قضايا وآراء

الإدارة الاقتصادية للسلطان عبد الحميد الثاني وذكرى وفاته

1300x600
شهد الأحد الماضي احتفال المسلمين في تركيا والعالم بمرور 101 عام على وفاة الحليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني، هذا السلطان الذي يعد من أعظم سلاطين الدولة العثمانية، بل أعظمهم على الإطلاق، وذلك لأنه إذا كان غيره من الخلفاء العظام في الدولة العثمانية ركزوا جهودهم على الفتوحات، فإن السلطان عبد الحميد يرجع إليه الفضل في تأخير سقوط الدولة العثمانية (التي كانت تسمى باسم الرجل المريض) نحو أربعة وثلاثين عاما، هي فترة حكمه، رغم توليه عرش السلطنة العثمانية في ظروف حرجة بعد خلع عمه عبد العزيز عن العرش، ثم انتحاره بشكل غامض، ثم جنون أخيه الأكبر مراد الخامس وسجنه. فقد تولى العرش في 31 آب/ أغسطس 1876م، وهو نفس اليوم الذي خلع فيه السلطان مراد الخامس، ثم خلع هو عن العرش في 27 نيسان/ أبريل 1909م، وتوفي في 10 شباط/ فبراير 1918م.

وحينما نتكلم عن السلطان عبد الحميد، فإننا نتكلم عن صاحب مشروع الوحدة الإسلامية، والحنكة السياسية، والغيرة الإسلامية، والإصلاح التعليمي والاقتصادي. وما يهمنا هنا في هذا المقال إدارته الاقتصادية للدولة العثمانية، سواء من حيث سياستة المالية أو النقدية أو التجارية أو الهيكلية، والتي اتسمت بالرشد الاقتصادي والاعتماد على الذات، رغم وراثته دولة مثقلة بالضعف والديون والإفلاس والامتيازات الأجنبية المدمرة.

لقد انتهج السلطان عبد الحميد سياسة مالية نجحت في تخفيض الديون العمومية من 300 مليون ليرة وقت توليه الحكم، إلى ثلاثين مليون ليرة، أي إلى العُشر، وذلك بعد دفع ما تطلبته حربان كبيرتان وسحق بعض تمردات داخلية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اعتمد بعد ذلك على سياسة مالية إصلاحية من خلال الضرائب وترشيد الإنفاق، وبدأ بنفسه وكوادر قصره. وأهم ما يذكر للسلطان عبد الحميد في سياسته المالية، فرفضه أكبر رشوة لتسديد جميع ديون الدولة العثمانية (من الصهيوني هرتزل) وإنهاء مشاكلها المالية، مقابل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

كما انتهج السلطان عبد الحميد سياسة نقدية قائمة على الليرة الذهبية والفضية، فضلا عن التوجه نحو إنشاء المصارف. كما انتهج سياسة تجارية قوامها التجارة الداخلية لتلبية حاجات الدولة، وكان الاكتفاء الذاتي من الغذاء هو عنوانها، بينما كانت التجارة الخارجية قليلة الأهمية في الحياة الاقتصادية العثمانية، وهو الأمر الذي يعكس القدرة الاستقلالية للدولة العثمانية باعتمادها على ذاتها، بينما ما زالت الدول القُطرية العربية منذ مؤمراة القضاء على الخلافة العثمانية تعتمد على غيرها في تلبية حاجاتها وفي مقدمة ذلك الغذاء.

ومما يذكر للسلطان عبد الحميد؛ سعيه الدؤوب لإلغاء نظام الامتيازات الأجنبية الموروث دون جدوى، حيث حالت الدول الكبرى دون تمكينه من ذلك في ظل ما أسمته بحقوقها وفقا لهذا النظام. ذلك النظام الذي جعل الأجانب يسرحون ويمرحون في الدولة العثمانية على حساب الرعايا من تجارها، وحرمها من تطوير صناعتها، وحرم خزائنها من موارد مالية كانت في أمس الحاجة إليها، مما أوقعها في فخ الاستدانة، فالنهاية.

وانتهج السلطان عبد الحميد سياسة هيكلية غلب فيها قطاع الزراعة إنتاجا وتصديرا واكتفاء ذاتيا، في ظل ما تعرضت له الدولة من قيود الامتيازات الأجنبية، وغل يدها في التصنيع من قبل الدول الأوربية ورغبتها في تحويل الدولة العثمانية إلى مستعمرة مواد أولية.

وكان لقطاع الخدمات دوره في عهد السلطان عبد الحميد، لا سيما ما يتعلق بالمواصلات والاتصالات والتعليم والصحة. وقد استفاد السلطان عبد الحميد من الاستثمار الأجنبي في بناء شبكة متنوعة من السكك الحديدية. كما كان السلطان عبد الحميد نفسه هو المهندس الحقيقي لأعظم مشروع ديني وأممي ووحدوي وخدمي، وهو مشروع سكة حديد الحجاز بتمويل إسلامي خالص من حملة التبرعات التي وجهها السلطان لجميع مسلمي العالم، وبدأ بها بنفسه، ولم يتوقف طموح السلطان عبد الحميد عند ذلك بل كان يسعى لربط خط بغداد بخط الحجاز، ولكن أبت اليد الاستعمارية استكمال مشروعه الحضاري والوحدوي الإسلامي، وقضت سايكس بيكو على ما تبقى من هذين المشروعين.

ويرجع الفضل إلى السلطان عبد الحميد في إدخال السيارة والترام وتعبيد الطرق، والاهتمام بوسائل الاتصالات، وفي مقدمتها البريد والتلغراف والهاتف. كما قام بمد قساطل المياه (مياه الحميدية) التي أنقذت اسطنبول من العطش، وقام كذلك بتجارب بناء الغواصات في إسطنبول من ماله الخاص. وفي التعليم، حقق نهضة تعليمية رشيدة، من خلال الأخذ بعلوم الغرب الحديثة تدريجيا مع عدم المس بالثقافة الإسلامية. وفي الصحة، اهتم بالصحة العامة والبحث العلمي فيها، وبناء المستشفيات، فضلا عن دور العجزة.

ويكفي السلطان عبد الحميد أنه كان سياسيا مفكرا عاملا، فحذر أبناء أمته من البطالة، والعيش في ثوب الوظيفة الحكومية، وضرب مثلا بنفسه للاقتداء، فقد كان منذ صغره نجارا ماهرا، ومستثمرا ناجحا، وحثهم على العمل والإنتاج، باعتبار ذلك قوام الدول وسر نهضتها وقوتها. وفي سبيل، ذلك فتح الباب للمشروعات الصغيرة والكبيرة على السواء، لتمارس نشاطها، وتسهم بدورها في علاج البطالة، وتلبية حاجات البلاد، والتصدير للخارج، في ظل تآمر دولي لم ينقطع، وإرادة حميدية لم تتراجع، وإدارة حميدية علمتها التجارب الصمود، وأن التمسك بالإسلام هو الخلاص للأمة، فعلم أعداؤه قدرته على النهوض بالدولة التي كانت في طريقها للسقوط، وهو يمشى بها في خطوات الارتقاء، ولكنهم نجحوا في خطتهم بما يملكون من أموال قذرة وذمم خربة. وتكللت مؤمراتهم بالقضاء على الكلمة الجامعة للمسلمين في واقع حياتهم وهى الخلافة الإسلامية.

رحم الله السلطان عبد الحميد وتقبله سبحانه في عليين، وأعاد للأمة خلافتها ومجدها.