صحافة دولية

فورين بوليسي: الروهينغا فرّوا من مأساة ليواجهوا أخرى

فورين بوليسي: فر الروهينغا من الذبح لتلاحقهم الرياح الموسمية- جيتي

نشرت مجلة "فورين بوليسي" تقريرا للصحافية المتخصصة في الشأن الصحي صوفي كزينز، حول أوضاع الروهينغا في مخيمات اللجوء، تقول فيه إن لقيا هربت من ميانمار دون أي شيء سوى بطنها المنتفخة. 

 

ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن لقيا سارت ثلاثة أيام بلياليها مع أمها العجوز وابن أخيها -وهم من نجا من عائلتها- عبر الحدود مع بنغلادش قبل حوالي 5 أشهر، وتقول: "تم حرق كل شيء خلال العنف، لقد حرق زوجي وأخي وأبي، ولذلك جئنا إلى هنا".

 

وتقول الكاتبة إن "لقيا، التي تعقتد أنها في بدايات العشرينيات من عمرها، ومعها حوالي 700 ألف من الروهينغا -معظمهم من النساء والأطفال- هربوا إلى هذا المكان منذ شهر آب/ أغسطس الماضي؛ للفرار من الحملة في ولاية راخين الواقعة على الساحل الغربي لميانمار، حيث تم تدمير مئات قرى الروهينغا، بالإضافة إلى القتل والاغتصاب، التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها تحمل "بصمات الإبادة الجماعية".

 

وتذكر المجلة أن معظمهم يعيش الآن في خيم مصنوعة من الخيزران والنايلون في منطقة كوكس بازار في بنغلاديش، وهي منطقة صغيرة في الزاوية الجنوبية الشرقية من بنغلاديش، وعلى منحدرات شديدة الانحدار، التي كانت يوما هضابا محرجة. 

 

وتقول كزينز إن "لقيا أنجبت منذ ذلك الحين، حيث ولدتها أمها في خيمة العائلة، وكانت تزور مركزا صحيا عندما التقيت بها في مخيم اللاجئين العامر، حيث كان المولود البالغ من العمر 3 أشهر يعاني من الإسهال، وهو مؤشر على ما يأتي بعده".

 

ويلفت التقرير إلى أن موسم الرياح، الذي يبدأ خلال أسابيع قليلة، يتوقع أن يجلب الأمراض والانهيارات الترابية والفيضانات السريعة والموت، مشيرا إلى أن مخيم اللاجئين يقع في منطقة تصيبها الفيضانات في أغلب الأحيان، في واحد من أكثر البلاد عرضة للفيضانات والأعاصير في العالم، حيث قتل إعصار بهولا عام 1970 ما لا يقل عن 300 ألف شخص، وقتل إعصار سدر عام 2007 حوالي 10 آلاف شخص. 

 

وتستدرك المجلة بأنه بالرغم من الجهود التي تقوم بها وكالات الإغاثة، إلا أنها تخشى ألا تستطيع حماية الروهينغا من أزمة أخرى قد تنتهي بكارثة مرعبة للاجئين الذين عانوا من جرائم لا يمكن تخيلها.

 

وتنقل الكاتبة عن ديادير بويسافي، وهو موظف مع الأمم المتحدة يقوم بمراقبة الماء والصرف الصحي والنظافة في المخيمات، قوله: "ما هو أسوأ سيناريو محتمل؟ ليست لدي فكرة". 

 

وينوه التقرير إلى أن الكوليرا والإسهال المائي الحاد هما من الأمراض المتوطنة في بنغلاديش، وتصبح أشد في موسم الأمطار، مستدركا بأنه مع أنه تم القيام بحملتي تطعيم في المخيم والمجتمعات المضيفة، فإن هناك مخاوف من أنه لا بد أن يحصل تفش للأمراض؛ بسبب سوء الصرف الصحي ونوعية مياه الشرب، بالإضافة إلى ظروف الحياة المكتظة وفيضان مياه الصرف الصحي المتوقع.

 

وتورد المجلة أن طبيب ومدير منظمة العون المائي لبنغلاديش الدكتور خير الإسلام، يتساءل، قائلا: "لماذا نركز كثيرا على التطعيم؟"، مشيرا إلى أنه في المقابل "ليس هناك تحمس للتعامل مع مسألة الحفاظ على نوعية المياه". 

 

وتفيد كزينز بأنه بحسب خطة الاستجابة المشتركة لأزمة الروهينغا، وهي خطة تجمع أكثر من 130 شريكا، بما في ذلك عشرات منظمات الإغاثة الدولية، التي تضع ميزانيات تقديرية واحتياجات الاستجابة للأزمة، بسبب الكثافة الحالية للسكان، فإن "أي تفش (للأمراض) قد يقتل الآلاف".

 

ويقول بويسافي للمجلة: "هذه البكتيريا هي الأكثر عدوى من بين الأمراض المعروفة للإنسان"، في إشارة إلى بكتيريا الكوليرا.

 

وتقول الكاتبة: "في مركز لأطباء بلا حدود في مخيم كوتابالونغ بالوخالي للاجئين، قام إبراهيم باري، الذي يقود فريقا طبيا، بإطلاعي على إعداداتهم للتفشي المحتمل: بإنشاء نقاط معالجة الجفاف ومراكز طوارئ، بما في ذلك وحدات عزل صحي معدة بأسرة وكراسي فيها فتحة في وسطها، وقال إنه يتوقع أن (يكون أعلى عدد وفيات بين كبار السن)؛ بسبب الحرارة العالية وهشاشتهم والجفاف بسبب الإسهال، (فمعظمهم ينتظرون الموت)".

 

وتضيف كزينز: "في عصر يوم حار، يقوم اللاجئون بجمع أكياس الرمل والبلاستيك والخيزران، وأي شيء يجدونه، ويمكنه استخدامه لحماية خيامهم وعائلاتهم من أن تجرف، ويحملون هذه المواد إلى أعلى هذه المنحدرات الشديدة، محاولين تجنب الطين والحفر المملوءة بالماء، التي تسببت فيها الأمطار القوية مؤخرا، ومع أن العمل جار لتمهيد أراض يمكن لإسكان أكثر الناس عرضة لفيضانات موسم الأمطار فيها، إلا أن هناك أكثر  من 200 ألف لاجئ يعيشون على أراض معرضة للفيضانات والانجرافات".

ويشير التقرير إلى أن هناك منظمات، مثل المنظمة الدولية للهجرة، تقوم بتدريب اللاجئين على عمليات البحث والإنقاذ، بالإضافة إلى الإسعافات الأولية، كما تقوم تلك المنظمات بحفر قنوات لمحاولة الحد من الفيضانات، مستدركا بأنه لا يمكن القيام إلا بإجراءات محدودة، بالإضافة إلى أن الخيام لن تستطيع تحمل الكثير من الأمطار القوية. 

 

وتنقل المجلة عن المتحدثة باسم مفوضية شؤون اللاجئين كارولاين غلاك، قولها: "مع قدوم الرياح الموسمية نتوقع حدوث كوارث متعددة، فهي ليست مجرد طقس ليوم واحد أو لأسبوع واحد، إن الموسم يمتد لأربعة أو خمسة أو ستة أشهر".

 

وتستدرك الكاتبة بأنه مع أن لدى بنغلاديش نظام إنذار مبكر بوقوع الأعاصير، إلا أنه ليست هناك خطط لإخلاء اللاجئين، ونقلهم إلى أراض أكثر ارتفاعا أمر مستحيل، حيث يوجد الكثير من الناس والقليل من الأرض.

 

وبحسب التقرير، فإن تشييد بنايات قوية أو دائمة سيشير إلى بقاء دائم للاجئين، وهذه رسالة لا تريد الحكومة أن ترسلها في سنة انتخابات للناخبين، خاصة في وقت بدأت فيه المشاعر العامة تجاه الروهينغا تزيد قسوة، فبناء بيوت إسمنتية للاجئين سيكون من وجهة نظر الحكومة البنغلاديشية عبئا سياسيا، حيث أصبح ينظر إلى الروهينغا على أنهم يشكلون تهديدا بدلا من النظر إليهم من منظور الأخوة الإسلامية وحاجتهم للتعاطف. 

 

وتورد المجلة نقلا عن رئيسة الوزراء الشيخة حسينة، قولها للإعلام المحلي، إنه كلما طال المقام بالروهينغا زاد احتمال تأثر الوضع الأمني؛ لأنه "عندما يبقى الناس في حالة إحباط ولا يكون لديهم عمل فإنه من السهل التورط في التطرف".  

 

وتنقل كزينز عن مديرة فرع جنوب آسيا لـ"هيومان رايتس ووتش" ميناكشي غانغولي، قولها: "أظن أن بنغلاديش ترغب في سرعة عودة اللاجئين الروهينغا، إن بنغلاديش بدأت الآن فقط بالإدراك بأن هؤلاء الناس لن يعودوا قريبا"، حيث اتفقت بنغلاديش وميانمار هذا العام على عودة طوعية للاجئين خلال عامين، ولم يعد طوعيا أي لاجئ إلى بلده، (وعاد قبل أسابيع عدد من الروهينغا إلى ميانمار، لكن كانت هناك بعض التقارير تفيد بأن الأمر كان تمثيلية). 

 

ويورد التقرير نقلا عن المفوض السامي للأمم المتحدة للاجئين، قوله مؤخرا إن الظروف في ميانمار ليست "مواتية بعد لعودة اللاجئين الطوعية الآمنة والكريمة والقابلة للحياة"، وبأن المسؤولية تقع على الحكومة لإصلاح ذلك. 

وتبين المجلة أنه في الوقت الذي أعلنت فيه الزعيمة أونغ سان سو تشي مؤخرا بأنها ستسمح لمنظمات حقوق الإنسان والتنمية التابعة للأمم المتحدة أن تدخل ماينمار لتهيئة الأرضية لعودة جماعية للروهينغا، إلا أن غانغولي شددت على أن عودة اللاجئين يجب أن تتضمن أكثر من مجرد إنشاء بنية تحتية، فاللاجئون يقولون إنهم يريدون ضمانات حول وضعهم القانوني وحقوقهم المدنية وحمايتهم، وكذلك جلب قتلة عائلاتهم للعدالة. 

 

وقالت غانغولي إن منظمتها ترغب في "أن يحاسب جميع من ارتكب تلك الجرائم البشعة"، وتضيف أن "ذلك لن يحصل قبل هطول الأمطار الموسمية"، ولذلك فهي ترى أن على بنغلاديش السماح للروهينغا بمغادرة المخيمات، والسعي لإيجاد سكن أكثر أمانا والبحث عن عمل، ففي الوقت الذي لا يواجهون فيه خطر القمع في بنغلاديش، فإن اللاجئين لا يتمتعون بحرية الحركة، أو حق البحث عن عمل، وكأنهم مسجونون في معسكر احتجاز، ومع غياب الأسلاك الشائكة، والحواجز حول المخيم وعلى الطريق المؤدي إلى كوكس بازار، على بعد 20 ميلا من المخيم، فإنه يضمن عدم مغادرة اللاجئين لحدود المخيم.

 

وتقول غانغولي: "على بنغلاديش أن توافق على السماح للاجئين بالخروج من هذه المناطق، وتسمح لهم بالانتشار، بحيث يكونون حياة لأنفسهم".

 

وتستدرك الكاتبة بأن بنغلاديش تصر على أن لديها حلا خاصا بها، حيث تخطط الحكومة لنقل حوالي 100 ألف لاجئ إلى بهاسان تشار، وهي جزيرة منخفضة وغير مسكونة في خليج البنغال، وهي عبارة عن جزيرة منعزلة عن الأراضي الرئيسية، ولم يكن ظهورها بعيدا، ما يجعل هؤلاء اللاجئين تحت رحمة الطقس، حيث قال إمام، وهو أحد مستشاري الشيخة حسينة للإعلام، بأن الجزيرة لن تكون "معسكر احتجاز، لكن ستكون هناك بعض القيود". 

 

وينقل التقرير عن العاملة في الصحة النفسية مع المنظمة الدولية للهجرة أولغا ريبوليدو، قولها: "هرب الروهينغا من ديارهم ليشعروا بالأمن، لكن هناك تهديدا آخر لحياتهم الآن"، في إشارة إلى الرياح الموسمية.

 

وتقول المجلة إن "آثار الرياح الموسمية قد تكون أسوأ إن لم تؤمن المنظمات الإنسانية التمويل اللازم قريبا، وفي آذار/ مارس أطلقت تلك المنظمات خطة استجابة مشتركة، وسعت للحصول على ميزانية قدرها 950 مليون دولار لعام 2018، لكن لم تدعم الخطة إلى الآن سوى بـ 16% من الميزانية". 

 

وتختم "فورين بوليسي" تقريرها بالإشارة إلى قول المتحدثة باسم المنظمة الدولية للهجرة فيونا ماكريغور، بأن النتائج واضحة جدا، وأضاقت: "إن لم نحصل على التمويل، سيموت الناس".