ملفات

لماذا تم الانقلاب على ثورتي 1919 و2011 في مصر؟

كاتب مصري: ثورة 1919 في مصر مثلت موجة الربيع العربي الأولى (جيتي)

مائة عام بعد أول ثورة شعبية مصرية في العصر الحديث (1919) كافية لتقييم تلك الثورة تقييما موضوعيا، والأهم استخلاص دروس تلك الثورة التي تصلح لعلاج تحديات الحاضر (2019) في مصر وربما غيرها من دول المنطقة.

غياب المعرفة بتلك الدروس لدى غالبية المصريين الذين حرموا ـ بفعل فاعل ـ من معرفة ظروف وتداعيات ونتائج أكبر ثورة شعبية لهم أثر سلبا على إدارة ثورة 25 يناير 2011، إذ لو كانت تلك الدروس حاضرة فربما نجحت في تجنب الكثير من الأخطاء التي وقعت سواء خلال أيام الثورة ـ على قصرها (18 يوما) ـ أو بعد ذلك، حيث أن الكثير من تلك المشاكل وقعت من قبل في ثورة 1919.

غياب ثورة 1919 وبالتالي دروسها عن الوعي الجمعي للكثير من المصريين خلال العقود الماضية كان نتيجة طبيعية للحكم العسكري الذي هيمن على مقاليد الحكم والسياسة والثقافة والتعليم في مصر على مدى 6 عقود بعد انقلاب 23 تموز (يوليو) 1952، وكان أحد نتائج هذا الحكم هو تقزيم ثورة 1919 الشعبية المدنية لصالح تضخيم حركة عرابي العسكرية (1881).

ليس المجال هنا للحديث عن إنجازات ثورة 1919، والتي يمكن إيجازها في تحقيق أول استقلال لمصر عن الاحتلال البريطاني (حتى وإن كان منقوصا)، كما حققت الثورة للمصريين أول دستور مدني عصري، وأحدثت تغييرات كبرى في المجتمع المصري سواء على صعيد الوحدة الوطنية أو مشاركة المرأة في العمل العام، أو على مستوى الفنون والآداب.

 

غياب ثورة 1919 وبالتالي دروسها عن الوعي الجمعي للكثير من المصريين خلال العقود الماضية كان نتيجة طبيعية للحكم العسكري الذي هيمن على مقاليد الحكم


دروس ثورة 1919 كثيرة ومتنوعة، سواء في ضرورات تحديد الأهداف، ووجود القيادة الكاريزمية، أو الحاضنة الشعبية، أو المسار الدستوري، أو التوافق والخلافات بين النخب، إلخ.

تحديد الهدف

لنبدأ بتحديد الهدف بدقة وحسن تسويقه، فقد كان تركيز ثورة 1919 على قضيتي الاستقلال والدستور، ونجحت الثورة جزئيا في أحدهما (الاستقلال) وبدرجة أكبر في (الدستور).

بطبيعة الحال كان الاحتلال البريطاني عدوا واضحا أمام الشعب المصري، وكانت مطالب الاستقلال هدفا شعبيا عاما، لكن قادة ثورة 1919 تحركوا بطريقة أكثر عملانية لتحقيق هذا الهدف، والآن وبعد مائة سنة فإن قضية الاستقلال لا تأخذ حقها في الأجندة الوطنية، رغم حالة التبعية التي تعيشها مصر سواء للكيان الصهيوني أو للسياسة الأمريكية والغربية أو حتى الخليجية، وهو احتلال عصري ناعم يستوجب تحركا عمليا للخللاص منه، وللتذكير فقد كانت مصر على بدايات طريقها نحو تحقيق هذا الاستقلال الكامل بعد ثورة يناير 2011، والتي عبر عنها الرئيس مرسي بعبارته "إذا أردنا امتلاك إرادتنا فعلينا إنتاج غذائنا ودوائنا وسلاحنا".

مناكفات الدستور طبيعية

أما في قضية الدستور فقد نجحت ثورة 1919 في إنتاج أعظم دستور عربي في تلك الفترة (دستور 1923)، وظل هو الأروع من بين الدساتير المصرية المتعاقبة حتى ثورة يناير التي أنتجت بدورها دستورا مماثلا، وقد ولد الدستوران بعد مناكفات سياسية واسعة، دعت سعد زغلول زعيم ثورة 1919 لوصف اللجنة التي كتبت دستورها لاحقا بـ"لجنة الأشقياء" ودعت الرئيس مرسي إلى إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية لدستور 2012، وقد تعرض دستور 1923 لموجات من القبول والرفض، والإستبدال، حتى انقلاب تموز (يوليو) 1952 الذي استعاض عنه بسلسلة من الدساتير كان آخرها دستور 1971، والذي ظل يحكم مصر حتى ثورة يناير، وهو ما تكرر مع دستور 2012 الذي جرى الانقلاب عليه في الثالث من تموز (يوليو) 2013، وتم الاستعاضة عنه بدستور جديد في 2014 رغم أنه استمد أهم نصوصه من سلفه، ولم يسلم هذا الأخير من مساعي الانقلاب مجددا عليه هذه الأيام، والدرس هنا هو ضرورة التوافق حول أي دستور جديد لمصر بحيث لا ينفرد فصيل أو عدة فصائل بكتابته، مع تجاهل لمكونات أخرى في المجتمع مهما كانت ضعيفة في وقت ما فإنها لن تكون كذلك دائما.

القيادة الكاريزمية 

كان أحد العناصر الرئيسية لتجاوب المصريين في ثورة 1919 هو وجود زعامة كاريزمية (سعد زغلول) الذي ملك قلوب المصريين، وهتفوا باسمه، وفوضوه للحديث نيابة عنهم، ورغم أنه كان ينتمي لطبقة الباشوات إلا أنه كان زعيما شعبيا، نزل إلى الحواري والقرى، ووزعت صوره في كل مكان، ولم يقتصر حب المصريين عليه بل تجاوزه إلى زوجته صفية هانم التي منحها الشعب لقب "أم المصريين" تعويضا لها عن حرمانها من الإنجاب.

 

في ثورة يناير أدارت القوى السياسية الرئيسية في الثورة ظهرها للميدان مبكرا، واتجهت إلى المسار الانتخابي قبل أن تندمل الجراح، فكان الانقسام البغيض الذي ظل يدمي الثورة حتى يومنا هذا،


لم تتكرر القيادة الكاريزمية لسعد زغلول لاحقا، وافتقدت ثورة يناير لوجود زعيم في حجمه، ولهذا السبب وأسباب أخرى تعرضت للانتكاس سريعا، وحتى تستطيع الثورة استرداد عافيتها ومكاسبها فإنها بحاجة إلى قائد تتوافق عليه القوى الوطنية، ويكون قادرا على لم شمل الجميع، وقيادة الشعب للخلاص من النظام العسكري برمته.

الحاضنة الشعبية

حين تحرك سعد زغلول في البداية للمطالبة بالاستقلال استكثر عليه الإنجليز ذلك، واتهموه أنه لا يمثل الشعب فسعى للحصول على توكيلات من أعيان مصر، لكن طلاب جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) حين علموا بذلك رفضوا هذه الفكرة، وطرحوا بديلا لها توكيلات من عموم الشعب، وبدأوا بأنفسهم، وانتشرت حملات جمع التوقيعات في كل ربوع مصر، وشملت كل الفئات والأعمار، وبلغت حصيلتها مليوني توكيل من شعب بلغ تعداده 14 مليونا، وهو ما مكن سعد ورفاقه من انتزاع حق تمثيل المصريين في مفاوضات الاستقلال، وبهذه التوكيلات انتقلت الثورة من حالة نخبوية إلى حالة شعبية، وظلت هذه الحاضنة الشعبية هي سر قوة الثورة، وخير سند لوفد التفاوض، فحين تم نفي سعد ورفاقه خرجت المظاهرات الشعبية في كل مكان، وأضرب العمال، والطلبة، وقطع الفلاحون الطرق، وخطوط السكك الحديدية الخ.

وفي ثورة يناير أدارت القوى السياسية الرئيسية في الثورة ظهرها للميدان مبكرا، واتجهت إلى المسار الانتخابي قبل أن تندمل الجراح، فكان الانقسام البغيض الذي ظل يدمي الثورة حتى يومنا هذا، وكان الأصل هو التحرك لتحقيق مطالب الثورة في ظل حضور الشعب في الميادين لأن هذا الحضور هو المعادل الموضوعي لقوة العسكر ودولتهم العميقة، ولا مجال اليوم لاستكمال الثورة وتحقيق مطالبها إلا عبر حراك شعبي جديد يفرض نفسه على الجميع.

 

لا تزال غالبية الرموز المسيحية السياسية داعمة للنظام العسكري بسبب مخاوفها من عودة الإخوان،


كما أن فكرة التوكيلات الشعبية التي منحت سعد زغلول ورفاقه حق تمثيل المصريين قابلة للتكرار مجددا، إذا رغبت المعارضة المصرية في استخدامها لنيل شرعية تمثيل الشعب، والتحرك دوليا بالقضية المصرية، وقد سبق أن استخدمت خلال السنوات القليلة الماضية مرتين الأولى في توقيع أكثر من مليون مصري على وثيقة مبادئ الإصلاح التي طرحتها الجمعية الوطنية للتغيير بقيادة محمد البرادعي قبيل ثورة يناير مباشرة، والثانية حينما استخدمت حركة تمرد الفكرة ضد الرئيس مرسي فيما عرف باسم "استمارات تمرد".

الوحدة الوطنية 

كان من الملامح البارزة لثورة 1919 تعانق الهلال مع الصليب بعد عدة سنوات من الاحتقان الطائفي عقب عقد المؤتمر القبطي في آذار (مارس) 1911 والرد عليه بالمؤتمر الإسلامي في نيسان (أبريل) 1911، وقد ضمت قيادة الوفد بعض الوجوه القبطية مثل واصف بطرس غالي، وسينوت حنا، وجورج خياط، وظهر خطباء الثورة من مسلمين ومسيحيين سواء في الميادين العامة، أو على منبري الأزهر والكنيسة، وكان أحد الهتافات الخالدة للثورة "عاش الهلال مع الصليب".

ورغم أن ثورة 25 يناير نجحت في كسر بعض الأطواق الطائفية، بمشاركة شباب قبطي فيها، إلا أن تجدد الأحداث الطائفية بعدها أفسد تلك الروح، وتعيش مصر حاليا واحدة من أسوأ فترات الاستقطاب الطائفي، التي تحول دون حدوث اختراق حقيقي للمشهد السياسي، ولا تزال غالبية الرموز المسيحية السياسية داعمة للنظام العسكري بسبب مخاوفها من عودة الإخوان، وهذا ما يحتم على القوى المقاومة للنظام العسكري تقديم تطمينات عملية للأقباط، والدخول في حوار جدي معهم حول مخاوفهم، وإشراك رموز منهم في قيادة العمل الوطني، فهذا ما قد يطمئن قطاعات من المسيحيين على مستقبلهم السياسي والاجتماعي والديني.

الربيع العربي في مائة عام

مثلت ثورة 1919 في مصر موجة الربيع العربي الأولى، حيث لحقتها ثورة العراق سنة 1920 وثورة الريف في المغرب سنة 1921، وثورة السودان 1924، وثورة الشام 1925، وهذا يثبت أن أي ثورة في المنطقة العربية ستنتقل عدواها إلى دول عربية أخرى نظرا للتشابه الكبير في الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية، ولذا فحين قامت الثورة التونسية انتقلت موجاتها الثورية إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن، ويمكننا أن نستخلص من ذلك أن انتصار انتفاضة الشعب الجزائري ستنتقل عدواها حتما إلى أقطار عربية أخرى.