صحافة دولية

المفكر الفرنسي فرانسوا بورغا: أين نحن من مكافحة الإرهاب؟

الكاتب دعا إلى تغيير الاستراتيجية المتبعة في مواجهة الهجمات الإرهابية- أ ف ب
نشرت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية مقال رأي للكاتب فرانسوا بورغا، مدير البحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، دعا فيه إلى تغيير الاستراتيجية المتبعة في مواجهة الهجمات الإرهابية التي تقوم على سياسة الأمن الشامل، والتوجه مباشرة بالخطاب إلى أولئك الذين من شأنهم أن يشكلوا تهديدا حقيقيا.
 
وقال الكاتب الفرنسي، في مقاله الذي ترجمته "عربي21"، إن هناك جملة من ردود الفعل التي يتم اعتمادها عقب كل اعتداء إرهابي، حيث يتم اتخاذ جملة من الإجراءات الأمنية والقمعية من جهة، ومحاولة التعاطي مع جوهر العملية الإرهابية في حد ذاتها، مما لا يسمح لنا بالكشف عن هوية المسؤولين عن هذه العمليات.
 
وذكر الكاتب أن الاعتقالات الاستباقية، أو الإعدامات الميدانية تحت وطأة قنابل طائرات التحالف الدولي لإيقاف التنظيمات الإرهابية، قد حققت "نجاحا"، إلا أن مثل هذه التدابير أضحت في الوقت الراهن تشكل تحديا حقيقيا. ففي بعض الأحيان، تكون الحلول الأمنية محدودة الفاعلية.
 
وأضاف أنه في المقام الأول، غالبا ما يتمكن الإرهابيون من التستر على تدريباتهم عن طريق التركيز على النزعة الانفرادية واعتماد التكنولوجيات "المدنية". وبالتالي، يصبح من الصعب توقع هجماتهم بصفة استباقية. وفي المقام الثاني، تتجلى محدودية الحلول الأمنية من خلال تبعاتها غير المباشرة، حيث أنه ومن خلال مقاربات غير دقيقة يتم التعامل مع المدنيين على اعتبارهم "إرهابيين محتملين"، مما يعرضهم إلى شتى أنواع الإذلال والمعاناة.
 
وأشار الكاتب إلى أنه في كل مكان من العالم، تحطمت آمال آلاف المواطنين الذين كانوا يرغبون في السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في إطار زيارات عائلية، أو للدراسة، أو العلاج، بموجب ما يعرف "بحظر المسلمين"، حتى من قبل أن يتولى ترامب رئاسة البلاد بصفة رسمية. وفي فرنسا، لن تجد مسلما واحدا من بين الملايين من المسلمين والمسلمات في فرنسا يثق في الرئيس السابق، فرنسوا هولاند، لدرجة السماح له بالإشراف على مؤسسة تهدف إلى إدارة أماكن عبادة المسلمين.

وتابع: "وبعيدا عن الحدود الفرنسية، يعي العديد من المسلمين جيدا أن العديد من أقاربهم وأصدقائهم، فضلا عن إخوة لهم يشاركونهم المعتقد نفسه، لن ينجوا مطلقا نظرا لأن قنابل التحالف لن تتقاعس عن وضع حد لحياتهم".
 
وأقر الكاتب بأن التحالف الدولي حول كلا من الرقة والموصل إلى مجرد أطلال قبل أن يسلمها للميليشيات الكردية والشيعية. وفي الأثناء، لم تمعن الجهات المسؤولة النظر في خطورة هذه "الأعراض الجانبية" التي غالبا ما تترتب عن عملية "مكافحة الإرهاب". علاوة على ذلك، ما فتئ البعض ينددون بالمعايير التي تعتمدها فرنسا، فيما يتعلق بمجال الأسلحة. ففي الحقيقة، تعجز فرنسا عن التفرقة بين السبب والنتيجة، حيث عمدت إلى المشاركة في العمليات ضد عشرات الآلاف من ضحايا النظام السوري. ويعزى ذلك إلى أن فرنسا وقعت في مأزق تكتيكي يتلخص في أن "الكل ضد تنظيم الدولة" متجاهلة أن بشار الأسد هو أصل المشكلة.
 
والجدير بالذكر أن "الرئيس الفرنسي الشاب" حريص على التغيير كما أنه قادر على إخراج البلاد من مأزق "الأمن الشامل". وفي هذا الإطار، لسائل أن يسأل، هل سيرد على الإرهاب بطريقة سياسية ويتنكر للأساليب الحزبية والانتخابية؟ ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك، وكل المرشحين لسباق الرئاسة انطلاقا من أحزاب اليمين وصولا إلى أحزاب اليسار قد هللوا لبشار الأسد وحليفه الروسي؟
 
وذكر الكاتب أن مالي تعاني هي الأخرى من انعدام التوازن بين الشمال والجنوب، في حين يرى الرئيس الفرنسي أن المتسببين في ذلك هم "الإرهابيون" الذين "لم يكونوا هناك أصلا". وفي الأثناء، لا يمكن اعتبار الجلاد بشار الأسد بمثابة "عدو" (أي عدو صناع القرار في فرنسا)، علما أن الجهات المسؤولة الفرنسية دائما ما تنخرط في مهام جديدة لحماية الأقليات على حساب عامة الشعب.
 
ومن المثير للاهتمام أنه وفي إطار إحياء ماكرون لحادثة "فيلودروم الشتاء"، تم توجيه دعوة لليمين المتطرف الإسرائيلي التابع لبنيامين نتنياهو، الذي عرف بمكافحة الجهود العالمية في المجال الإنساني، لحضور فعاليات هذه الذكرى.
 
وفي الختام، نوه الكاتب إلى أن الدولة الفرنسية تعمل على إعادة تفعيل الاستراتيجية السياسية لإيمانويل ماكرون، التي تتمثل في مبارزة الإرهاب بقسوة من جهة تغذيته خلسة من جهة أخرى.