قضايا وآراء

سد تنزانيا الجديد هو حرب اليمن الثانية بالنسبة لمصر

1300x600
1- دعم السيسي موقف الحكومة التنزانية لبناء سد "Stiegler’s Gorge" على نهر "Rufiji River"، الذي لا علاقة له بتاتا ببحيرة فيكتوريا ونهر النيل الأبيض، بمعنى أي كلام من داعمي السيسي بشأن أن هذا المشروع سوف يساهم في زيادة حصة مصر من النيل الأبيض؛ هو كلام يعبر عن جهل صاحبه.

2- السد يتكون من سد ركامي صخري بارتفاع 134 مترا وطول 1000 متر، ويحتاج قرابة 126 مليون متر مكعب من الصخور الجرانتية، بالإضافة إلى طبقة خرسانة مسلحة بسمك قرابة 300 مم على كامل طول السد، وبكامل الارتفاع في اتجاه بحيرة التخزين. وهو سد يشبه تماما تكوين السد العالي، ولكن بدلا من وجود "نواة من البنتونيت" في قلب السد العالي، تم استبدالها بطبقة خرسانية في اتجاه البحيرة، التي يجب أن تصب باستخدام الإسمنت المضاد للأحماض، وهو نسبيا مرتفع التكلفة مقارنة بسعر الإسمنت العادي. وينتظر أن يولد السد قرابة 2100 ميجاوات، أي ما يعادل طاقة توليد السد العالي.

3- السد التنزاني الجديد ليس سدا واحدا فقط، بل تدعمه أربعة سدود ثانوية مساعدة، تتكون من مقاطع مشابهة للسد الأساسي. ويصل إجمالي طول تلك السدود المساعدة لقرابة 14000 متر، أي أطول من سد السرج الإثيوبي بقرابة 300 في المئة، وبارتفاع يزيد عن ارتفاع سد السرج الإثيوبي بقرابة تتراوح بين 10 و30 مترا، ويتوقف ذلك على موقع السد المساعد.

4- ينتظر أن يخزن السد الجديد قرابة 34 مليار متر مكعب من المياه في بحيرتين متصلتين، وهذا بحد ذاته سوف يتطلب إغراق 2.6 مليون شجرة من أشجار الغابات الاستوائية قبل الإنشاء. ويصل إجمالي مساحة البحيرتين إلى قرابة 1350 كيلو متر مربع، أي قرابة مساحة لوس أنجلوس بالكامل.

5- فكرة بناء هذا السد موجودة منذ عام 1961، ولكن نظرا للمشاكل البيئية المحيطة به لم يتم تنفيذه، إلا أنه بداية من عام 2012، وبعدما تجرأت إثيوبيا على بناء سد النهضة، تشجعت تنزانيا وأحيت مشروع هذا السد عن طريق عقد عدة اتفاقيات مع الحكومة البرازيلية لبناء هذا السد، خاصة أن البرازيل لديها أهم شركة لبناء السدود في أمريكا الجنوبية، التي قامت ببناء أكثر من 70 سدا على مدار الـ20 عاما الماضية، إلا أن الشركة أوقفت التعاون مع تنزانيا بسبب عدم وجود سيولة مادية لدى الحكومة التنزانية لبناء السد.

6- مؤخرا، تم عمل مناقصة دولية لبناء السد، وذلك بمبدأ "turnkey project" أي تسليم مفتاح، وفازت بها الهيئة الهندسية للجيش المصري كمقاول رئيسي، بينما المقاولون من الباطن هم شركة المقاولون العرب وشركة السويدي للكابلات، علما بأن شركة المقاولون العرب هي التي دخلت للمناقصة الدولية بديلا عن المقاول الرئيسي.

7- بمناقصة أو دون مناقصة، فالحكومة التنزانية كانت ستعطي المقاولة للجانب المصري، وذلك لتعهد السيسي بتمويل هذا المشروع من الخزانة المصرية، أو تحديدا من ما يعرف بالصندوق السيادي"، وأوهم الشعب المصري بأن تنزانيا سوف تفتح سوقها للشركات المصرية في مجال استكشاف البترول والمعادن، مع العلم بأن كل استكشافات البترول والمعادن على أرض مصر تقوم بها شركات عالمية، وليس بينها أي شركة مصرية!

8- شركات صينية وهندية وأوروبية خسرت المناقصة ذات الــ3.6 مليار دولار؛ لأن المقاولين العرب وضعت أرخص سعر ممكن، ولا يمكن لأي من الشركات العالمية الهبوط إليه، بينما الهيئة الهندسية للجيش المصري صاحبة شعار "حفر ع الناشف" وافقت بهذا السعر المنخفض جدا.

9- والسؤال هنا:

هل يمكن لشركة "المقاولون العرب" بناء هذا السد بطول 14000 متر و1000 متر بتلك الأسعار المنخفضة جدا؟

* عندما تخسر شركة صينية عرضا مثل هذا، مع انتشار شركات بناء السدود الصينية بجميع الدول الأفريقية، فمعنى ذلك أنه "لو كان فيه خير ما كان رماه الطير" الصيني.

* هل لدى "المقاولون العرب" خبرة بناء السدود؟ وكم سدا ركاميا بارتفاع 134 مترا بنته أي شركة مصرية على مدار الخمسين عاما الماضي؟

* التكوين الجيولوجي لمنطقة السد هو تكوين طيني، لكونها منطقة مستنقعات، وهذا يتطلب أعمال تحسين لخواص التربة قبل بناء السد الركامي الثقيل، كما يتطلب الأمر عمل "cut off curtain" بطول 15000 متر تحت كل السدود المساعدة والسد الرئيسي، وبعمق يزيد عن 150 مترا. وفي حال استخدام مواد خرسانية مخلوطة بإضافات كيميائية، فهذا أمر مكلف جدا لطول 15000 متر. فعلى سبيل المثال، يصل ارتفاع السد العالي إلى 111 مترا، بينما عمق الستارة (cut off curtain) يصل لقرابة 225 مترا تحت الأرض.

* الشركة الاستشارية المراقبة على تنفيذ مشروع السد التنزاني هي شركة الكهرباء الإثيوبية، وهذا يعني أنه يوجد "حب قديم" بين المقاول المصري والاستشاري الإثيوبي، وهذا سيظهر بوضوح في أثناء العمل بالموقع.

10- ما يقوم به السيسي اليوم من بناء سد في تنزانيا على حساب المصريين؛ تقريبا قام به حسني مبارك من قبل، عندما بنى سدا لأوغندا بهدف موافقة أوغندا على زيادة مدخلات بحيرة فيكتوريا لزيادة ميزانية النيل الأبيض، ولتستفيد مصر من تلك الزيادة. إلا أنه بعدما استكمل بناء السد الأوغندي المصري، رفضت تنزانيا أن تصب مياهه داخل بحيرة فيكتوريا؛ لأن هذا سيغرق عددا من القري التنزانية على شاطئ البحيرة. وهكذا استفادت أوغندا دون أي فائدة رجعت للدولة المصرية.

11- في اعتقادي الخاص، أن قرار السيسي بإرسال شركة المقاولون العرب (غير المتخصصة) لبناء سد ضخم بارتفاع 134 مترا وطول 15000 متر في بيئة غابات وأرض ناعمة؛ هو يشبه تماما قرار أبو النكسة بإرسال الجيش المصري لليمن.

12- قد يكتمل السد، ولكن ليس خلال 36 شهرا، كما تطلب الحكومة التنزانية، بل قد يمتد لأكثر من 100 شهر، وبسعر يزيد عن السعر المفترض بقرابة 100- 150 في المئة، تضاف إليه فاتورة غرامة التأخير التي سوف تضعها تنزانيا على شركة المقاولون العرب، تماما كما هو الوضع اليوم بين شركة ساليني والحكومة الإثيوبية، حيث تطالب ساليني الحكومة الإثيوبية بسداد قرابة 400 مليون دولار، نتيجة تأخير بناء سد النهضة قرابة ستة أشهر بعد مقتل المدير التنفيذي، وذلك لأن التأخير كان بسبب الجانب الإثيوبي، بينما عندما يكون التأخير نتيجة المقاول، فعندئذ كم "400 مليون دولار" ستضطر شركة المقاولون العرب لأن تدفعها للحكومة التنزانية مقابل التأخير؟ حيث سيضاف على غرامة التأخير سعر الكهرباء التي كانت تنزانيا يمكن أن تولدها من هذا السد لو تم استكماله في 36 شهرا، وليس 100 شهر.

13- المطلوب هو تفجير وتكسير ونقل وترتيب صخور تقدر بــ126 مليون متر مكعب خلال فترة 36 شهرا، أي قرابة 3.5 مليون متر مكعب شهريا، أي قرابة 116.67 ألف متر مكعب يوميا، أي قرابة 9723 مترا مكعبا كل ساعة، باعتبار أن فترة العمل تعادل 12 ساعة يوميا. أي قرابة 24000 طن من الصخور كل ساعة مطلوب تفجيرها وتكسيرها وتصنيفها ونقلها للموقع ثم ترتيبها. لو افتراضنا أن كل عربة نقل يمكن أن تحمل قرابة 10 أطنان من الصخور فقط في تلك الظروف البيئية الصعبة، فمعنى ذلك أنك تحتاج كل ساعة لأن تدير 240 عربة نقل تصل للموقع، أي أربع عربات نقل كل دقيقة تصل من المحجر للموقع. هل لدى المقاولون العرب كل هذه الإمكانيات وبهذا السعر الرخيص جدا؟

13- السيسي يغرق مصر في قضايا دولية سوف تحتاج لمليارات كثيرة للتسوية في المستقبل القريب.