كتاب عربي 21

قانون الطغيان الجديد: الحياة رخيصة والصمت غال

1300x600
لستُ أدري. لعل فرعون لم يتردد وهو يتخذ قراره بتذبيح الذكور من بني إسرائيل واستحياء نسائهم، فالطاغية لا يكتمل طغيانه إلا إذا بلغ درجة يرى فيها أن حياة الناس من بعض أملاكه، تمامًا كالذي حاجّ إبراهيم في ربه، حينما قال "أنا أحيي وأميت"، فوجود الإنسان في مجاله الذي يملكه مرتبط ببركاته، تمامًا كما قال فرعون نفسه: "يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي".

يبدو لي أنه قصد بجريان الأنهار من تحته، أن رزق الناس بأمره، مأكلهم ومشربهم، وملك مصر كلها بيده، فمنامهم ومسكنهم وسعيهم بأمره، وإن كان الأمر كذلك، فلا مناص من أن يتخذوه ربًّا، وألا يروا إلا ما يرى، والحال هذه لا يسعهم الصمت، فعبادة الإنسان ابتهال ودعاء وتسبيح وذكر وحمد، وهذا كلام، لا بدّ منه، ولأن الطاغية ربّ مزيف، فلا ينفع دعاؤه خُفية، بل لا بد أن يَسمعهم، وإذن فالصمت جريمة.

كأن القرآن يقول إنّ الطغيان يستبطن دائمًا اعتقادًا بحقّ امتلاك الناس، والطاغية يتصرف على أساس من ملكه لهم، ولكن هذا الملك درجات، أعلاه التحكم بحيواتهم. وانفراط المقاومة والتدافع واختلال الموازين وافتقار الطاغية لبقية العقل، أسباب ستصل به إلى غاية حتميات هذا الامتلاك، أي العبث الصريح بحيوات الناس، وذلك لأن المنطق الداخلي للطغيان، لا بدّ وأن يظل ينزع نحو الوصول إلى المنتهى، أو الكمال الطغياني، حيث يسأل الطاغية مملوكيه عن صوت دعائهم الذي لم يطرق سمعه!

لا غرابة -إذن- أن يحاسب طاغية أحدًا من مملوكيه على صمته، فهذا المآل الطبيعي والحتمي لسيرورة الطغيان، ودون أن ندقق النظر، بل بنظرة أولى، سنجد أن منطق الطغيان قد صار دينًا يُعلن الناس عن اعتقادهم به، وهذا الدين ركنه الركين؛ أن الأمن والرزق بيد الحاكم، فهو الذي يحيي ويميت، إن بالقتل أو بالسجن، وهذه الخيرات التي جعلها الله في الأرض، هي خيرات الحاكم، إن شاء أعطى وإن شاء منع، وكم من مرة سمعنا أو قرأنا، أحدهم من العبيد يتحدث عن النفط وكأنه حق الحاكم وفضله؟!

هناك من يعتقد بالفعل أن حقّ الحاكم أن يعبّ النفط عبًّا، وأن يُقتّر النفط على من يشاء عباده، فلا يترك للناس إلا قطرات يرونها منًّا وفضلاً، ولأن النفط يجري من تحته، أي من ملكه الذي هو له، فله أن يجوّع الناس، ويجعلهم في العراء بلا سكن، بينما له أن يطلي الهواء بالذهب إن استطاع، وليس لهم إلا أن يسبحوا بحمده، ويذكروا نعمته، ويثنوا على حكمته، فإن لم يصله صوتهم يلهج بدعائه والثناء عليه، فعليهم أن يصبروا على أقداره التي يصرّفها فيهم سجنًا وقتلاً.

لقد عشنا حتى رأينا ذلك، أن يُسجن إنسان لصمته، والصمت عند الطاغية ليس عبادة، أو لأن ذكره الحاكم بالحمد والتسبيح لم يصل حاكمه على النحو الذي يرضي الأخير، أو لأنّه دعا الله جلّ وعلا بدعاء بدا للحاكم وكأنّه يمسّ حكمته وإحاطته بالأمور، فاستحق السجن.

قديمًا اتخذ الناس الشركاء ليقربوهم إلى الله زلفى، واليوم لا يدعو الحاكم النّاس بمقاله لعبادته، ولكنه وكأنه بلسان حاله، يريدهم أن يعبدوا الله بما يقرّبهم إليه –أي للحكام- زلفى، أو أن يعبدوه وحده من دون الله، ففي الحالة الأولى هو الأصل فلا يدعى الله بما لا يرضى الحاكم، وفي الثانية هو الوحيد، ويجب إفراده بالدعاء والعبادة! وهذا منطق تصرّفه وإن لم يكن بالضرورة منطق لسانه!

وإذا كان الله تعالى قد كرّم بني آدم، وأسجد الملائكة لأبيهم، فهم عند الحاكم، دون الذباب والبعوض، فالحاكم في بلادنا مدلّل، ربٌّ دون أن يَخلُق، فكيف والحال هذه لا يسجن إنسانًا بلا ذنب اقترفه؟! كيف لا تكون حياة الناس عنده رخيصة؟! كيف لا يسجن إنسانًا فقط لأنه –أي الحاكم- أحبّ أن يعرف الناس قدرته؟! أو لكي يخلط حسابات الجماهير فيخلط بسجنه مكروهًا بمحبوب ليمنع تعاطفهم مع المحبوب؟! لا وزن للإنسان، ولا لدموع الأمهات والأطفال، البشر أقل من ذباب، والحاكم يعطي ويمنع، يسجن ويميت، والصلاة له كلها جهرية!