قضايا وآراء

الكرامـة وقود لثورة قادمة

1300x600
الإنسان الكريم هو النفيس العزيز، غير المبذول ولا الذليل، مرفوع الرأس، وليس لكائن من هذه الصفة الحاصلة في نفسه بالفطرة والكامنة في تركيبيته إلا هو، ذلكم المميز بخلافة ربه في أرضه، المسخّر له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، إنه السيد المتشرف بالتكليف، والمشمول بالعناية والموكل إليه الحرية في الاختبار، والغارق في آلاء الله تقديرا وتكريما.

الكرامة قيمة سابقة على الحرية وعلى العدالة، فما يستحث الأفراد والجماعات هو توقها للكرامة، واسترخاص الحياة من أجلها. وقديما قال الشاعر: "غير أن الفتى يُلاقي المنايا.. كالحاتٍ ولا يُلاقي الهوانا".

كانت الكرامة مطلبا ثابتا ضمن مطالب ثورات الربيع العربي قبل ثماني سنوات، ولا تزال هدفا منشودا، وطريقا للخلاص؛ كونها علامة إنسانيته. ومن تدبير الله للظالمين أن عماهم ليدوسوا عليها؛ فتنتفض الشعوب كما يحدث اليوم في عدد من عواصم الدنيا، ومن بينها عواصم عربية عدة، كالخرطوم والجزائر، وقريبا مصر، و"الحبل على الجرار".

قبل الإعلان العالمي لحقوق الانسان، وقبل العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقبل اتفاقية مناهضة التعذيب، وسائر الاتفاقيات الدولية، جاء الدستور الإسلامي الذي جعل الإنسان أيا ما كان لونه أو جنسه أو دينه أو وطنه؛ مكرما. "ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (الإسراء:70).

لا أحد مهما أوتي من قدرة وإمكانات بقادر على إحصاء نعم الله "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم" (سورة النحل: 18)، وهو التكريم النابع من عدل الله ورحمته وكرمه، فمنحه نعما لا تعد وحرية وإرادة، واختيارا، ولم يكلفه فوق ما يطيق، "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" (البقرة 186)، ووقف مع الصالحين ضد المفسدين، "إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور" (الحج: 38)، ثم حساب الجميع يوم القيامة "ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" (البقرة: 281).

ومن عظيم كرمه وجليل تكريمه لخليفته، صيانته للنفس البشرية وتحريم قتلها "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا" (الإسراء: 23).

وجعل سبّ المسلم فسوقا وقتاله كفرا، وحرم المثلة بالأعادي، بل دعا لاحترام جثث الموتى، وحرم السب والقذف والزنا. وامتدادا لشمولية تكريم الله للإنسان، جاء إلغاؤه لكل سبب من أسباب التفاضل بالخلقة أو القومية أو ما سواهما. ففي الحديث الشريف الصحيح الذي أخرجه الإمام الترمذي، من حديث رجل من أصحاب النبي: "لا فضل لعربي على عجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى"، ليلغي الشارع وجود أية وسيلة تؤدي للإحساس بدونية الإنسان مطلق الإنسان أومهانته.

وحمت الشريعة الغراء الحياة الخاصة للإنسان، فحرمت اقتحام مسكن المواطن مسلما أو غير مسلم، وشرعت الاستئذان في مواعيد مضروبة لا بد أن يحترمها أيا من كان. كما حرمت أيضا إفشاء الأسرار، حتى التي بين الأزواج، وحرمت كذلك الخوض في الأعراض بالباطل أو بالحق إلا في أضيق الحدود وبأسلوب لائق، وحرمت الشريعة الإسلامية إيذاء جسم الإنسان الذي هو بناء الله، وحرمت من قبل ومن بعد التعذيب بكل صوره وأشكاله وألوانه، ما علمنا منها وما لم نعلم، من أي شخص أو جهة أو مؤسسه أو نظام. "وإن دماءكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام، ومن جرد ظهر امرئ مسلم بغير حق أتى الله وهو عليه غضبان"؛ لأن الإنسان إذا شعر في نفسه، ولو لبرهة، بدونية أو مهانة أو تحقير أو إذلال، تنكسر إرادته وتنحط كرامته، فلا يستطيع أن يعيش أو يحدث شيئا من أسباب عيشه، ولا يعمل، ولا ينتج بصورة جيدة تنأى به عن مهابط الحياة، ما يقصيه عن مهمة التعمير والعمران التي هي من مهام وجوده ابتداء في هذا الكون العميم.

الإنسان خلقه الله سبحانه بيده وخلقه في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه، وجعله على صورته، وخلقه لأعظم وظيفة هي الخلافة عن الله، وشرفه باختياره له مكلفا، ومنحه من القدرات ما يهيمن به على سائر الموجودات، وبث فيه ما يكفل له الرفعة والسمو ويحمي ذاته من السقوط، وحصنه بالإيمان من الوهن والحزن، "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" (آل عمران: 139).

وفوق كل ذلك، منحه العقل للسيطرة على الطبيعة والكائنات والموجودات، لذلك جاءت كل هذه الأحكام الشاملة في نفسه وجسده وحياته ومجتمعه وكونه؛ للحفاظ على كرامته، موكلة له كل سبل الرفعة والعزة، والانطلاق بالآمال والطموح لتأدية ما عليه من تكليف، ولتمحو كل سبب من شأنه أن يحط من تلك الكرامة وذاك التكريم.

فإذا ما استشعر المواطن أن كل ذلك يبدده مستبد فاجر، فلا مناص من الخروج عليه والثورة ضده، مهما كانت التضحيات؛ لأن المفقود أغلى.

ولقد اهتدت فلاسفة البشرية مؤخرا إلى مصطلح "المجتمع اللائق"، الذي تتحقق من خلاله إنسانية الإنسان أو كرامته، بعدم التعامل معه بصفته شيئاً أو عبداً أو آلة أو مجرد مستهلك يهيمن السوق على حاجاته ورغباته. ولكن محمدا، رسول البشرية صلى الله عليه وسلم، قد سبقهم منذ بعثته، "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".