كتب

الأكراد مكون أساسي للنسيج المجتمعي والتاريخي السوري

جمال باروت: تفتقد مدرسة التاريخ السوري إلى أي توثيق أكاديمي موضوعي لعملية إحصاء الأكراد في سوريا

الكتاب: الأكراد في العالم.. تاريخهم ومستقبلهم (الجزء الأول)
الكاتب: د. عايدة العلي سري الدين
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون- تشرين أول (أكتوبر) 2018
عدد الصفحات: 471 من القطع الكبير
 
"الكرد من المكونات الأساسية للنسيج المجتمعي والتاريخي السوري، شاركوا تاريخياً في بناء دولة سوريا. سقف مشاركتهم لهذا التاريخ كان يتراوح بين من كانوا في موقع صناع القرار، حيث تبوأوا مناصب عليا من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة وقيادة الثورات ومن كانوا في موقع المقاومة مع الجماهير. وبعد شعورهم بتهميشهم من قبل الأحزاب والسلطات ولاسيما الحزب الشيوعي والأحزاب القومية العربية في أواسط الخمسينيات شكلوا لأنفسهم حزباً خاصاً بهم هو الحزب الديمقراطي الكردي الذي كان أول حزب كردي يتأسس في سوريا في صيف عام 1957. 

 

التمثيل السياسي الكردي

والآن لهم عدد لا بأس به من الأحزاب جاء نتيجة للانشقاقات الحزبية. بعض هذه الأحزاب قدرته محدودة، وبعضه الآخر يملك إمكانيات شعبية معقولة. وقد أسس بعض هذه الأحزاب مع بعض القوى العربية المعارضة "إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي" إثر الحراك النخبوي في سوريا في مرحلة ربيع دمشق. 

قاوم الكرد سياسة سلطة الوحدة في 1958 بين مصر وسوريا فيما يتعلق بحلّ الأحزاب في سوريا. ورفضوا حل حزبهم الوحيد بالرغم من أن غالبية الأحزاب الأخرى في سوريا حلّت أنفسها بما فيها حزب البعث. في أواسط الثمانينيات إلى بداية هذا القرن عاشت هذه الأحزاب ضمن إطار سياسة غضّ النظر من السلطة السورية، ووصل قمع السلطة بحقهم إلى الذروة ما بعد عام 2004 أي بعد الانتفاضة الكردية والعربية، ولها مجلات ومواقع إلكترونية. 

الآن تتفق غالبية الأحزاب مع بعضها ومع المثقفين الكرد المستقلين على ضرورة حماية حركة الاحتجاجات وإنجازاتها وكان لها في هذا الشأن مبادرة للخروج من الأزمة الوطنية المعاشة الآن في سوريا. كما أنها عقدت "مؤتمراً وطنياً" من الحزبيين والمستقلين على أن يمثل المرجعية السياسية لهم.والكرد في سوريا يقطنون المناطق التالية: (عفرين "جياكرمانج" "عين العرب كوباني" القامشلي رأس العين "ساري كانيه" عامودا ديريك ... الخ). بالإضافة إلى تواجدهم الكثيف في بعض المدن الكبرى مثل دمشق وحلب والرقة والحسكة وغيرها. ويقدر عددهم بين مليونين وثلاث ملايين نسمة حسب توقعات الأحزاب الكردية هي اثني عشر تنظيماً سياسياً غير مرخص" (ص175من الكتاب). 

 

ندرة المراجع

هناك فقر حقيقي معرفي من حيث البحث الأكاديمي والتحليل العلمي فيما يتعلق بأكراد سوريا، إذ لا يمكن معالجة هذا الموضوع بنشر مقالات غير موثقة، فالأكراد في سوريا ينقسمون إلى مجموعتين مختلفتين: الأولى، وتتألّف من الشرعية الكردية التي تعيش في المدن الحضارية السورية الكبرى مثل حلب ودمشق وحماة وغيرها، والتي تحوّلت عبر السنين إلى جزء لا يمكن فصله عن الأكثرية العربية السنيّة التي تعيش في هذه المدن. وفي المقابل، تعيش أكثرية الأكراد في المنطقة الشمالية ـ الشرقية أي في دير الزور والقامشلي والحسكة، والتي بقيت معزولة عن التفاعل مع التجمّعات السكانية التقليدية، التي تسكنها الأكثرية السنيّة العربية. 

لا يوجد إحصاء رسمي دولي يمكن من خلاله معرفة عدد الأكراد في العالم، أو في الدول التي يتوزعون فيها، وسوريا ليست اسثتناءً، لكن هناك بعض الأرقام من مصادر مختلفة تناولت أعدادهم بشكل تقديري ونسبي. ويُقَدَّرُ عدد الأكراد الذين يعيشون في سوريا بنحو مليوني كردي، ولا تتجاوز نسبتهم القُصْوى حاليا في سورية 7% من إجمالي عدد السُّكَّان في سوريا، رغم تضخيم العدد ومبالغات بعض الأحزاب الكُرْدِية، ويعتبر عددهم في هذا البلد صغيرًا ومتواضعًا إذا ما قورن بهؤلاء الذين يقطنون في الدول المجاورة، حيث يقدّر عدد الأكراد في العراق بنحو 5 ملايين نسمة، وفي إيران ما يقارب 9 ملايين، وفي تركيا حوالي 15 مليون نسمة. جدير بالذكر أنّ الأكراد في سوريا ينتسبون لجماعة السنّة، مع وجود أقلية تنتسب لليزيدية.

 

يُعْتَبَرُ الأكراد أحْدى القوميات الكبيرة والعريقة في المنطقة، مثلهم مثل العرب والفُرْس لكنهم لم ينالوا حُقُوقَهُم،


 

وتوزّع الأكراد على عدة مناطق في سوريا، بينما شكّلوا أكثرية السكان في منطقة "الجزيرة، في محافظة الحسكة، الواقعة في الشمال الشرقي للبلاد، أي في (المثلث الحدودي) السوري ـ العراقي ـ التركي". وفي بدايات القرن العشرين، كان عدد الأكراد في دمشق يقارب مليون، كانوا قِلَّةً قبل نحو خمسة عقود، بل لَجأُوا إليها في مُعْظَمِهِم من تركيا أثناء حملات القمع الرّهيبة التي طالت مجمل الأقليات في تركيا، منذ أكثر من قَرْن. وكانت الإمبراطورية العثمانية (ثم نظام جمهورية كمال أتاتورك) قد استخْدَمَتْ وَحَدات كُردية منذ 1915 في قمع بقية الأقليات.

ويُعْتَبَرُ الأكراد أحْدى القوميات الكبيرة والعريقة في المنطقة، مثلهم مثل العرب والفُرْس (فيما وَفَدَ الأتراك لاَحِقًا إلى المنطقة)، لكنهم لم ينالوا حُقُوقَهُم، بل ذهبوا ضحية الإمبراطوريات الفارسية والعثمانية والقوى الإستعمارية التي قَسَّمَتْهُمْ، ولا ذَنْبَ في ذلك للشعوب التي تعيش حاليًّا في المنطقة، وساهم الأكراد في المجزرة التي ذهب ضحيتها ملايين الأرمن، وسمحت لهم الدَّولة التُّرْكِيّة باحتلال أراضي وقُرى الأرمنيين ونهب مُمْتَلَكاتهم، كما ساهمت وَحَدات كُرْدِية في قمع انتفاضات الفلاحين (منهم الفلاحين الأكراد) بين 1919 و1922.\

وخلال فترة الحصار والحروب التركية الأوروبية، تَدَفَّقَت غالبية الأكراد على شمال سوريا، وبالأخص على منطقة "الجزيرة"، وكان التدفق الأكبر لقرابة 25 ألف كُرْدِي، عَبَروا الحدود من تركيا إلى سوريا بين سنتي 1925 و1928 (بموافقة سلطات الاحتلال الفرنسي)، هربًا من مُطاردة الجيش التركي لآلاف العائلات الكُرْدِية المُساندة لتمرد الشيخ سعيد بالو (النقشبندى) في مناطق الأناضول الشرقية، ومنهم عشيرة "الفريكان"، وسمحت لهم سلطة الانتداب الفرنسي بالسكنى، ثم سَمِحَتْ لهم العشائر العربية والآرامية بالتوسّع نحو الجنوب والإستيطان في مناطقها. 

وبعد ذلك بِعُقُود سَمِحَت لهم حكومة الوحدة (بين مصر وسوريا) بالإستقرار، ووَهَبَتْهُمْ (بدون أي تَمْيِيز) أراضي زراعية وقعت مُصَادَرَتُها من الإقطاعيين العرب بداية من 1959 بعد أن كانوا مُسْتَقِرِّين على عمق خمسة كيلومترات فقط داخل الحدود السورية، بعد لجوئهم من تركيا، وسمح لهم جمال عبد الناصر، بداية من 1958 (في ظل حكومة الوحدة) بالإستقرار في المُدُن. أما تاريخيًا فإن المقاطعات الثلاثة لمنطقة "الجزيرة" ـ التي تمتد من تركيا إلى العراق عبر سوريا ـ تعود إلى أسماء ثلاث قبائل عربية قديمة، لا يتكلم أهلها سِوى العربية: ديار بكر، شمال الجزيرة وديار مضر، غرب الجزيرة في حوض الفرات الأوسط (الرقة) وديار ربيعة شرق وجنوب شرق الجزيرة من الموصل إلى رأس العين. وتعرضت بعض المُدُنِ لتخريب الجيوش الغازِيَة مثل "تيمور لنك" في القرن الرابع عشر، ومنها مُدُنٌ يعود تأسيسها إلى ما قبل الميلاد بعدة قُرُون مثل "الرِّقّة" التي خَرَّبها جيش "هولاكو" مُنْتَصَفَ القرن الثالث عشر... 

 

خلال فترة الحصار والحروب التركية الأوروبية، تَدَفَّقَت غالبية الأكراد على شمال سوريا، وبالأخص على منطقة "الجزيرة"،


لقد تحوَّلت الجزيرة الفراتية ومنذ تخريبها على يد المغول إلى مرتع للقبائل والتي تحولت للبداوة بعد أن كانت مستقرة في مدن الجزيرة، وقد عزز نمط الحياة هذا قدوم قبيلتين عربيتين من نجد في أواسط القرن السابع عشر بدءاً من سنة 1640م وهما شمر وعنزة اللتان كانتا لا تزالان محافظتين على خشونة البادية واندفاع كبير نحو الغزو والقتال، الأمر الذي غيّر إلى حدٍّ كبير توزع بعض العشائر العربية في المنطقة التي باتت مقسمة بين العراق وسوريا بحدودهما الحالية. 

ثم استوطنت بعض القبائل الكردية الرحل منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر في سهول الجزيرة إلى جانب القبائل العربية، وكان التدفق الأكبر من المستوطنين خلال العشرينات من القرن المنصرم هرباً من القمع التركي كما يشير ماكدول،  ومنها عشيرة الهفيركان الذين استوطنوا الجزيرة السورية ـ منطقة قبور البِيضْ ـ عام 1927م بقيادة حاجو آغا بعد موافقة الفرنسيين، والذي تحوّل خلال بضع سنين إلى أحد كبار الملاك في الجزيرة، التي وصلها خالي الوفاض وفق تسجيلات برونستن.

 

لمحة تاريخية

ومن الناحية التاريخية، فإنّ المقاطعات الثلاثة لمنطقة "الجزيرة" ـ التي تمتد من تركيا إلى العراق عبر سوريا ـ تعود إلى أسماء ثلاث قبائل عربية قديمة، لا يتكلم أهلها سِوى العربية: ديار بكر، شمال الجزيرة وديار مضر، غرب الجزيرة في حوض الفرات الأوسط (الرقة) وديار ربيعة شرق وجنوب شرق الجزيرة من الموصل إلى رأس العين (وفق كِتاب "مُعْجَم البُلْدان" لـ "ياقوت الحَمَوِي"). 

ووردت نفس المعلومات تقريبًا في مُؤَلَّفَات "ابن شداد" (الاعلاق الخطيرة) و"ابن حوقل" (صورة الارض) والمسعودي (مروج الذهب) وابن قدامة (الخراج)، وغيرهم، وتعرضت بعض المُدُن لتخريب الجيوش الغازِيَة مثل "تيمور لنك" في القرن الرابع عشر، ومنها مُدُنٌ يعود تأسيسها إلى ما قبل الميلاد بعدة قُرُون مثل "الرِّقّة" التي خَرَّبها جيش "هولاكو" مُنْتَصَفَ القرن الثالث عشر... 

 

دفعت حملة كمال أتاتورك لقمع انتفاضات الأكراد في تركيا إلى نزوح الآلاف منهم نحو مناطق النفوذ الفرنسي في سوريا


كانت العشائر الكردية من البدو الرحل تترك هضبة الأناضول في موسم الربيع وتنزل إلى الجزيرة السورية إلى جوار القبائل العربية، وقد أصبحت منسجمة تماماً مع تقاليد أهل المنطقة وعاداتهم من خلال استخدامها للزي العربي البدوي ونمط خيام البدو،فهي عشائر تبدونت بهذا الشكل أو ذاك لطول إقامتها في الحاضرة العربية على حد تعبير أوبنهايم .ثم استوطنت بعض القبائل الكردية الرحل منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر في سهول منطقة "الجزيرة" إلى جانب القبائل العربية، ولكن الأكراد بقوا أقلية صغيرة لا قيمة لها عَدَدِيًّا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى واحتلال فرنسا لِسُورِيَة.
  
لقد دفعت حملة كمال أتاتورك لقمع انتفاضات الأكراد في تركيا إلى نزوح الآلاف منهم نحو مناطق النفوذ الفرنسي في سوريا وبخاصة المناطق الحدودية في الجزيرة، الحسكة لاحقاً. وأصبحت سوريا بعد ثورة الشيخ سعيد سنة 1925م ملجأً للأكراد الفارين من القمع كما يقول الزعيم الكردي عبد الرحمن قاسملو، ويقدّر ديفيد مكدول أعداد الأكراد القبليين الذين عبروا الحدود في فترة تهدئة القبائل بين عامي 1925 ـ 1928م هرباً من القوات المسلحة التركية بنحو 25 ألف نسمة، ويوثق ذلك العلامة محمد كرد علي وزير المعارف السوري الذي زار المنطقة سنة 1931م في رسالته التي أرسلها إلى رئيس الجمهورية السوري آنذاك، حيث ذكر المهاجرين من مختلف الإثنيات الذين "استوطنوا على الحدود وكانت جمهرتهم من الأكراد".

 

تضارب في الأرقام

فالعلامة الكردي الشهير محمد أمين زكي في كتابه "تاريخ الكرد وكردستان" قدر عدد الأكراد في سوريا قبل الحرب العالمية بين 70 ـ 80 ألف نسمة، وذلك بالاعتماد على تحقيق زيميرمان قنصل روسيا في حلب. فيما قدرت الموسوعة السوفييتية عددهم في سورية سنة 1937م بـ 200 ألف نسمة. وقدرهم  وليام إلفنستن W. G. Elphinston سنة 1946م بـ 250.000 نسمة. وقدرهم لوسيان رامبو بـ 250 ألف أيضاً في سنة 1947م. أما روبيرت زايدنر، فقد قدرهم سنة 1959م بـ 250 ألف نسمة أيضا. بينما قدر القيادي والسياسي الكردي الإيراني عبد الرحمن قاسملو أعدادهم سنة 1962م بنحو 400 ألف نسمة في عموم سورية.فيما رجح الزعيم الكردي جلال الطالباني في كتابه الصادر في بغداد سنة 1970 بأن عدد الأكراد في سورية والأتحاد السوفيتي هو 500 ألف نسمة.

أما أستاذ العلاقات الدولية المهتم بالشأن الكردي ميخائيل م جونتر(Michael M. Gunter) فقد قدر أعدادهم في سورية سنة 2004 بنحو مليون نسمة، وهذا يقترب من النتائج التي سنحصل عليها في دراستنا كما سنرى، قبل موجة الهجرة الكبيرة من تركيا نحو سوريا بداية من 1974، بعد اشتداد حملات القمع ضدهم وحرق الجيش التركي المحاصيل الزراعية وهدم قرى الأكراد وتَشْرِيدِهِمْ... 

ورغم تناقض المعلومات فإنّ مصادر الحركة الكردية تُقَدِّرُ عددهم بنحو ثلاثة ملايين في سوريا سنة 2015 يتوزعون في ثلاث محافظات أساسية هي الحسكة، وحلب، ودمشق، مع تواجد أعداد أقل في حمص وحماة وريف إدلب واللاذقية، ويُقَدَّرُ العدد الحقيقي بنحو 2 مليونين كُرْدي في سورية، جاء أكثر من تسعة أعشارهم من تركيا خلال العقود القليلة الماضية.

وفيما يتعلق بالأكراد المحرومين من الجنسية وفق الإحصاء الاستثنائي لمحافظة الحسكة سنة 1962، فقد قامت الحكومة السورية (حكومة العظم الثالثة) في 5 تشريتن الأول /أكتوبر 1962، ولم يمض على تربعها في الحكم سوى ثلاثة أسابيع، إبان ما يعرف في التاريخ السوري بمرحلة "الانفصال"، بإجراء إحصاء استثنائي للسكان في محافظة الجزيرة "الحسكة"، نتج عنها "تجريد" أو "حرمان" ما لا يقل في عن 28% من سكان المحافظة من الجنسية السورية، وتصنيفهم تحت بند «أجانب تركيا» في البداية، ثم تحت بند "أجانب الحسكة" لاحقًا. وقد قصدت الحكومة بذلك "متسللين أكرادًا" من جنوبي تركيا إلى هذه المحافظة بطريقة غير شرعية.

 

تتم المبالغة بخصوص أعداد المحرومين من الجنسية في الأوساط الكردية أيضاً، وهذا ما نتلمسه عند استعراضنا لآراء شخصيات سياسية وممثلي أحزاب كردية حول موضوع الإحصاء، وأعداد المتضررين منه


يقول الباحث مهند الكاطع، كان عدد سكان الجزيرة في سنة 1952م نحو 162.145 نسمة، في حين أنه ارتفع إلى الضعف تقريباً بعد عقد واحد ليصبح سنة 1962م نحو 309.279 نسمة. ويضيف الباحث مهند، أنه بتاريخ 23 آب (أغسطس) 1962م أصدر الرئيس ناظم القدسي المرسوم رقم 93، والذي ينص على إجراء إحصاء سكاني عام في محافظة الحسكة، وقد اعتمدت عملية الإحصاء مؤشراً أساسياً في تثبيت الجنسية، حيث تم اعتبار كلّ من كان مسجّلاً في قيود الأحوال المدنية قبل العام 1945، ومقيماً في سوريا، منذ ذلك الوقت وحتى إجراء الإحصاء، سورياً. لكن وزارة الداخلية أمهلت كل شخص مسجل في سجل الأحوال المدنية مدة شهر من تاريخ صدور هذا القرار ليستحصل على صورة عن قيده وقيد عائلته لإبرازها إلى موظفي الإحصاء المزمع إجراؤه في المحافظة كي يتم تثبيت تجنيسه.

وتتم المبالغة بخصوص أعداد المحرومين من الجنسية في الأوساط الكردية أيضاً، وهذا ما نتلمسه عند استعراضنا لآراء شخصيات سياسية وممثلي أحزاب كردية حول موضوع الإحصاء، وأعداد المتضررين منه:

ـ فيصل يوسف: سياسي كردي ورئيس حزب كردي يُدعى الإصلاح، كان قد صرّح بأن أكثر من 150.000 شخص تم تجريدهم من جنسيتهم بيوم واحد سنة 1962م، علماً أن عدد سكان الجزيرة جميعهم كان يساوي ضعف هذا الرقم فقط في تلك السنة! الرقم الذي أورده فيصل يوسف هو الأكثر شيوعاً بين الأحزاب الكردية هذه، فيعتمده مثلاً عبد الباسط سيدا في تصريحاته وآرائه والسياسي الكردي القديم صلاح بدر الدين، ولم يبتعد عنهم كثيرًاعلي صالح ميراني الذي قدر العدد بنحو 120.000 نسمة. وجميعهم لم يذكروا مصادر هذه الأرقام التي يبدو أنه يتم تكرارها دون سياق علمي.

يقول الباحث جمال باروت: "تفتقد مدرسة التاريخ السوري إلى أي توثيق أكاديمي موضوعي لعملية الإحصاء، التي تمت تحت عنوان قانوني حيادي هو الإحصاء العام. لم يبق إذًا سوى التوثيق الأيديولوجي الذي يصلح في مجال المقاربات السوسيولوجية والأنثروبولوجية للتعرف على اتجاهات الرأي العام، لكن هذا التوثيق لا يصلح لمقاربة حقيقية للمشكلة وسيرورتها. وقد كان مشروع سوريا 2025 أول من قارب هذه القضية بشكل شديد الوضوح والموثوقية العلمية، عبر الاستناد النقدي إلى البيانات الموثقة ، التي، وإن لم تكن متاحة للعموم، لكنها أتيحت للمشروع".