قضايا وآراء

جلد الذات.. ولمس الأكتاف

1300x600

بمناسبة مرور خمس سنوات على انقلاب السيسي، شاعت حالة من حالات جلد الذات، بين صفوف مناهضي الانقلاب ومعارضي السيسي؛ أظنها هي الهدية الأثمن التي تلقاها في أكثر لحظات انقلابه خيبة وفشل.

شحنة ثقيلة من القاذفات والاتهامات؛ استهدفت تجريح الذات والإجهاز عليها، وربما اغتيال ما تبقى من مصادر القوة فيها، والتي لم ينل منها السيسي، وأجهزته وإعلامه.

لم يكن الأمر رد فعل طبيعي للفشل لخمس سنوات في إزاحة الانقلاب، ولا حوارا موضوعيا، حول أسباب وأبعاد هذا الفشل، بل كان مسبة وشتيم، واشتباكا اتسم بالعصبية والاستقطاب، والنرجسية، والاحتراب، والشيفونية، والتطرف، والمراهقة في الخطاب.

حفنة من قليلي الخبرة في العمل العام اعتلوا بهذه المناسبة منصات الكتابة، على السوشيال ميديا، والجروبات، والشاشات، وراحوا يمسكون بمقرعة المطوعين، ليضربوا بها كل من هو الآن في صفهم، بدلا من توجيهها لخصومهم.

خطر في بالي خاطرة، هي أن أدع تلك الحالة تمر، ولا أشغل الناس بها، جريا على سُنة تعلمتها من فؤاد سراج الدين، واتبعتها منذ سنين، وهي عدم الرد إلا على ما ينبغي الرد عليه.

وقد عدلت عن هذه الخاطرة لما أدركته من أن الأمر لم يصبني شخصيا، بل بات تعبيرا مجسما لعمق الأزمة وجسامة الشرخ الذي تجاوز أزمتي "الشتاء والصيف" التي تضرب الحياة السياسية، مرتين كل عام ومنذ خمسة أعوام وللآن.

أحسب أن المشكلة الأكبر في هجوم ختام الخمس سنوات؛ ليست هي حداثة سن بعض المهاجمين، ولا قلة حيلتهم، بل هي قلة خبرتهم بآداب الجدال بالتي هي أحسن، بل بأدبيات الخلاف بين الأشقاء، رفاق الخندق الواحد، فمن قلة العقل -وليس قلة النظر- أن يرى الرفيق رفيقه، خصما لا معينا، ولا يستنكف عن مذمته، بما يصف به خصمه، الذي ينصره بهذه الطريقة، ولو لم يدر.

حزمة من الأسئلة الساذجة والمكررة والمغرضة، راجت واشتعلت كالنار في الهشيم، تضر ولا تنفع؛ إلا من يضر الوطن والجميع.. خذ منها أمثلة:

س: ماذا فعلتم لإسقاط الانقلاب؟

ج: قل.. ماذا لم نفعل كي نفعله نحن، أو كي تفعله أنت؟!

س: من أتى بالسيسي وزيرا للدفاع؟

ج: قل.. ومن أتى به رئيسا للجمهورية؟!

س: من الذي أجرم في حق الثورة.. ولعب مع العسكر؟

ج: قل.. ومن الذي لم يُجرمُ في حق الثورة.. ولم يلعب مع العسكر؟!

س: ماذا قدمتم لمعسكر الثورة غير الإعلام؟

ج: وماذا -للأسف- لدى معسكر الثورة، غير هذا الإعلام؟!

س: لماذا لا تفسحون الطريق ليقود الشباب، وتلزموا بيوتكم؟

ج: أين الشباب، وماذا يمنعهم من القيادة، وإذا لزمنا بيوتنا ستخوننا، وتتهموننا بالهروب، وإخلاء الساحة، في اللحظات الحرجة؟!

هذه الأسئلة وغيرها، هي أسئلة المهزومين داخليا ونفسيا، الساعين لوجاهة المطوعين، وقلة جهد الناصحين.. والسياسة لا تعرف المهزومين، ولا تفتح أبوابها لليائسين، بل تفتح أبوابها للأقوياء الفاعلين؛ الذين إذا سقطوا على الأرض حاولوا الوقوف من جديد، وإذا تلقوا الضربة في ظهورهم، دفعتهم للأمام ولم تسقطهم أرضا، وإذا هُزموا خمس مرات، حولوا الهزيمة في المرة السادسة انتصارا.

السياسي قد يُظلم، لكنه لا يستسلم للظلم.. قد يُهزم من حوله، لكن هو لا يستسلم للهزيمة، ولا يُسلم غيره لهزيمة مصدرها ضعفه هو، ورغبته هو في أن يعلق فشله هو على شماعة الآخرين.

من يستحق أن يلزم بيته، هو من ينهار أمام أول صدمة.. هو من تفقده أول لكمة توازنه، فبدلا من أن يستريح بالتعلق على الحبال، يتعلق بحبال الآخرين كي يأخذهم معه وهو يسقط.

في السياسة والملاكمة، الهزيمة المحققة، أن تلمس أكتافك أنت أرض الحلبة، بغض النظر عن وضع خصمك الذي قد يكون منكفئا على وجهه، أو نائما إلى جوارك على جنبه -مغشيا عليه- أو واقفا على قدميه.. أنت المهزوم في كل الأحوال لأنك أنت الذي أسلمت كتفيك للأرض، فأهديت النصر لخصمك، رغما عنه، وهو غير مستحق له.

هذا هو حال بعض خصوم السيسي، ممن يركنون ظهورهم وأكتافهم بسرعة الصاروخ لأرض الحلبة، ويستصرخون الحكم كي يطلق الصفارة، رغم أن خصمهم يلفظ أنفاسه الأخيرة.

عبثا وهزلا في وقت الجد، أن تسلم كتفيك للأرض وتتوهم أنها استراحة محارب!! وحمقا وجهلا أن إخلاء الحلبة لك، سينصرك، أو يخفف من وخذ الضمير لديك.

الأسئلة الملغزة والواجبة هي تلك التي تجعل سنتيمترا واحدا دائما يفصل بين أكتافنا وأرض الحلبة، مهما كانت قوة الضربات، وشدة الرياح والأنواء.

الزحفاطونيون، والمنافقون، وقصار القامة، وقليلو الخبرة.. هم دائما هدفا سهلا لسيل اللكمات، وأقرب للسقوط، وللانسحاق أرضا، ولطم الخدود، وشق الجيوب، وادعاء الحكمة، وتحميل الآخرين مسؤولية النكسة.

علمتني تجارب 35 عاما من العمل السياسي أن أعمل دون أن أسأل ماذا يفعل غيري، أن أجتهد في عملي مهما استعجل خصومي أو رفاقي صفارة الحكم.

كنت دائما -بفضل الله- أنهض، وأستكمل أشواط المباراة ثابتا على المبدأ.. واثقا من نصر الله.. ولو بعد حين!!

أعترف أن أصعب المحن التي كادت أن تكسر قدرتي على مقاومة لمس الأكتاف؛ هي غدر وتخوين من يلبسون اللون ذاته للشورت والفانلة، وأعترف أيضا بقدر ما كان هذا الغدر مُرا وصعبا، بقدر ما قدرني الله على كسر حدته، وإفشال غايته، فكلما شعرت بضعفي، أحسست بقوة الله وصدق وعده.