قضايا وآراء

يشكون فراق الأسد.. ماذا عن دمار البلد وقتل الولد؟

1300x600
صار أمرا عاديا أن تجد من يتفجع على غياب نظام الأسد عن اجتماعات الجامعة العربية، والدعوة إلى إعادة احتضانه، وتصحيح "خطأ" الجامعة العربية التي اتخذت قرار تجميد عضوية سوريا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، على خلفية قيام نظام الأسد بالتنكيل بالمتظاهرين السلميين ورفض التعاطي مع مبادرة الجامعة العربية للحل في سوريا.

لم تتخذ جامعة الدول العربية، منذ تأسيسها، قرارا صائبا مثل قرارها بطرد نظام الأسد أو توقيف عضويته، فهل كان من الممكن التعايش مع نظام يذبح شعبه بكل وسائل القتل؟ وهل كان من الممكن الاستمرار في مزاودة مندوبيه على الدول العربية واتهامها بالتآمر ووصفهم بالعربان والهمج، في حين أن الإيراني يدير غرف عملياته العسكرية والأمنية؟ ثمّة من سيقول إن إيران لم تكن قد تدخلت. هذه خرافة وكذبة؛ لأن إيران تدخلت قبل انطلاق الثورة في سوريا، وهي التي وضعت التقديرات والخطط اللازمة لمواجهة الثورة، انطلاقا من خبرتها في قمع الثورة الخضراء 2009، كما أن سكان حي الميدان الدمشقي، ودرعا البلد، رأوا قناصة حزب الله على أسطح المؤسسات الرسمية بعد شهر فقط من انطلاق الثورة السورية.

ما الذي تغير اليوم حتى تتكاثر المطالبات بإعادة نظام الأسد؟ لماذا يحاول هؤلاء إظهار نظام الأسد بموقع الضحية، وهو رغم كل ما حصل ما زال يستنزف السوريين ويذبحهم بالطائرة الروسية والسكين الإيرانية؟ هل قام نظام الأسد بإخراج عشرات آلاف المعتقلين في ظروف أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها لا تليق بالحيوانات؟ هل توقف عن أعمال الاعتقال العشوائية وتغييب المعتقلين؟ هل توقفت المذبحة التي يجريها بحق السجناء؟ هل سمح لملايين النازحين واللاجئين العودة لبيوتهم بأمان؟ هل أوقف ماكينة التهجير الديمغرافي وتغيير هوية سوريا؟

لكن الأهم من ذلك، لماذا يطالب البعض بتجريد الجامعة من ورقة تستطيع من خلالها الضغط على نظام الأسد لتحصيل بعض حقوق السوريين؟ ثم إنه من المفترض أن الموضوع السوري محكوم بقرار مجلس الأمن المعتمد بالإجماع رقم 2254، الذي يدعو إلى "حكم ذي مصداقية وشامل وغير طائفي، وانتخابات حرة ونزيهة، وفقا لأعلى المعايير الدولية للشفافية والمساءلة".

في بداية العام الحالي، حاولت بعض الأطراف الإقليمية والدولية إعادة تفعيل قنوات التواصل مع نظام الأسد، انطلاقا من تقديرها أن الحرب انتهت لصالح الأسد ولا يوجد أي أفق لتغيير هذا الوضع، ما دامت روسيا تحمي نظام الأسد، ومن ثم فإن الواقعية تستدعي مراعاة هذه المعطيات وأخذها بالحسبان، غير أن نظام الأسد تعامل باستعلاء مع الذين حاولوا التواصل معه، ووصف إعلامه عودة العرب بـ"هرولة المهزومين"، وقال فيصل مقداد، نائب وزير الخارجية: "على العرب أن يبادروا إلى طرق أبوابنا، أما نحن فلن نذهب إليهم"!

توفقت العملية لاحقا نتيجة هذه العنجهية، وبطلب أمريكي من الدول العربية لتأجيل موضوع إعادة العلاقات مع نظام الأسد، لكن تصوروا لو أن الأمور سارت وفق ما تمناه نظام الأسد، ألم يكن ذلك تأكيدا لمصداقية ادعاءاته بأنه يحارب الإرهاب؟ ألن يعني ذلك أن الخارج يكافئه على ما فعله بالبلد والولد؟ والأهم من ذلك، ألا يمنحه ذلك تفويضا بقتل وتهجير واعتقال من بقي من السوريين؟

لا تطلب القرارات الدولية الكثير من نظام الأسد، فقط الانخراط في عملية سياسية مع السوريين الذين ثاروا ضده، وهذا أمر طبيعي يحصل في كل الدول التي تمر بأزمات سياسية حادة، وحتى لو لم تكن هناك ضغوط خارجية، كان من المفروض أن يحصل نوع من التسوية لغلق هذا الفصل نهائيا من التاريخ السوري والانتقال إلى معالجة قضايا أخرى، وهي في الحالة السورية كثيرة ومعقّدة وشاقة، وتحتاج لجهود جميع الأطراف والفواعل. لكن بدل ذلك، عمل نظام الأسد، وبإدارة روسيا وإيران، على فرض نظام المصالحات، بعد استخدام سياسة الأرض المحروقة بكل معنى الكلمة، وإجبار المجتمعات المحلية على الاستسلام، وتحت كذبة ضمانة روسيا لهذه المصالحات، غير أن الضمانة الروسية لم تدم لأكثر من شهر لتفسح المجال لأجهزة الأسد كي تستبيح مناطق المصالحات.

ورغم الأوضاع الصعبة التي تمر بها سوريا والأزمات الاقتصادية والمعيشية الخانقة، فإن نظام الأسد ليس مستعدا لتقديم أدنى تنازل للتخيف عن الشعب الذي يحكمه. وحتى لو أعادت جميع البلدان علاقاتها معه وأغدقت عليه بالمعونات، فلن ينعكس ذلك على ملايين السوريين الذي ثاروا ضده، وسيعتبر نظام الأسد أن هذه الأموال مكافأة له وسيمنحها لأقربائه وزبانيته، وسيعتبر أنه يملك الحق في معاقبة كل من ثار عليه من هنا إلى آخر العمر.

في كل الأحوال، فإن دعوات إعادة نظام الأسد للجامعة العربية إما هي دعوات غبية أو مغرضة، هدفها إنقاذ نظام الأسد الأخذ من التعفن والانهيار.