أفكَار

"حماس" تعاملت مع الاحتلال بقدرية ومع غزة كجزيرة معزولة

قال إن "حماس" تتحمل مسؤولية الانقسام وتبالغ في قدراتها العسكرية

لم يأخذ موضوع تحالفات الإسلاميين السياسية حظّه من البحث والدراسة، وذلك لأسباب عديدة منها طول أمد العزلة السياسية التي عاشها الإسلاميون بسبب تحالفات النظم الحاكمة مع بعض القوى السياسية، واستثناء الإسلاميين من هذه التحالفات، بناء على قواسم أيديولوجية مشتركة بين الأنظمة ونلك التيارات.

لكن، مع ربيع الشعوب العربية، ومع تصدر الحركات الإسلامية للعمليات الانتخابية في أكثر من قطر عربي، نسج الإسلاميون تحالفات مختلفة مع عدد من القوى السياسية داخل مربع الحكم، وترتب عن هذه التحالفات صياغة واقع سياسي موضوعي مختلف، ما جعل هذا الموضوع  يستدعي تأطيرا نظريا على قاعدة رصد تحليلي لواقع هذه التحالفات: دواعيها وأسسها وصيغها وتوافقاتها وتوتراتها وصيغ تدبير الخلاف داخلها، وأدوارها ووظائفها، وتجاربها وحصيلتها بما في ذلك نجاحاتها وإخفاقاتها.

يشارك في هذا الملف الأول من نوعه في وسائل الإعلام العربية نخبة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين العرب، بتقارير وآراء تقييمية لنهج الحركات الإسلامية على المستوى السياسي، ولأدائها في الحكم كما في المعارضة.

اليوم يقدّم الكاتب والباحث الفلسطيني ماجد الكيالي، قراءة نقدية لتجربة الإسلام السياسي الفلسطيني ممثلا في حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

"حماس" تعاملت مع الاحتلال بقدرية ومع غزة كجزيرة معزولة

تأسّست حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين "حماس" في مطلع الانتفاضة الأولى (1987- 1993)، ولكنها لم تنشأ من فراغ، إذ إنها تعتبر امتدادا لجماعة "الإخوان المسلمين"، وهي بمثابة فرعها في فلسطين، بمعنى أنها تحمل في داخلها تجربة تلك الجماعة الإسلامية ومعتقداتها الفكرية والسياسية، فضلا عن أنها استمدت بنيتها التنظيمية، أي الكادر والأعضاء، والنفوذ المعنوي والسياسي، من تلك الجماعة. 

التحقت بالكفاح المسلح متأخرا

هذا يعني، أيضاً، أن تلك الحركة لم تنخرط في الكفاح المسلح الفلسطيني، الذي انطلق في منتصف الستينيات، وإنما بعد ذلك بمقدار 22 عاما، بحكم أنها كانت تركز على العمل الدعوي-الديني، باعتباره بمثابة "الجهاد الأكبر"، كما يعني ذلك أنها لم تنضو في الإطار الجامع للحركة الوطنية الفلسطينية، أي في منظمة التحرير، الأمر الذي يفسّر كل تلك التعقيدات والتداعيات السلبية الناجمة عن ذلك، والتي عكست نفسها، فيما بعد، في الخلافات الداخلية، وفي التنافس والتنازع بينها وبين حركة "فتح"، بدلا من التركيز على القواسم المشتركة، وهو ما أوصل لاحقا إلى الانقسام الحاصل في النظام الفلسطيني، بين سلطة حماس في غزة، وسلطة فتح في الضفة.

في هذا الإطار، وفي مراجعة تجربة "حماس"، في السياسة والمقاومة والسلطة، يمكننا ملاحظة أن مشكلة هذه الحركة أنها لم تحسم بين كونها حركة سياسية أو حركة دينية، ولم تحسم وضعها بين كونها حركة وطنية، أو حركة للإسلام السياسي، أو بين كونها حركة تحرّر أو سلطة، وأي جانب من الجوانب الثلاثة المذكورة يغلب على الآخر، لأن لكل طابع متطلباته، ووظائفه، واستهدافاته.

وربما يفيد هنا التنويه بأنه لم يصدف أن واجهت حركة سياسية كل هذا الحجم من المشكلات والتعقيدات، ثم  الإحباطات والتخبّطات، على النحو الذي واجهته حركة "حماس"، لا سيما منذ صعودها في المشهد الفلسطيني، بفوزها على حركة "فتح" في انتخابات المجلس التشريعي (مطلع العام 2006)، وتاليا بعد تحولها إلى سلطة، بسيطرتها بوسائل القوة على قطاع غزة (حزيران/يونيو 2007)، وهيمنتها على حوالي مليونين من الفلسطينيين فيه، في منطقة تساوي 1.3 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، وتفتقد للموارد، وتعاني الحصار منذ أكثر من عشرة أعوام، مع نسبة بطالة كبيرة في أوساط الشباب.

هذه التعقيدات أدت إلى وضع حركة "حماس" في مواجهة تحديات أو مخاطر جديدة، يمكن إجمالها في الآتي:

أولاً ـ كيفية ممارستها للسلطة في غزة، بخاصة في شأن محاولتها تقديم نموذج أفضل للسلطة في غزة، عن النموذج القائم في الضفة، حيث غريمتها حركة "فتح"، كما هو مفترض. والمشكلة هنا أن "حماس" لم تكتف فقط بكونها سلطة، تحتكر السلاح والموارد والقرار في قطاع غزة، وإنما حاولت عبر طرق وإجراءات قسرية فرض سلوكياتها ورؤاها في العيش على الفلسطينيين في غزة، ما أثر على مكانتها أو على شعبيتها سلبا، خارج دائرة منتسبيها، وما أدى على تغليب النظرة إليها كتيار إسلامي على كونها حركة وطنية. 

ثانياً ـ ضعف قدرتها تنمية الإعتماد على ذاتها بدلاً من الوقوع في إسار الارتهان للمساعدات الخارجية، مع عشرات ألوف الموظفين، بحيث إنها في هذا الوضع الصعب باتت بحاجة لموارد لأربعين ألف موظف، بعد تجفيف مصادر تمويلها الخاصة، وبحيث بات ذلك من الشروط التي تتوقف عليها عملية المصالحة، ومن وسائل الضغط الخارجي عليها، كما شهدنا، علما أنها تعرف بأن موارد السلطة الفلسطينية تأتي من الدول المانحة، الراعية لعملية التسوية ولاتفاق أوسلو، مع ما يعنيه ذلك من تناقض يلف مواقف تلك الحركة. 

عن المقاومة والسياسة

ثالثاً ـ محدودية قدرتها على الإستمرار بالمقاومة، إن بالعمليات العسكرية أو بالهجمات الصاروخية، وهو مبرر وجودها وأخذها السلطة، بل واضطرارها، عوض ذلك، للجوء للتسوية، أو التهدئة، وإن مضطرة، بحكم تعرضها للضغط من تحت، أي من الواقع الصعب الذي يعيشه مليونا فلسطيني يكابدون الحصار، ومن فوق، أي من القوى الدولية والإقليمية التي تحاول استدراجها لعملية التسوية، بطريقة أو بأخرى، إن بالترغيب أو بالترهيب. 

رابعاً ـ إخفاقها في امتحان الديمقراطية، وإدارة المجتمع، إذ إنها لم تنجح في إشاعة الثقة بشأن امكان تحول الحركات الإسلامية إلى الديمقراطية، التي تتضمن احترام الرأي الأخر، وإغناء التنوع والتعددية في المجتمع، والقبول بالمشاركة وبمبدأ تداول السلطة، في ظل سلطة أحادية لا يشاركها فيها أحد.

 

 

إن حركة "حماس"، مثلها مثل كل الحركات السياسية في عالمنا العربي، إسلامية أو علمانية، يسارية أو يمينية، وطنية أو قومية أو أممية، لم تعتد على المراجعة والنقد

خامساً ـ اضطرابها في التعامل مع قطاع غزة، فهل تريده قاعدة للتحرير؟ أم قاعدة للمقاومة"؟ أم تريده كمنطقة محررة ينبغي بناء نموذج لإدارة فلسطينية راشدة فيها، وكنموذج للدولة الفلسطينية المقبلة.

 سادساً ـ تحملها مسؤولية الإنقسام في النظام السياسي الفلسطيني، إذ كانت تلك الحركة في غنى عن التورط بالسلطة، والبقاء كحركة تحرر وطني، وكحركة مقاومة، أو الحفاظ على نفسها ككتلة وازنة في المجلس التشريعي، وكقوة ضغط على القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة و"فتح"، أو عدم أخذ السلطة بالقوة، حتى لو كانت تملك ذلك، تجنبا للمخاطر الحاصلة، على غرار ما جرى في النموذج التونسي مثلا، لأن العالم الذي دعم اتفاق أوسلو (1993) لن يسمح لها بأخذ السلطة، ولا بفرض اجندتها. 

بالغت بقدراتها الذاتية

سابعاً ـ تعاملها بطريقة قدرية وإرادوية في الصراع مع إسرائيل، مع مبالغتها بقدراتها الذاتية، وكأن قطاع غزة بمثابة جزيرة معزولة عن العالم، أي عن المعطيات الدولية والإقليمية والعربية، التي لا تسمح بهزيمة إسرائيل، ولو على أي مستوى، بفرض أن الفلسطينيين يستطيعون ذلك، علما أن موازين القوى والمعطيات الدولية لم تسمح حتى باستثمار التضحيات والبطولات التي بذلت، في الانتفاضتين، وفي الحروب الثلاثة على غزة (2008 ـ 2012 ـ 2014).  

ثامناً ـ في العلاقات الخارجية، ثمة اضطراب، أو نوع من التخبط، في الموقف من إيران، بين اعتبار "حماس"، أو جناح فيها، لهذه الدولة كجزء من معسكر المقاومة والممانعة، الذي يضم النظام السوري، وكدولة إسلامية، وبين اعتبارها دولة إقليمية تحاول أن تهيمن على المشرق العربي، مع تحميلها مسؤولية التصدع الدولتي والمجتمعي في هذه المنطقة، لتسببها بإثارة النعرة الطائفية ـ المذهبية، وانشائها ميليشيات مذهبية مسلحة تشتغل كأذرع إقليمية لها، ولتوظيفها الصراع ضد إسرائيل لخدمة أجندتها، ناهيك عن دورها في خراب العراق ومقاتلتها السوريين دفاعا عن نظام الأسد.

الحاصل، فإنه ورغم كل هذه التجربة الصعبة والمعقدة والخطيرة، فإن حركة "حماس"، مثلها مثل كل الحركات السياسية في عالمنا العربي، إسلامية أو علمانية، يسارية أو يمينية، وطنية أو قومية أو أممية، لم تعتد على المراجعة والنقد، مع فارق أخر بالنسبة لحركات الإسلام السياسي، يكمن في إنها تحاول أن تضفي نوعاً من القدسية على سياساتها ومواقفها، بحيث تخرج نفسها من إطار المساءلة والنقد والمحاسبة، علما إنها ممكن ان تخطئ وأن تصيب، ويمكن أن تخفق أو تنجح، في هذا الأمر أو ذاك.

*كاتب وباحث فلسطيني

 

 

إقرأ أيضا: إسلاميو فلسطين نجحوا بالمقاومة وفشلوا بالتحالف السياسي 1من2

 

إقرأ أيضا: الإسلام السياسي الفلسطيني.. الاحتلال إذ يفرض الأولويات 2/2