حذر المدعي العام الإسرائيلي أفيخاي مانديلبليت بأن هذا القانون الجديد يتناقض مع روح القانون الإسرائيلي كما يتناقض مع القانون الدولي. 
 
إلا أن بينيت، وبدعم من عدد من الوزراء في حكومة نتنياهو الليكودية، تمكن من إجازة القانون. من المؤكد أن روح ترامب تحلق فوق هذا القانون وتحوم من حوله. 
 
تمزيق فلسطين المستقبل
 
إلا أن الأمر لا يتعلق فقط بمصير بضع مئات من المنازل التي ستبنى على أرض يملكها فلسطينيون. إنه يتعلق بما هو أبعد من ذلك بكثير. 
 
كارولاين غليك، وهي واحدة من المعلقين المتنفذين في التيار اليميني، نشرت مؤخراً كتاباً وضعت له عنواناً بالعبرية لا لبس فيه هو "الضم الآن"، بينما كان عنوانه باللغة الإنجليزية "الدولة الواحدة كخطة للسلام في الشرق الأوسط" أكثر دهاء. ولكن، أيا كان العنوان، فالمحتوى واحد، ومفاده أن على إسرائيل أن تمد سيادتها الكاملة وتطبق قانونها على كامل الضفة الغربية. وقد لاقى الكتاب رواجاً ونجاحاً كبيرين في أوساط التيار اليميني. 
 
قبل انتخابات 2012، كان بينيت قد نشر ما يمكن اعتباره نسخة أكثر تحفظاً من نموذج الضم السافر الذي نشرته غليك مؤخراً. ينص كتابه الذي صدر بعنوان "مبادرة للاستقرار" على أنه يتوجب على إسرائيل ضم جميع المناطق "ج"، والتي تشمل ما يزيد عن 60 بالمائة من الضفة الغربية ومنح الحقوق السياسية الكاملة لما يقرب من خمسين ألف فلسطيني يعيشون في تلك المناطق (مع أن مصادر أخرى تقدر عدد الفلسطينيين في تلك المناطق بما يقرب من مائة ألف نسمة). 
 
على الرغم من أن بينيت ما لبث لثلاثة أعوام يشغل منصب وزير في الحكومة الإسرائيلية إلا أنه لم يسع للدفع ببرنامجه إلى الأمام. والآن، يبدو أن مبادرة أخف قليلاً باتت تكتسب زخماً. في يوليو / تموز 2016 وقع رؤساء جميع الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحالي على مسودة قانون تطالب بضم معالي أدوميم، وهي مستوطنة تقع على مسافة تتراوح ما بين 6 و 15 كلم إلى الشرق من الخط الأخضر. 
 
بالنظر إلى أن تعداد من يسكنها يقترب من 37 ألف نسمة وإلى أنها قريبة جدا من القدس، يرى معظم الإسرائيليين أن مستوطنة معالي أدوميم ينبغي أن تبقى جزءاً من إسرائيل في أي تسوية يتم التوصل إليها في المستقبل، ولذلك ستبدو بالنسبة لهم خطوة الضم أمراً طبيعياً تماما. من المتوقع أن يطرح المقترح للنقاش داخل البرلمان الإسرائيلي خلال الأسابيع القليلة القادمة. 
 
بالنسبة للفلسطينيين – وكذلك بالنسبة للسواد الأعظم من المجتمع الدولي – تعتبر هذه الفكرة مرفوضة تماماً، وذلك لأنها ستقسم الدولة الفلسطينية المستقبلية إلى قسمين، وستفصل الشق الجنوبي من الضفة الغربية عن شقها الشمالي. 
 
وهذا بالضبط ما يحفز زعماء التيار اليميني على الدفع بهذه الفكرة قدما: فهم يعلمون أنه إذا ما وقع ضم مستوطنة معالي أدوميم فستنتهي "حقبة الدولة الفلسطينية" كما يأمل بينيت. 
 
تحت إدارة أوباما، كان أي تحرك باتجاه ضم معالي أدوميم سيقابل بمعارضة أمريكية حادة، وقد ينجم عنه فرض عقوبات. أما تحت إدارة ترامب الداعمة أو غير المبالية، فإن مثل هذه الخطوة ستمر ييسر وسهولة. 
 
هنا لتبقى
 
ولذلك فالسؤال الذي يطرح الآن هو: هل ستستغل إسرائيل هذه الفرصة لتمضي قدما حتى بتنفيذ ضم جزئي للضفة الغربية؟ وهي الخطوة التي طالما تجنبت الإقدام عليها طوال احتلالها للضفة على مدى الخمسين عاماً الماضية. 
 
ما من شك في أن معالي أدوميم، وكذلك الكثير من المستوطنات الأخرى في الضفة الغربية، قد وقع عملياً وفعلياً ضمها إلى إسرائيل. فالمرء إذ يتنقل عبر هذه المستوطنات بالكاد يلاحظ أنها تقع في منطقة خاضعة من الناحية الرسمية للحكم العسكري، هذا فيما عدا نقاط التفتيش التي توجد على الطريق المؤدي من وإلى هذه الأماكن. 
 
بفعل طرقها العريضة التي تلتف حول القرى والبلدات الفلسطينية متجاوزة إياها تماماً، قد ينسى سكان هذه المستوطنات أنهم يعيشون في مناطق ترزح تحت الاحتلال
 
قد يكون لضم معالي أدوميم وغيرها من المستوطنات بعض التأثير العملي على الحياة اليومية لمن يقطنونها. فبعد الضم، لن يتطلب بناء مزيد من الأحياء تصريحاً من الآمر العسكري أو من وزير الدفاع، وإنما سيستلزم القيام بإجراءات مدنية أبسط. 
 
إلا أن الهدف الأساسي من ضم مستوطنة معالي أدوميم ليس تيسير حياة ساكنيها، وإنما المقصود من ذلك هو أن تعلن إسرائيل بأنها وجدت هنا لتبقى وأن فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة ينبغي أن تشطب تماماً. 
 
السعادة والتردد
 
سيسعد نتنياهو ووزراءه جداً الإعلان عن ذلك، إلا أن هناك ثمنا سيدفع، حتى لم لو يعارض ترامب مثل هذا التحرك أو حتى لو رحب به وهلل له: إن ضم المنطقة "ج" يعني ضم عشرات الآلاف من الفلسطينيين وتحويلهم إلى مواطنين إسرائيليين أو إلى مقيمين من الدرجة الثانية أشبه بما كان عليه الحال في نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. 
 
وحتى ضم معالي أدوميم وحدها، وهي القريبة نسبياً من القدس، سوف يضع إسرائيل على طريق لا رجعة عنه باتجاه حل الدولة الواحدة.
 
سوف يعارض الفلسطينيون بالطبع هذا الضم غير القانوني، وسوف يحصلون بالتأكيد على دعم شبه كامل من المجتمع الدولي الذي ما يزال ملتزماً بحل الدولتين. 
 
ولكن، سيشعر كثير من الفلسطينيين، وإن لم يكن من أعماق قلوبهم، بالراحة، أولاً لأنهم من خلال الضم سيحصلون على بعض الحقوق بدلاً من الوضع الذي هم فيه تحت الاحتلال والذي لا يمنحهم من الحقوق شيئاً على الإطلاق. 
 
وثانيا، لأن كثيرا من الفلسطينيين يرون حل الدولة الواحدة خيارا أفضل، وخاصة أن أعدادهم في تزايد يوما بعد يوم. وهذا هو بالضبط السبب الذي يجعل إسرائيل تتردد – حتى في ظل إدارة ترامب المفضلة – في قطع هذا الميل الإضافي باتجاه الوأد النهائي لحل الدولتين. 
التعليقات (0)