كتاب عربي 21

"العصابات" التي تحكمنا..

1300x600

لم يخطئ قايد صالح، قائد أركان الجيش الجزائري ونائب وزير الدفاع، في توصيفه للنظام الحاكم هناك بـ"العصابة" التي كررها في كل خطبه التي تلت تأكده من أن الحراك الشعبي ماضٍ في مسعاه لمنع العهدة الخامسة للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة بعد حكم استمر عشرين سنة كاملة. 

 

حكم عسكري طال 


لكن نفس قائد الأركان، الذي كان بوتفليقة وزيره في الدفاع، أخطأ في الاعتقاد أن أكذوبة العصابة "المدنية"، مارست جرائمها في غياب دعم المؤسسات الأمنية والعسكرية منذ استقلال الجزائر عن فرنسا، قد تنطلي على الشعب. 

توصيف "العصابة" يشمل كثيرا من أركان نظام اعتمد الحزب الواحد مظلة مدنية لحكم عسكري طال ستين سنة أو يزيد. وهي نفس "العصابة" التي صارت اليوم تحذر من "مخططات أجنبية تهدف لضرب استقرار البلاد وزرع الفتنة من خلال رفع شعارات تعجيزية ترمي للدفع بالبلاد إلى الفراغ الدستوري وهدم مؤسسات الدولة" باعتبار التخوين والتحذير من الأجنبي وسيلتها الوحيدة للبقاء لاعبا أوحدا في رسم حدود اللعبة السياسية بالبلاد.

 

التجربة أكدت أن المؤقت الدائم صار قدرا مكتوبا على بلدان يتناوب العسكريون على "احتضانها" ما بين مشير أو فريق أو جنرال


ولأن العسكر في البلاد العربية يكتبون من نفس المحبرة ومن نفس المنهاج، لم يجد عوض بن عوف، وزير الدفاع السوداني في نظام عمر البشير المستمر ثلاثين سنة كاملة، غير الحديث عن "اقتلاع النظام واحتجاز رأسه في مكان آمن" مخرجا لإطاحة اللجنة الأمنية بالبشير أو "تحييده" عن القيادة، استجابة لما اعتبروه مطالب شعبية، بشكل يضمن استمرار القيادة العسكرية، المتورطة في كل "الجرائم" المرتكبة في عهد الإنقاذ، في الحكم بأسماء قديمة أُرِيد لها أن تبدو تيارا تجديديا يسعى لإقرار حياة ديمقراطية في غضون عامين. 

 

قدر مكتوب على بلداننا

التجربة أكدت أن المؤقت الدائم صار قدرا مكتوبا على بلدان يتناوب العسكريون على "احتضانها" ما بين مشير أو فريق أو جنرال، تزين النياشين بزاتهم العسكرية دون بطولات أو انتصارات غير قتل وتعذيب وتشريد المواطنين، أو تفريط في ثوابت الأمة وأراضيها.

في السودان، كان رئيس جاء بانقلاب وطال أمد حكمه حتى صار مطلوبا لدى الجنائية الدولية في جرائم حرب أدت في النهاية لتقسيم البلاد، وهي حقائق لم يجد "الحكام الجدد" غضاضة في التغافل عنها فهُم فيها مورطون حتى النخاع. وإن كان من نظام يجب أن يقتلع فهؤلاء المتغنون اليوم بالديمقراطية والحياة المدنية أعمدته التي بطش بها الرأس "المحتجز في مكان آمن" على مدار سنوات حكمه المديد. ولعل في ترحيب محور الشر العربي بالمجلس العسكري، لدرجة تشكيل وفد إماراتي سعودي مشترك يحمل كلمة سواء استقر عليها بن زايد وبن سلمان ومن ورائهما السيسي، ما يجعل السودانيين الأحرار في مواجهة مسؤولية استكمال تحرير الأرض والإنسان من الاستبداد والطغيان.

التجربة المصرية، التي صار الجميع يتوجس منها خيفة ويستعيذ من تبعاتها، نبراس أمام الشعوب الطامحة للتحرر من ربقة الحكم العسكري الجاثم على العباد منذ الاستقلال. وفي مجازر رابعة وما تلاها من مواقع وميادين خير مثال. 

يتبنى العسكر على الدوام خطة التقرب إلى الشعوب، إعلاميا، وتسخير الأبواق الداعمة لتعبيد الطريق أمامه للعب دور "المنقذ والحامي" قبل الانقضاض على الفريسة / الشعوب والوطن. تذكر الجيوش بطولات وهمية وعقيدة وطنية بل تَمُن "قياداتها" على الشعوب بحماية الأوطان ضد أعداء وهميين لم نر منهم غير المواطنين المصنفين في الأدبيات العسكرية الجديدة إرهابيين. منذ متى كانت حماية الحدود مِنّة من العسكر وهي أساس عمل وجوهر وجود الجيوش؟

 

توزيع الأدوار

عبد الفتاح السيسي، نجم العسكرتارية العربية الذي ترقى إلى فريق أول ثم مشير فرئيس في ظرف قياسي، كان مشغولا باستقبال مشير آخر على الحدود الغربية، "يجاهد" في سبيل دخول طرابلس الليبية و"تحريرها" من ميليشيات الإخوان. توزيع الأدوار بين أطراف محور الشر العربي يستدعي اللعب على كل الجبهات، فالثورة المضادة والحرب على الثورات الممكنة صارت مهمة مقدسة لها أتباع يظهرون في كل البلدان، والدعم المالي السخي متوفر سلاحا وعتادا ومعدات تدمير. وحده دعم التنمية الاقتصادية وخطط تحسين معيشة المواطن لا يلقى الاستحسان.

 

في قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، داخل السفارة السعودية باسطنبول، المثال الصارخ على أن حكم العصابات عابر للقارات.


التشكيلات العصابية الحاكمة، أو الساعية للخلود في الحكم كما في سوريا الأسد، لا تعدم الدعم والمساندة الدوليين. وإن كان الدعم الروسي والإيراني بسوريا فاضحا و"شفافا"، لا تتوقف التسريبات والتحقيقات الاستقصائية من فضح أولئك الذين يشتغلون في السر مع الطغاة ويدعون الطهرانية في المحافل والمناسبات. قبل أيام، أعلنت تونس عن مصادرة أسلحة وذخائر ينقلها أوروبيون بينهم فرنسيون على الحدود التونسية الليبية تحت غطاء ديبلوماسي. لم تتأخر فرنسا في إصدار ما تعتقده مبرئا لها من اللعب على الحبلين. لكن الأكيد أن الدعم الفرنسي لقوات حفتر الانقلابية حقيقة ثابتة على الأرض لا تختلف في شيء عن تلك الحمولة من الغازات المسيلة للدموع التي كانت معدة للإرسال إلى الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي أيام "ثورة الياسمين" لقمع المتظاهرين. حكم العصابات يحتاج حماية ودعم "الأخ الأكبر" مقابل "الجزية" كما أعلن دونالد ترمب مرارا وهو يحكي عن "محمييه" السعوديين.

في قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، داخل السفارة السعودية باسطنبول، المثال الصارخ على أن حكم العصابات عابر للقارات. فبالرغم من اعتراف النيابة السعودية بوقائع عملية الاغتيال استدراجا وخنقا وتقطيعا للجثة، وبالرغم من وجود تسجيلات لدى السلطات التركية اطلعت عليها أجهزة المخابرات الغربية، وبالرغم من تقدير وكالة المخابرات المركزية لهوية الآمر الفعلي/ زعيم العصابة، فقد ظلت القضية دون تحقيق العدالة المرجوة تغليبا للمصالح التجارية وصفقات السلاح. وهي نفس الوضعية التي تراوحها قضية تعذيب وقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني بمصر، وعندما حاولت أجهزة الأمن المصرية دفع التهمة عنها أصدرت بيانا مصورا عن قتل أفراد "عصابة" قيل إنها القاتلة للطالب الإيطالي. من بين الأحراز التي استدلت بها النيابة المصرية أغراض المقتول وهي الدليل على أن الأجهزة الأمنية هي الفاعل الأصلي. تكاد القضية تسجل ضد مجهول / معلوم هو رأس العصابة التي لا تملك لتنفيذ عملية كهذه حرية اتخاذ القرار.

عندما كانت الدعاية السعودية تسعى لتحميل دولة قطر مسؤولية قتل جمال خاشقجي، انبرى تركي الحمد على إحدى القنوات قائلا:" لو ثبت فعليا تورط قطر في هذا الأمر تنتفي عنها صفة الدولة. الدولة لا تمارس أعمال عصابات. هذه أعمال مافيا وليست أعمال دولة.. تنتفي عنها صفة الدولة وتتحول إلى عصابة تحكم دولة وتحكم شعب...".

صدق تركي الحمد، والموعد شهر حزيران (يونيو) المقبل، حيث ستقدم المقررة الأممية الخاصة المعنية بحالات الإعدام التعسفي خارج القانون، تقريرها حول ملابسات القضية أمام أنظار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وكيفما كان الحال، فقدر الشعوب العربية أن تحكمها عصابات عسكرية أو تشكيلات منوية عصابية تتوارث الحكم جيلا بعد جيلا.