كتاب عربي 21

الموقف التركي من قرار ترامب الأخير

1300x600

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة غضب واستياء في العالم الإسلامي، حين أعلن الأسبوع الماضي مدينة القدس عاصمة إسرائيل، وقرر نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة المحتلة. وأعربت تركيا، حكومة وشعبا، رفضها القاطع لهذا القرار الذي أساء إلى جميع المسلمين، كما دعا رئيس الجمهورية التركي، رجب طيب أردوغان، إلى عقد قمة طارئة لدول منظمة التعاون الإسلامي في مدينة إسطنبول، لبحث تداعيات قرار ترامب المتعلق بالقدس.

الشعب التركي المسلم متعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني العادلة، بغض النظر عن مواقف الحكومات التركية وسياساتها. وبالتالي، لم يكن مفاجئا خروجه في مظاهرات حاشدة في معظم المدن التركية، للتعبير عن رفضه لقرار الرئيس الأمريكي. ومن المتوقع أن يستمر هذا الحراك الشعبي الذي تقوده منظمات المجتمع المدني.

قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى توحِّد الأحزاب والجماعات والتيارات المختلفة. ولذلك، أصدرت الأحزاب السياسية المتمثلة في البرلمان التركي بيانا مشتركا ضد قرار الرئيس الأمريكي، كما حذَّر رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كيليتشدار أوغلو، من تداعيات أي قرار خاطئ يتخذ بشأن مدينة القدس المحتلة، مشيرا إلى أن ذلك سيؤدي إلى سفك الدماء والدموع في الشرق الأوسط مجددا. وأما رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، فقال في بيان، إن "مؤامرة واشنطن حول القدس خنجر تم رفعه لطعن مقدساتنا من الخلف".

موقف الحكومة التركية من قرار ترامب الأخير؛ لم يختلف عن الموقف الشعبي. وقال رئيس الجمهورية التركي إن "أمريكا أصبحت شريكة في إراقة الدماء باعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل"، مضيفا أن "الذين يعتقدون اليوم أنهم يملكون القدس؛ يجب أن يعرفوا أنهم لن يستطيعوا غدا العثور على شجرة للاختباء وراءها". وأكد أن القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي بشأن القدس؛ غير ملزم لتركيا ولا للقدس ولا للمسلمين.

 

تصعيد أردوغان لهجته ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لأول مرة، يشير إلى أن العلاقات التركية الأمريكية انتقلت إلى مرحلة جديدة في التدهور

العلاقات التركية الأمريكية متوترة منذ مدة، بسبب الدعم السخي الذي تقدمه واشنطن إلى مليشيات وحدات حماية الشعب الكردي، التابعة لمنظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية، بالإضافة إلى احتضان الولايات المتحدة لزعيم تنظيم الكيان الموازي الإرهابي، الذي قام بمحاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف تموز/ يوليو 2016. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن الرئيس التركي يستهدف نظيره الأمريكي في تصريحاته، أملا في أن يقوم الأخير بتصحيح ما أفسدته إدارة أوباما.

تصعيد أردوغان لهجته ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لأول مرة، يشير إلى أن العلاقات التركية الأمريكية انتقلت إلى مرحلة جديدة في التدهور، بعد إعلان ترامب مدينة القدس عاصمة إسرائيل، وأن تركيا عازمة في حشد الجهود الدبلوماسية والشعبية ضد هذه الخطوة. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: "ماذا يمكن أن تفعل تركيا للدفاع عن القدس والضغط على واشنطن؟".

الخطوة الأولى في التحرك التركي ستكون تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، لتوحيد مواقف الدول الإسلامية ضد قرار الرئيس الأمريكي. وتأتي القمة الطارئة التي اجتمعت في إسطنبول، تلبية لدعوة أردوغان، في هذا الإطار. وتهدف هذه الخطوة إلى دفع جميع الدول الإسلامية للمشاركة في الضغط على الإدارة الأمريكية، ليكون مفعوله أقوى، إلا أن هناك علامات استفهام حول إمكانية نجاح الجهود التركية في توحيد مواقف الدول الإسلامية، بسبب ضلوع بعض تلك الدول في التآمر على القدس.

 

أنقرة ترى أن خطوة ترامب الأخيرة جزء من مشروع كبير تشارك فيه قوى إقليمية إلى جانب إسرائيل، وأن هذا المشروع يهدف إلى إعادة خارطة المنطقة

إن لم تنجح الجهود التي تبذلها تركيا في توحيد الدول الإسلامية لمواجهة قرار ترامب بشأن القدس؛ فالخيار الثاني هو تشكيل تحالف من أجل الدفاع عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبلة المسلمين الأولى، بمشاركة دول ترى ضرورة التصدي للخطوة الأمريكية التي تتجاهل الحقائق التاريخية، وتضرب القرارات الدولية أرض الحائط. كما أن أنقرة قد تتخذ وحدها قرارات ردا على واشنطن.

أنقرة ترى أن خطوة ترامب الأخيرة جزء من مشروع كبير تشارك فيه قوى إقليمية إلى جانب إسرائيل، وأن هذا المشروع يهدف إلى إعادة خارطة المنطقة. ومن المتوقع أن تبذل قصارى جهدها وتكثف تحركاتها في جميع الاتجاهات من أجل إفشال هذا المشروع الرامي إلى تقسيم الدول وتصفية القضية الفلسطينية باسم السلام.