قضايا وآراء

المؤتمر السابع: مهمة طارئة في مواجهة الإخفاقات الوطنية!

زهير الشاعر
1300x600
1300x600
في ظل التسريب الصوتي لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس كتلتها في المجلس التشريعي، عزام الأحمد، لم يعد خافيا على أحد حجم الإخفاقات التي لحقت بالجانب الفلسطيني في ظل الصراع والتفكك والانقسام القائم، الذي جاء نتيجة سياسة فاشلة ومتخبطة للقيادة الفلسطينية، ولكنها موجهة بعناية للوصول إلى هذه النتيجة البائسة! فكيف لا، وقد أُعلِنَ مؤخرا عن عدم إمكانية عقد مؤتمر باريس الدولي للسلام في ظل الظروف الراهنة، وبالتالي وأد مبادرة باريس قبل أن ترى النور، حيث كان رهان القيادة الفلسطينية عليها كبيرا بأن تعطيها مزيدا من الوقت، لبيع المزيد من الوهم بأنها تحمل أملا طال انتظاره.

لذلك، لا بد من مواجهة الحقيقة التي تقول بأن التحديات أمام القيادة الفلسطينية الحالية أصبحت في أوجها، مما جعلها في حالة تخبط دائم، وخاصة أن الشارع الفلسطيني بدأ يدرك حجم الخديعة التي تعرض لها نتيجة تواطؤ هذه القيادة، وعجزها عن حماية الأرض التي تعرضت للمصادرة وقُطّعت أوصالها، مما دفع هذه القيادة لكي تتحرك بسرعة إلى تحديد موعد لانعقاد مؤتمر بمهمة طارئة؛ هدفه الأساسي التغطية على فشلها وإخفاقاتها الوطنية، حتى تشغل الرأي العام الداخلي عنها، وعن حجم المصيبة التي حلت به وبمشروعه الوطني؛ نتيجة أفعالها المشبوهة وسلبها لمقدرات الوطن، وكانت الشمّاعة لضمان تنفيذ ذلك، كالعادة، اسمها دحلان، حتى أصبح المواطن الفلسطيني حائرا في سبب حصر القضية الوطنية في مواطن فلسطيني طموح، بغض النظر عن التوافق حوله أو مع حقه بطموحه من عدمه، فلم تعد القضية وطنية، بل أصبحت لتجييش الطاقات في خدمة المصالح والنفوذ، مع عدم منح رفاهية الاختيار للمواطنين الفلسطينيين، سوى الاصطفاف إلى جانب أحد الأطراف حتى يصنف مع الشرعية، أو متجنحا في سياق خلافات عباسية - دحلانية!

من هنا، دخلت القضية الوطنية في منعطف خطير للغاية، حيث تبين منذ البداية أن هدف هذا المؤتمر لم يعد وطنيا، بل يبدو أنه جاء في الأساس لانتزاع شرعية مفقودة من أجل إنقاذ مصالح منظومة باتت تعاني الضعف والوهن، وفي حاجة مُلِحّة لتجديد شرعيتها، وذلك في هذا الوقت الحرج مع هبوب رياح التغيير المنتظرة، لصالح راسمي السياسة الفلسطينية المستقبلية في ظل تحديات غير مسبوقة تواجه القضية الفلسطينية، حيث أن عدم تنفيذ أي من مقررات المؤتمر السابق خير مثال على ذلك! كيف لا، وهي التي لم تكن ولا زالت سوى قرارات من الحبر على ورق، كغطاء لسياسات مدمرة، الجميع بات يلمس نتائجها الكارثية، سواء فيما يتعلق بالوطن أو بمقدراته التي تم حصرها في أيدي المنتفعين الذين حصلوا على شرعية قيادية من مؤتمر كانت نتائجه انقسامية على الساحة الداخلية، وعبثية فيما يتعلق بالشأن الوطني بمجمله.

لذلك، لم يعد من المفيد الصمت على تمرير مؤتمر آخر والوقوع في نفس الجريمة، وذلك بالموافقة على المشاركة فيه بمقاييس مشبوهة؛ لكي تشرعن ما سينجم عنه من مقررات لحماية من ارتكبوا جريمة وطنية منذ انعقاد المؤتمر السابق حتى يومنا هذا، ومن ثم إفراز قيادة هزيلة! لا بل الأجدر هو عدم المشاركة فيه ورفع الغطاء الوطني عنه؛ حتى تنكشف أبعاده الخبيثة والتي تحمل معها أهدافا انفصالية تتلخص في نقطتين:

الأولى: خلق أمر واقع جديد للدفع باتجاه انفصال قطاع غزة، لتنفيذ فكرة قيام دولة فيه باسم دولة غزة.

الثانية: خنق الضفة أكثر لتسهيل اغتصاب أراضيها، ومن ثم ضم ما يتبقى منها إلى المملكة الأردنية الهاشمية في سياق اتحاد كونفدرالي شكلي وهزيل.

خلاصة القول، إن هناك مؤامرة قذرة تحاك ضد الشعب الفلسطيني ووجوده، بأدوات فلسطينية متواطئة، تشارك فيها رموز قيادية سواء عن علم أو جهل، ولكنها تساق كالأغنام بلا إرادة، للمصادقة على مقررات مشبوهة تحت مسميات وهمية؛ لضمان الاستمرار في نهج مشبوه لا زال بحاجة لاستكمال خطواته النهائية!

لذلك، لا أستبعد أن يكون الحديث بخصوص عقد مؤتمر سابع آخر لحركة فتح حسب مقررات المؤتمر السابع الذي سيعقد في رام الله، يطلق عليه مجازا اسم مؤتمر مواز، صحيحا، وفي تقديري أنه لم يحسم بعد مكان انعقاده، وذلك بعد انتهاء المؤتمر محل الخلاف، الذي يعد من وجهة نظر البعض انفصاليا وانقساميا، والذي سيعقد في رام الله في التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، حيث أنه سيكون نتاجا طبيعيا لسيناريو مدروس بعناية، متورطة فيه القيادة الفلسطينية نفسها، حيث يرى المراقبون للشأن الفلسطيني أنها ليست بريئة، وأنها تدفع بكل قوة في هذا الاتجاه، حتى تترسخ عملية انشقاق واسعة في الشارع الفلسطيني، تُؤَمِن توجها يضمن تبعية قطاع غزة بالمطلق من جهة، ومن جهة أخرى توجها انتقاميا كان منذ البداية غاية مبرمجة، وهي تدمير حركة فتح وإنهاؤها، وبالتالي ضمان خروج آمن بدون مساءلة أو ملاحقة!

لذلك، فإن المسؤول الأول عن هذا التدهور الحاصل في الساحة الفلسطينية والتحشيد المتنافر وغير المسبوق، الذي يأخذ الشارع الفلسطيني إلى تعميق الشرخ الموجود وترسيخ حالة الانقسام، هي المجموعة التي لا تزال ترفض صوت العقل والحكمة في التعاطي مع تحديات الوضع الداخلي، وآثرت الدخول في طريق وعرة من خلال خلط الأوراق قبل الدخول في معركة التغيير المنتظرة!

من هنا تبدو بأنها مهمة طارئة، جاءت بها الدعوة المجنونة لانعقاد المؤتمر السابع، الذي كنت قد أشرت، من خلال مقالات سابقة، عن قناعاتي بأنه لن يعقد في موعده! ولكن يبدو أن العناد والظروف المحيطة تدفع باتجاه انعقاده لغايات فيها تحد للحفاظ على المصالح والنفوذ، وذلك بأدوات موجهة، تمثل أرقاما جامدة ومحكومة بالتبعية المطلقة وبضمان إعطاء صوتها حسب التوجيه الذي سيعطى لها، وذلك من أجل ضمان تمرير مقرراته التي أصبحت المنظومة الحاكمة بحاجة مُلِحَة إليها في مواجهة إخفاقاتها الوطنية.

هذا بالتأكيد يأخذنا لطرح أسئلة مشروعة على المشاركين من الشرفاء والوطنيين في هذا المؤتمر؛ الذين تجبرهم ظروفهم على المشاركة فيه، لعل وعسى أن يصاحبها صحوة ضمير وموقف شجاع يليق بتاريخهم الوطني والمهني، ويجعلهم يتخذون قرارا وطنيا ينحاز لكرامة وطن باتت تئن من فقدانها، وهي:

- هل يقبل هؤلاء بأن يكونوا غطاء لأصحاب إخفاقات أساؤوا للوطن، ونهبوا مقدراته، ولم يقدموا شيئا، بل أضاعوا القضية؟

- هل يقبل هؤلاء بأن يشاركوا في مؤتمر انفصالي، ويدفع باتجاه تعميق الانقسام، ويؤسس لمرحلة من الصراع وتدمير القضية الوطنية؟

- هل يقبل هؤلاء بأن تذهب البلاد، وهي في حالة غير طبيعية ومحتلة، إلى حالة من التصادم الدموي، تُضيّع معها ما تبقى من آمال وأحلام أجيال تستحق الحياة، وانتظرت طويلا، وضحت كثيرا من أجلهم ومن أجل أسرهم قبل غيرهم؛ حتى يكون لهم يوما ما وطن؟

- هل يقبل هؤلاء بأن يكونوا شهود زور على مقررات مشبوهة ستسقط مبدأ المحاسبة، وتؤسس لمرحلة فساد جديدة؟

- هل يقبل هؤلاء بأن يكونوا أدوات لتمرير مقررات تدمير حركة نضالية كبيرة؛ من أجل مشاركة في مؤتمر فاقد للشرعية؟

- هل يقبل هؤلاء بأن يكونوا غطاء لأعضاء مشبوهين ومشبوهات، وبدون أي سيرة نضالية، تم اختيارهم للمشاركة جنبا إلى جنب معهم كأرقام فقط، تم منحهم شهادات نضالية مجانية ولكنها مزورة؟

- هل يقبل هؤلاء بأن يُمَس تاريخهم وتلوث سمعتهم ويُفْقَد الأمان لأطفالهم؛ بعد أن يكتشفوا بأنهم كانوا مضللين وضحايا خداع عبر السنين الماضية، لكنهم شاركوا مع سبق الإصرار والترصد في جريمة المؤامرة على قضية شعبهم؟

- كيف تقبل بعض الفصائل الفلسطينية أن تشارك في هذا المؤتمر وتعطيه شرعية، وهي تعلم بأنه سيرسخ انقساما وشرخا عميقا في حركة فتح، وما يعنيه ذلك من تأثير سلبي على القضية الفلسطينية برمتها؟ فهل هي شريكة بالفعل في سيناريو تدمير القضية الفلسطينية؟

لذلك، لا أعتقد أن هناك وطنيا أو شريفا واحدا يقبل بأن يكون اسمه ضمن قوائم مؤتمر مشبوه الأهداف، وله غايات غير وطنية! فهل يعي هؤلاء بأنهم باتوا كالجسور المتحركة للاستخدام وقت الحاجة، وذلك من أجل غايات غير وطنية، ستفقد بريقها ومكانتها وكرامتها فور الانتهاء من هذا المؤتمر؟ لذلك يتوجب عليهم اتخاذ القرار الشجاع قبل فوات الأوان، وذلك بالانسحاب من منه وعدم المشاركة فيه!

أخيرا، في تقديري أنه لم يفت الأوان بعد، وسيبقى للعقل مكان في هذه الأوقات الحرجة، وحضن الوطن الدافئ هو الأهم، حيث إنه يقبل الجميع، كما ستبقى الحكاية مفتوحة حتى نرى النتيجة بين مقررات وهمية جاءت من خلال مؤتمر بمهمة طارئة لمواجهة إخفاقات وطنية، أو مؤتمر وطني جامع لا يحمل أي اسم آخر، باتت ضرورة انعقاده مُلِحّة ليتخذ خطوات لضمان إفراز مقررات وطنية مضادة، ولكنها شاملة ووحدوية، لتحمل أبناءها معها، وتحافظ على تاريخهم ومكانتهم الوطنية والاعتبارية؛ لكي تكون مظلتهم، وتعيد الاعتبار للقضية الوطنية!
التعليقات (0)