كتاب عربي 21

الثورة المضادة في الداخل و الخارج

1300x600
"الثورة المضادة" فاعل مركزي في واقع العرب والمسلمين اليوم، فكل ما نراه حولنا من فوضى ومن خراب ومن موت منتشر في كل مكان إنما هو من فعل الثورة المضادة وأنيابها الدامية فقط.

في البدء كان الربيع، ربيع الأمة وربيع الجماهير الهادرة في الساحات والميادين عندما كان النظام الاستبدادي العربي يرتعش رعبا وخوفا من الإفاقة المفاجئة لمن حسبهم طويلا نوما حالمين، اليوم لم يعد مصطلح الربيع طاغيا بل استعيض عنه بمصطلح "الخريف" أو بالتحديد "الخريف الإسلامي".

في الحقيقة ورغم مكر المصطلح، فإن ما نرى هو ربيع جديد أي أن الربيع الأول هو ربيع الجماهير المسحوقة أو ربيع الثورة أما الثاني الذي أعقبه فهو ربيع الاستبداد العربي أي ربيع الثورة المضادة.

في تحقيق نادر نشرت الصحيفة الفرنسية الأشهر "لوموند" تقريرا عن واحد من أنياب الثورة المضادة الأشد تأثيرا وهو رجل الإمارات الفلسطيني "محمد دحلان".

يمثل المقال الذي كتبه الصحفي الاستقصائي ومراسل الصحيفة في بيروت "بنجمان بارت" وثيقة هامة في تعرية الخيوط الخفية للثورة المضادة التي تقودها دولة الإمارات العربية المتحدة بلا هوادة منذ فجر الثورات.

نجح دحلان كما يؤكد التقرير في نسج شبكة ممتدة بواسطة المال الإماراتي فقاد الثورة المضادة في مصر حتى أطاح بمحمد مرسي والانقلاب عليه، ثم في ليبيا مع الجنرال حفتر الذي يدعمه بالسلاح، وكذا في تونس عبر دعم فلول النظام القديم ومنصاته الإعلامية بالمال الوفير.

لكن نشاط خلايا الرجل لم تقتصر على شراء الأسلحة وعلى التمكين للانقلابات بل تعداها إلى مراكز البحوث والدراسات، حيث نجحت الإمارات في صناعة مراكز بحوث في روما وباريس وبروكسل وبريطانيا عبر مركز "أبحاث" الإماراتي من أجل استقطاب النخب الغربية والتأثير فيها. 

ذكر المقال على سبيل المثال مركزا فرنسيا للدراسات يشرف عليه سفير بن علي السابق في "اليونيسكو" بما هو واحد من أظافر المخلب الإماراتي في عاصمة الأنوار باريس وهو الذي عُرف بعدائه الشديد لدولة قطر وللثورات العربية التي وصفها بأقذع النعوت.

ليس غرض الثورة المضادة البناءَ والتأسيس وتقديم البديل بقدر ما يتمثل غرضها الأساسي في الهدم ومنع التأسيس وضرب كل محاولة تسعى إلى تقديم بديل لمنظومة القمع العربية التي كانت سائدة قبل الانفجار التونسي الكبير في شتاء 2010.

ففي باريس بما هي واحدة من أهم العواصم العالمية تأثيرا في الخبر وفي الوعي الجمعي الدولي وفي صورة العرب والمسلمين بشكل عام تنشط الثورة المضادة مسلحة بالمال الخليجي الانقلابي وبشبكة من رجال المنظومات الاستبدادية العربية.

لا تقتصر الثورة المضادة هناك على شراء الأقلام والمقالات والتحقيقات الصحفية التي تتماشى مع الخطاب الثورة المضادة ومضامينها بل تتجاوزه إلى محاولة خلق الثقل السياسي في القرار وفي التوجه وذلك على أعلى المستويات.

تشهد أروقة اليونسكو مثلا صراعا محموما بين دول المنظومة الاستبدادية العربية بما فيها دول حصار قطر وحلفائها وبين الدول الداعمة لترشح قطر وهي الدولة المحسوبة على الثورة وعلى الخط الثوري عربيا.

تسعى دول الثورة المضادة جاهدة وبكل الوسائل إلى حرمان قطر من هذا المنصب الهام دوليا في عداء صارخ للقيم الحضارية للأمة وفي تنكر لا يخفى لكل روابط الانتماء للدين والوطن واللغة والتاريخ والأرض والمصير الواحد. إذ لا تمثل دولة قطر خطرا مباشرا على دول الثورة المضادة إلا بما هي رمز لرفض الانصياع لمنطق الوصاية وسلب السيادة والاعتراف بالانقلابات وبانتصار الثورة المضادة الحاسم.

إن توحش الثورة المضادة بكل خناجرها يكشف في الحقيقة معطيات كثيرة تساعد حتما في تبين المشهد العام الذي يغطي كامل المجال العربي اليوم.

أهم هذه المعطيات هي سذاجة الثورات وخاصة سذاجة النخب التي قادت هذه الثورات وهي نخب بان جليا أنها لا تملك حدا أدنى من الوعي السياسي الموضوعي بواقعها وهو ما سهل عودة النظام القديم.
 
الأخطر من ذلك والأدهى هو أن كثيرا من النخب السياسية المعارضة تحالفت مع الاستبداد وساعدت بشكل حاسم على عودته مثلما هو الحال في مصر وتونس مثلا.

كشف توحش الثورة المضادة تحالفا جليا بين قوى المنظومة القمعية العربية وبين القوى الخارجية المعادية للأمة ولكل محاولاتها للتحرر والنهوض، بل إن شراسة الثورة المضادة واستبسالها في محاولة حرق كل المجال الثوري ونسف منجزه الاجتماعي والسياسي تؤكد أنها أخطر بكثير من القوى الاستعمارية نفسها.

إن أدوات النظام الرسمي العربي في الخارج شاهد على أن قوى التسلط العالمية إنما تستمد طاقتها الرئيسية من الداخل الذي تمثله القوى المضادة والمعاكسة والمانعة لحركة التحرر والانعتاق. لقد كبدت قوى الداخل الأمة خسائر لم تكبدها إياها قوى الاستعمار الخارجي طوال تاريخها الضارب في النهب وسرقة الثروات ولنا في سوريا ومصر خير مثال.

لن تخرج الأمة من مأزقها ما لم تتحرر من أورام الداخل وما لم تتخلص من جذور الاستبداد وشبكاته، لأن كل صراع مع الخارج يتطلب حتما تحرير الداخل هذا إن لم نقل إن معركة الأمة هي في جوهرها معركة مع نفسها قبل أن تكون مع غيرها.