كتاب عربي 21

ثورة يناير.. النقد الذاتي (51)

1300x600

من المهم أن نؤكد أن ثورة يناير من أهم الأحداث المفصلية التي مرت على مصر في تاريخها المعاصر، ذلك أن هذه الثورة على الرغم مما آلت إليه إنما تشكل تحولا مفصليا في عملية مواجهة الاستبداد، وفي التأكيد على مبادئ هذه الثورة الأساسية من العيش والكرامة الإنسانية والحرية الأساسية والعدالة الاجتماعية، ذلك أن هذه الشعارات التي تمثل أهدافا ستظل في ذاكرة أهل الثورة والثوار؛ ليست مجرد شعارات ارتبطت بهذا الحدث الثوري، ولكنها في حقيقة الأمر يمكن أن تتحول إلى استراتيجيات أساسية لا تعبر عن أشواق الشعب المصري فحسب ولكنها تعبر عن أحلام شعوب شتى على مدار الأرض وفي أقطار العالم قاطبة، كذلك من المهم أن نشير ونحن على أعتاب الانطلاقة التاسعة في ثورة يناير أن هذا الشباب الذي حمل أشواق الثورة وشعاراتها يتعامل معها في هذه الآونة بقدر كبير من الاحترام والتقدير ومن أمل متعاظم باستئناف هذه الثورة.

لقد آلت الأمور إلى ما لا يحمد عقباه على كافة المستويات الاقتصادية والمعاشية، الاجتماعية والمجتمعية، السياسية والحقوقية، بل وكذلك على مستوى ما آلت إليه الثقافة والحياة الإعلامية والعامة، إن الشعور العام بما آلت إليه الأمور من تدهور وانكسار إنما تشكل مع معامل الغضب التي تزايدت وتراكمت؛ فتشكل زادا لكل هؤلاء الذين يؤمنون بأن تغييرا كبيرا أمر قادم لا محالة، وأن ثورة قادمة تلوح في الأفق لا بد وأن تحدث لتصحيح الأوضاع ولإيقاف هذا السقوط الكبير للبلاد والعباد. الأمر في ما يبدو، أن هؤلاء الذين حُكموا من عصابة قد تحكمت وتمكنت في حياة الناس، واستطاعت أن تقيم دولة الخوف وتدشن نظاما بوليسيا فاشيا، إلا أن مطارق ثورة يناير لا زالت تطرق مسامعهم وتدق كل مداخل تتعلق بمسالك التغيير والتأثير، فهي عند من أرادوا وأدها لا زالت تطاردهم، وهي عند من قاموا بها وحوصروا فيها لا تزال تمثل أشواق التغيير وآمال الفاعلية والتأثير.

 

من المهم أن نشير ونحن على أعتاب الانطلاقة التاسعة في ثورة يناير أن هذا الشباب الذي حمل أشواق الثورة وشعاراتها يتعامل معها في هذه الآونة بقدر كبير من الاحترام والتقدير ومن أمل متعاظم باستئناف هذه الثورة

لقد كتبت بشكل مبكر حينما أطلّت علينا كل مشاهد الاستقطاب القميئة وتمكنت من كل القوى السياسية.. كتبت مستنكرا: "ماذا فعلتم بثورتنا؟!". إن معظم القوى التي ارتكنت إليها الثورة قد رسبت في هذا الاختبار الذي يتعلق بعملية التغيير، ذلك أن العسكر الذي تصور البعض أنهم ملاذ ثورتهم وتصوروا أنهم من داعميها؛ انقشع كل غطاء يتعلق بكل ذلك، لتنكشف خيانة العسكر للثورة. وما أراده قادتهم من سيطرة وهيمنة على البلاد والعباد تمثلت في نظام الثالث من تموز/ يوليو بعد انقلاب عسكري واضح؛ قطع الطريق على المسار الديمقراطي، وبدا بعد ذلك هؤلاء يشكلون مجتمع الاستبداد العسكري بقيادة السيسي وبمساعدة دول خارجية وإقليمية، وضد إرادة الشعوب، رغم ما يطلقه قائد الانقلاب من أنه في هذا المكان بإرادة شعبية.. يقول ذلك تزيفا وتزويرا.

لقد تأكد كل من كان له سهم في هذه الثورة، مفتخرا ومقتنعا بالمشاركة فيها وحاملا مطالبها وشعاراتها، أن العسكر قد مثلوا خيانة لثورة عظيمة، إلا من هؤلاء الذين شكلوا في كل نظام حملة مباخر وأبواقا إعلامية، فحاولوا صناعة قبول زائف لهذا النظام، وتبرير كل أفعاله في خدمة هذه الدولة الاستبدادية والفاشية العسكرية. بل قامت هذه العصابة باختطاف كافة المؤسسات، حتى المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية والشرطية، ومؤسسات العدالة والقضاء، ومؤسسات تقوم بأدوار التشريع والبرلمان، واستولت على كافة المؤسسات الأخرى فأممتها، وعلى مقدرات البلاد فتعاملت معها كأنها من موروثاتها وأملاكها، فتنازلت عن الأرض وفرطت في الموارد وخانت كل ما يتعلق بثوابت هذا الوطن، فضلا عن اتباعها لاستراتيجيات تتعلق بالترويع والتجويع والإفقار لشعب مصر، وتخريب هذا الوطن على نحو متعمد وفي إطار رهن مصر وأرضها، ضمن سياسة ديون تتراكم وصادرت بها مستقبل البلاد والعباد.

 

مساومات ومقايضات حقيرة تمت على حساب هذه الثورة؛ ما بين نخبة منحطة انفصلت عن آمال شعبها ونخب فاشلة لم تكن على مستوى تلك الحالة الثورية بمعطياتها ومتطلباتها وموجباتها

لم تكن خيانة العسكر والانخداع بها أولى الحلقات التي مثلت محاصرة لهذه الثورة ومحاولات تشويهها، ضمن عملية كبرى أدت في النهاية إلى إقصاء الثورة والثوار، بل واعتقالهم ومطاردتهم، فتسمع كل يوم إما عن تصفيات جسدية خارج إطار القانون أو اعتقالات مستجدة ومطاردات مستمرة. وإذا ما ذكرنا العسكر كأول حلقة كبيرة أبرزت بحق سوء تقديرنا لدور العسكر وعملهم في وأد هذه الثورة، فإن حلقة أخرى شكلت قابليات وممهدات تمثلت في خذلان النخبة لهذه الثورة؛ لشباب حملوها ولأهداف أغفلوها ولمطامح ومطامع حاولوا الاستئثار بها، فشكل ذلك كله بحق بيئة استقطاب خطيرة وبيئة مساومات ومقايضات حقيرة تمت على حساب هذه الثورة؛ ما بين نخبة منحطة انفصلت عن آمال شعبها ونخب فاشلة لم تكن على مستوى تلك الحالة الثورية بمعطياتها ومتطلباتها وموجباتها.

من المؤسف حقا أن يكون خذلان النخبة حلقة ثانية في تبديد فرصة تغير حقيقي وجذري، تؤسس لمسار ديمقراطي سديد ولحكم عادل رشيد، إلا أن ذلك كله قد تاه في حواري استقطاباتهم ومطامعهم، فيسّروا بذلك لخصومهم من هؤلاء المضادين للثورة أن يحاصروها ويحصروها، وأن يشوهوا كل ما يتعلق بمشاهدها ومطالبها وأهدافها ليطمسوها ويئدوها.

 

حلقات ثلاث أسهمت في حصار هذه الثورة، فهل يمكن لهؤلاء، خاصة تلك النخبة البائسة، أن تقوم بأكبر عملية نقد ذاتي لأفعالها؟

وكانت الحلقة الثالثة التي أضعفت تلك الثورة، وتمثلت في تزييف كل أمر يتعلق بتمكين الشباب على طريق التمكين الحقيقي للثورة وأهدافها، حتى هؤلاء الذين ظلوا ليل نهار يتحدثون عن ذلك لم يقوموا بأي أدوار حقيقية ضمن مسار التأمين للثورة والتمكين للشباب، لا قوى مدنية ولا قوى غير مدنية، وجعلوا من الشباب للأسف الشديد مادة استقطابية وتعبوية، وليس باعتبارها قوة دافعة في عملية تغيير جذري ونهوض كلي بمسارات هذا الوطن، لتحقيق أهداف ثورته في العيش والكرامة والحرية والعدالة. وازدادت حيرة الشباب على حيرته وانكسارا على مزيد من انكساراته. كان أمرا خطيرا أوهن قوة الثورة الحقيقية، وبدد فرصة التغيير من خلال شباب واعد وناهض؛ حمل آمال الثورة والتغيير ومثّل طاقة الفاعلية والتأثير.

حلقات ثلاث أسهمت في حصار هذه الثورة، فهل يمكن لهؤلاء، خاصة تلك النخبة البائسة، أن تقوم بأكبر عملية نقد ذاتي لأفعالها؟ أقولها واضحا أن هذه النخبة التي قامت بخذلان الثورة وأسهمت في هذا الفشل، وعليها أن تتنحى وتنتحي جانبا؛ لأن من احترف الفشل لا يمكنه أن يصنع نجاحا ومستقبلا في تغيير نحو الأفضل. إنها حكمة النقد الذاتي التي يخاف منها كل أحد يريد أن يتهرب من مسؤوليته، لكنها الحقيقة التي تفرض نفسها على الجميع إذا ما أردنا تأسيس جديد لثورة يناير؛ مستأنفة بنخبة جديدة على طريق تدشين دولة يناير الجديدة.