قضايا وآراء

تعقيبات على خطاب رئيس الدولة التونسية في عيد المرأة (2)

1300x600
في هذا الجزء الثاني من المقال سنحاول-تعميقا للنقاش ودفعا به نحو مناطق من اللامفكر فيه- أن نتعامل بإيجابية مع مقترح رئيس الدولة في التسوية بين الجنسين في الميراث. ولكن علينا أن نتذكر قبل كل شيء أنّ القاعدة القانونية المعنية بالسجال، هي من بين القواعد التي تحاول أن تنشئ واقعا جديدا لا أن تدير واقعا قائما. وهو ما يعني أنّ من المنطقي أن تواجه بمقاومة اجتماعية كبيرة لا يمكن حصرها في الفئات المتدينة أو حتى المحافظة، بل هو رفض يجد جذره في التمركز حول الذكر وما يرتبط به من مفاهيم وصور ومصالح مادية ورمزية. نظريا يمكن أن نقول إنّ مصير هذه المبادرة لن يخرج عن الفرضيات الثلاث التالية: 

1 -رفض المقترح والإبقاء على التشريع الحالي المنظّم للمواريث، وهو ما يتنافى مع "إملاءات" الاتحاد الأوروبي وشروطه الموضوعة لمساعدة تونس اقتصاديا، كما أنّ هذا الرفض سيضع الرئيس وحزبه في موضع حرج أمام قاعدته الانتخابية وأمام "حلفائه" فيما يُسمّى بالعائلة الديمقراطية. ولا شك في أنّ هذه الفرضية ستُضعف من مصداقية مؤسسة الرئاسة ومن سلطتها المرجعية، التي تكاد أن تُحوّل النظام البرلماني المعدّل المكفول بسلطة الدستور إلى نظام رئاسوي مكفول بقوّة الواقع وطبيعة التوازنات التي تحكمه. ولذلك من المستبعد أن يقبل السيد قائد السبسي فشل هذه المبادرة، خاصة أنه قد أثبت في مبادرات أخرى-لا تقل عن مبادرته هذه إثارة للجدل وانحيازا لفئة من التونسيين دون أخرى- قدرة كبيرة على ابتزاز حركة النهضة وتطويعها لتوفير الأغلبية اللازمة  لتمرير الجوهري في مبادراته التشريعية، رغم كل احترازات المعارضة السياسية والمدنية. 

قد يكون من باب مكر العقل في التاريخ- أو لنقل من باب الآثار غير المقصودة للحظة الثورية المجهضة-  هو أنّ ما يجعل من إمكانية فشل مبادرة الباجي إمكانية تقارب الصفر، هو وجود حركة النهضة ذاتها. فوجود الإسلام السياسي-وتحديدا وجود حركة النهضة ضمن الحقل السياسي القانوني لا باعتبارها "إسلاما ديمقراطيا" فقط، بل باعتبارها "إسلاما وظيفيا" يستعيد دور اليسار الوظيفي وإن من موقع مغاير- أصبح شرطا ضروريا لتمرير ما عجز عن تمريره بورقيبة ومن بعده المخلوع ابن علي. إننا أمام وضعية متناقضة ظاهريا ولكنها قابلة للفهم. فعندما كان الإسلام السياسي غائبا عن المشهد السياسي القانوني وقاطرة للمعارضة السياسية ذات العمق الشعبي، كان أي تشريع صادم للوعي الديني سيخدم الإسلاميين، وكان سيبدو كما لو أنه حرب على الإسلام ذاته لا حربا على الإسلاميين. أما بعد تقنين الحضور الإسلامي وتدجينه، فإن أي تشريع-مثل رفع الاحترازات عن اتفاقية سيداو وإعطاء التأشيرة لجمعية شمس للمثليين - سيُطرح باعتباره حربا على ما يُهدد "النمط المجتمعي التونسي"، وليس باعتباره حربا على الإسلام ولا حتى الإسلاميين-فهم شركاء في حكومة الوحدة الوطنية-. هنا يجد النهضويون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الخضوع لإملاءات الغرب وابتزاز وكلائه المحليين بحيث يمكن لأي مشروع تغريبي أن يمرّ "توافقيا" -ويكتسب جزءا من شرعيته في الداخل والخارج من دعم الإسلاميين أنفسهم له-، وإما مواجهة هذا التحالف "الثقافوي" ورفض المقترح الرئاسي، وهو ما سيضعف "التوافق البراغماتي" ويجعل النهضويين عرضة للاتهامات النمطية حول ازدواجية الخطاب والفشل في تَونسة الحركة والالتقاء الموضوعي والمفهومي مع الإرهاب، ومعاداة المرأة وغير ذلك من التهم المعروفة.

2 -قبول المقترح بتغيير التشريع الحالي وفرض المساواة بين الجنسين، ولكنّ هذه الفرضية ستؤجج الصراع الهووي وتزيد في حدة الانقسامات الاجتماعية بصورة لا تتحملها البلاد في ظل الأزمة الاقتصادية من جهة أولى، والخطر الإرهابي التكفيري من جهة ثانية. كما أنّ هذه الفرضية التي ستخدم نداء تونس في الاستحقاقات الانتخابات المقبلة، ستزيد في انحسار القاعدة الانتخابية لحركة النهضة؛ لأنها ستظهرها بمظهر المتواطئ مع التشريعات المعادية لهوية الشعب، بل للمعلوم من الدين بالضرورة. إنّ التسوية المسقطة على واقع سوسيو- ثقافي غير متقبل لها أو غير مستعد نفسيا وفكريا-بل تُحرم المرأة فيه حتى من نصيبها الشرعي الذي تكفله لها مجلة الأحوال الشخصية-، ستدفع من لا يؤمن بالتسوية من منطلق ديني او حتى عرفي إلى التحايل على القانون وإيجاد حلول قبل وفاته لضبط الميراث بصورة تقليدية، لا يمكن للدولة ان تطعن في قانونيتها. كما أنّ المساواة في الميراث قد تظهر جملة من الإشكالات التي ينبغي على العقل النسوي والحداثوي التفكير فيها بصورة جدية. فهذا العقل سيواجه مشكلة في مستويين على الأقل: أولا مستوى التعامل مع المنظومة التشريعية التي تتنزل فيها أحكام الميراث، أي في مستوى ما ستطرحه التسوية من مشاكل وقضايا على مجلة الأحوال الشخصية من جهة الالتزامات المادية بين الزوجين. ثانيا مستوى التعامل مع المساواة بعيدا عن الانتهازية والنزعة الذكورية المقلوبة. فحتى لا تتحوّل التشريعات إلى تأسيس لمركزية أنثوية ترث كل أمراض التمركز حول الذكر، ينبغي على المرأة أن تقبل مثلا بالتسوية في"التعيينات الفردية" -في انتظار توفير ثكنات خاصة تمكّن الإناث من القيام بواجبهن في الخدمة العسكرية-، كما يجب مراجعة مفهوم الإنفاق، ومعنيي المتعة والكفالة، وغير ذلك من الالتزامات التي تكتسب معناها –بصورة كلّية أو جزئية- من مجلة الأحوال الشخصية في صيغتها الحالية.
  
3 -قبول المقترح بتغيير التشريع في اتجاه أن تكون المساواة اختيارية. وفي صورة اعتماد هذه الفرضية-التي قد تكون الأكثر براغماتية والأقرب إلى التعبير عن الحد الأدنى من مصالح الإرادات المتصارعة- فإننا سنجد أنفسنا أمام إشكال كبير: هل  سيكون النظام الحالي للمواريث هو الأصل، مع تمكين من يريد اعتماد نظام التسوية في الميراث بين الجنسين من التنصيص على ذلك، أم ستكون التسوية بين الجنسين هي الأصل ويكون على من يريد اتباع النظام الشرعي التنصيص على ذلك؟ وقد يبدو أنّ هذه الفرضية الثالثة تُعطي لكل طرف حقه في التعبير عن قناعاته الدينية والفكرية، ولكنّ رمزية المعركة وعمق الرهانات السياسية التي تعكسها سيجعل من الوصول إلى "توافق" حول القاعدة القانونية أمرا بالغ الصعوبة. فإذا افترضنا أنّ الراغب في التسوية سيكون مضطرا إلى التعبير عن ذلك (عند جهة رسمية ما)، فإنه قد يكون هدفا للوصم الاجتماعي وقد يكون سلوكه سببا في النبذ ومدخلا للعنف الرمزي، بل حتى العنف المادي عليه. أما إذا ما افترضنا أنّ القاعدة ستكون هي التسوية مع جعل الراغب في اعتماد النظام الحالي ينصّ على ذلك(عند جهة رسمية ما)، فإننا سنواجه المشكل نفسه: سيظهر هذا الشخص في مظهر "الرجعي" ، "المتخلف" ، "الاستثناء"،"المستضعف" في دولة يُفترض بها أن يكون "دينها الإسلام"، وأن تكون هي "راعيته" الأساسية. 

لتجنب الصراعات الهووية التي لا تخدم في نهاية التحليل إلا الطرف المهيمن على السلطة والثروة منذ بناء ما يسمى بدولة الاستقلال، وللإصغاء لكل الأنساق الحجاجية بصورة متكافئة وغير منحازة، يمكننا مبدئيا أن ندافع عن الفرضية الثالثة التي تجعل المساواة في الإرث اختيارية، وغير ملزمة لعموم المواطنين. فهذا المقترح سيضمن لجميع الفرقاء حقهم في الاعتقاد والتعبير والفعل على مقتضى ما يؤمنون به، ولكنه في الوقت نفسه لن يجعل هنالك منتصرا ومنهزما. فإدارة الخلاف بمنطق الحروب وبمفردات الصراع الوجودي، سيكون لها تداعيات كارثية على المجتمع التونسي ولو بعد حين. ولذلك من مصلحة الجميع أن يتعاملوا مع الأطروحات المختلفة عن أطروحتهم بجدية واحترام، بل من مصلحتهم أن يتجاوزوا هذا الإشكال وأن يفكّروا "معا" في القضايا الحقيقية التي تشمل التسوية بين النساء أنفسهن بعيدا عن هيمنة "النساء المدينيات" ومنظوراتهنّ البرجوازية، التسوية بين السواحل والقواحل، التسوية بين التونسيين على أساس المواطنة، وبعيدا عن منطق الاستعلاء الفكري أو الايماني أو الجهوي أو الفئوي.

ختاما، علينا أن ننبّه إلى أنّ الاختيارية لا تعني تعددية التشريعات بل تعني فقط التعامل مع مجموع المواطنين على مقتضى قناعاتهم، لكن بتشريع واحد يعبّر عن مختلف الإرادات والمصالح المتنازعة.

ورغم وجاهة العديد من الحجج التي تقدّمها الخطابات الحقوقية التقدمية، فإنّ التحديث عندما لا يراعي الواقعين الفكري والموضوعي سيكون  تحديثا  "قسريا" و"فوقيا" يتحرك ضد قناعات أغلب الناس وليس بها أو معها. وهو ما سيفتح الباب لعودة المكبوت في كل أزمة يتعرض لها المجتمع. يعلّمنا الدرس القانوني أنّ أي تشريع لا يخرج عن ثلاث حالات:  إمّا أن يكون مساوقا للمجتمع أو متقدما عليه أو متخلفا عنه. ولا شك في أنّ المساواة بين الجنسين هو تشريع متقدم على المجتمع ويسعى إلى "إنشاء" واقع جديد هو من منظور المدافعين عنه أكثر إنسانية وعدالة، -ولكنه منظور لا يمكن القول بأنه محل إجماع أو حتى توافق بين التونسيين-. ولذلك فإنّ التسوية في الميراث إذا لم  تعبّر عن قناعات الناس ومصالحهم المادية والرمزية، ستثير من المشاكل التشريعية والاضطرابات الاجتماعية أكثر مما ستقدم من حلول. وأحسب أنّ الإيمان بالزمن والاشتغال على الأمدية الطويلة واحترام قناعات الناس وعقائدهم مع محاورتها باحترام وبعيدا عن منطق الوصاية والتسفيه –لكن دون التخلي عن المشروع المواطني الذي يضمن الحرية للأقليات، ويدافع عن حقها في ممارسة قناعاتها في إطار قانوني لا يكون بالضرورة متماهيا مع الضوابط الدينية- هي كل أمور أكثر براغماتية وفاعلية من فرض قوانين ستزيد في منسوب الاحتقان الإيديولوجي والانقسام الاجتماعي، وهي قوانين-رغم كل ادعاءاتها- لن تغير إلا قليلا  في بنية السلطة وآليات توزيع الثروة التي تطحن الجنسين معا، وتجعلهما في خدمة المُركّب المالي-الجهوي-الأمني الحاكم بالوكالة عن القوى الدولية الناهبة قبل الثورة وبعدها.