ملفات وتقارير

محاربة الفساد بالجزائر.. مسار حقيقي أم تصفية للحسابات؟

في الأسبوعين الأخيرين أصبحت الصحف الجزائرية تعجّ بفضائح تبديد المال العام وتهريب العملة- جيتي

أطلق قائد الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، صفارة "مُحاربة الفساد" في البلاد. وشرعت الأجهزة الأمنية بعد تلقيها هذه الإشارة، في تحقيقات مع رجال أعمال نافذين زمن الرئيس السابق.

 

لكن ثمة مخاوف لدى مختصين، من أن يكون ما يجري في حقيقته مجرد تصفية حسابات، فمنذ سقوط الرئيس بوتفليقة، لم يعد يخلو أي خطاب لرئيس أركان الجيش والرجل القوي في النظام حاليا، من إشارات إلى محاربة الفساد.

 

وبات قايد صالح، يدعو العدالة بشكل صريح إلى إعادة فتح ملفات بعينها، على غرار قضايا الشركة البترولية سوناطراك، وملف حجز 700 كيلوغرام من الكوكايين، وحتى قضية بنك الخليفة التي تعود لسنة 2003.


ويستعمل رئيس الأركان في خطابته مصطلح "العصابة" للإشارة إلى المُتحكمين بمؤسسة الرئاسة زمن مرض الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، والمتحلّقين حولهم من كبار رجال الأعمال.

 

ويقول إن هؤلاء تسببوا في تكبيد الخزينة العمومية خسائر فادحة، ما يستدعي قيام العدالة، حسبه، بدورها في محاسبتهم دون أن يمنعها من ذلك أي جهة.


انعدام الاختصاص

 
ويطرح تدخل قائد الجيش في مثل هذه القضايا إشكالا في حد ذاته، إذ تشير المحامية والبرلمانية فطة السادات، إلى أن هذا المسؤول في ظل القانون الجزائري لا يملك الاختصاص الذي يؤهله للحديث في هذه القضايا التي تبقى من اختصاص العدالة لوحدها.


وبرأي السادات في تصريح لـ"عربي21" فإن استعمال رئيس أركان الجيش ملف "محاربة الفساد"، لا يعدو كونه "مناورة سياسية" من أجل مغازلة الجمهور الجزائري الذي يطالب برحيل كل النظام الذي هو أحد رموزه.


وتضيف السادات: "أشم في هذه التصريحات من جانب آخر، رائحة تصفية حسابات بين أطراف النظام من خلال تحميل المقربين من الرئاسة كامل المسؤولية في حين أن النظام كان برمته فاسدا".


نافذون في قفص الاتهام

 
وفي الأسبوعين الأخيرين، أصبحت الصحف الجزائرية تعجّ بفضائح تبديد المال العام وتهريب العملة الصعبة إلى الخارج. وأصدرت الهيئات الضريبية تعليمات إلى مصالحها، بتشديد الرقابة على كل عمليات تحويل الأموال.

 

اقرأ أيضا : الإرهاب يستهدف الحراك الجزائري.. تخويف أم دعوة لليقظة؟


وكشف البنك المركزي الجزائري في نفس السياق، عن أن القروض التي استفاد منها رجال الأعمال الخواص قاربت 36 مليار دولار إلى غاية سنة 2018. وتذكر تقارير صحفية أن النصيب الأكبر منها ذهب لجيوب حفنة صغيرة من النافذين.


وتشير مصادر "عربي 21" إلى أن أكثر من 30 شركة مملوكة لرجال أعمال نافذين زمن الرئيس بوتفليقة، تعرضت للتفتيش وتم وضع عملياتها المصرفية تحت الرقابة، في حين صدرت أوامر تحفظية في حق مسيريها بالمنع من السفر إلى حين اكتمال التحقيقات.


ويظهر من قائمة رجال الأعمال المشتبه بهم، أسماء بارزة في مجال تركيب السيارات والإنشاءات وشركات الخدمات وبارونات الاستيراد.

 

وتنتمي هذه الأسماء في معظمها إلى منتدى رؤساء المؤسسات الذي كان يقوده علي حداد رجل الأعمال المقرب من السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق.


ومعلوم أن علي حداد موجود في الحبس الاحتياطي حاليا، بعدما حاول الخروج من الأراضي الجزائرية عبر الحدود التونسية ساعات قبل استقالة بوتفليقة. ويُواجه حداد حسب محاميه بتهم بسيطة تتعلق بمخالفته القوانين بعدما ضُبط بحوزته مبلغ 4200 أورو لم يُصرح بها للجمارك، لكن مصادر تذكر بأن تحقيقات واسعة تجري حاليا حول ثروته.


وتقوم حاليا الضبطية القضائية التابعة لجهاز الدرك الوطني، بإجراء تحقيقات موسعة في صفقات عمومية وعمليات تحويل أموال للخارج. وخضع لحد الآن العديد من الأسماء، كان آخرهم رجل الأعمال الشهير يسعد ربراب، الذي نفى أمس الأول أن يكون مُلاحقا، وقال بأن الدرك استدعاه فيما يتعلق بمشاريعه التي تم تعطيلها زمن بوتفليقة. 


ومعروف أن ربراب الذي تقدر ثروته بنحو 3 مليارات أورو، كانت علاقاته شديدة التوتر مع محيط الرئيس السابق، مما أدى إلى تعطيل الكثير من استثماراته. لكن ربراب، وفق خصومه، ليس أبيضا كالثلج، إذ تُحيط الكثير من الشبهات، حول تكوين ثروته زمن الأزمة الأمنية في التسعينات وعلاقاته مع جنرالات نافذين في ذلك الوقت.


فساد مهول

 
وفي تقدير الخبير الاقتصادي فرحات آيت علي، فإن حجم الفساد في 30 سنة الماضية، كان مهولا، سواء من ناحية تضخيم قيمة المشاريع في الداخل أو عمليات تهريب العملة إلى الخارج.


ويقدر آيت علي لـ"عربي21"، ما ضاع من الخزينة العمومية إلى جيوب الحيتان الكبيرة، بنحو 20 بالمائة من الناتج المحلي الخام في الجزائر الذي يقارب 170 مليار دولار.


ويشير هذا الرقم، وفق الخبير، إلى أن نحو 30 مليار دولار كانت تحول منها 10 مليارات إلى الخارج بينما يتم نهب المبلغ الباقي بالدينار عبر الصفقات العمومية وتضخيم قيمة المشاريع. لكن الفساد الأكبر، حسبه، هو ما تم تضييعه على الاقتصاد الجزائري من فرص بفعل السياسات العشوائية.


ويشدد آيت علي على فكرة أن محاربة الفساد لا تأتي بقرارات من الجيش، وإنما ببناء دولة قانون تعطي استقلالية تامة للعدالة لتؤدي عملها.