كتاب عربي 21

الرداءة الراهنة وخطرها على سلامة العرب العقلية

1300x600

بالرغم من أنّ الرداءة أسفرت عن نفسها بوضوح، واحتلت المشهد العام، منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي، وكأنّ عالما سفليّا كاملا أطلّ برأسه ثم افترش الأرض كلّها في مصر، حتى رأينا من مظاهر الرداءة ما يحيّر الخيال الجامح، تماما كما رأيناها في قضاة وإعلاميين وفنانين وسياسيين وضباط جيش ومخابرات وأكاديميين؛ تحسبهم خارجين من مشفى للأمراض العقلية.. بالرغم من ذلك، فإنّ الخيال ما زال قاصرا عن استيعاب الرداءة التي تكاد تتسيد المجال العربي كلّه وتهيمن عليه، ولا سيما في مشرقه، وبالذات في الخليج العربي، الذي كان يبدو دائما أكثر رصانة من أن يحتمل هذه الرداءة كلّها!

لا يوجد إخراج جيد لشيء، ولا سيئ بدرجة مستوعبة، وإنما تبدو الرداءة وكأنّها متعمدة، أو هي حقيقة الحال التي كانت مغطاة بقشّة. فلو أنك نظرت إلى مستشارين سابقين وراهنين لبعض الحكام الخليجيين الذين يقودون بلادهم الآن، وأدباء وكتاب باتوا في موضع الناطق غير الرسمي لهم، وأصوات استأجروها لتبجّلهم وتهجو خصومهم في بلاد أخرى، وإعلاميين وصحفيين شغّلوهم لترويج سياساتهم، فضلا عن الذباب الإلكتروني، وعن التوظيف المبتذل والمعيب للفن بأنواعه، فإنّك لن تقع أبدا على مضمون تَشعر فيه مثقال ذرة من الاحترام، ولا أكبر من ذلك ولا أصغر.

وإذا تجاوزنا قاموس الشتائم، والجهل الذي يطفح به كثير ممن باتوا يُصدّرون ويقدّمون ويصعّدون، وأخذنا التطبيع نموذجا، لواحدة من سياسات حكام هذه الدول الآن الذين يمّهدون بأدواتهم الدعائية للوصول إلى التطبيع كاملا ومعلنا، فإنّ القباحة هي الشيء الواحد الذي يمكن ملاحظته في أداء الأدوات التي يُروّج بها للتطبيع، ولا سيما حينما تبدو تلك الأدوات مجرّدة من العقل بالمطلق، ومندفعة إلى حدّ تكفّ فيه عن تقديم أيّ مبرر سياسي نفعي للتطبيع مع "إسرائيل"، لتصبّ خطابها كلّه في الدفاع عن حق "إسرائيل" في فلسطين، بل حقّها الخالص لها من دون الفلسطينيين؛ الذين يبدون في خطاب هذه الأدوات وكأنهم هم المعتدون والمحتلّون، لا العكس، ثم لتصبّ خطابها على هجاء الفلسطينيين وسلبهم من أي فضيلة.. بمعنى أنّ الترويج للتطبيع يجري بخطاب صهيوني يزايد على الصهاينة أنفسهم في صهيونيتهم!

 

لو أخذنا الحملة على الإخوان المسلمين نموذجا آخر على رداءة الأدوات الدعائية لهذه الدول، ولم نتوقف عند أسبابها التي لا نجد فيها شيئا كافيا لتفسير شدّة هذه الحملة بما لا يتناسب مع قدرات الإخوان

ولو أخذنا الحملة على الإخوان المسلمين نموذجا آخر على رداءة الأدوات الدعائية لهذه الدول، ولم نتوقف عند أسبابها التي لا نجد فيها شيئا كافيا لتفسير شدّة هذه الحملة بما لا يتناسب مع قدرات الإخوان، بل ومع استعداد الإخوان، كما كان واضحا دائما لإقامة علاقات دافئة مع هذه الدول، وهو ما كان جليّا إلى حدّ مثير بعد مجيء الملك سلمان.. فإنّ المضمون والأداء يبدوان وكأنهما يتعمّدان إهانة العقل والتاريخ، وكلّ منطق سليم.

فالفتاوى الفقهية التي توصم اليوم بالتشدد وتُنسب لما يُدعى بالصحوة حصرا، لتحميلها تاليا للإخوان من خلف ذلك، هي عينها فتاوى هيئة كبار العلماء الرسمية في المملكة العربية السعودية، وهي عينها آراء المجموعات الجامية والمدخلية التي ما تزال تُستخدم لتوفير الغطاء الشرعي للحكم وتجريم معارضته أو انتقاده. ولطالما كان نقد هذه التيارات والمجموعات للإخوان بأنّهم (الإخوان) مميّعون للدين، منفتحون على الملل والنحل والأديان والمذاهب الأخرى، في حين يُنسب الآن الانغلاق والعنف والتشدد للإخوان. ويمكن لنا أن نتخيل هذه المفارقة المستغرقة في الوقاحة، حينما يُتّهم مثل القرضاوي بذلك "التشدد"، في حين يجري الترويج من جديد لآراء فقهية حول المرأة والموسيقى والعلاقة مع غير المسلمين، مما كان يقول به القرضاوي ولم يزل.. هل يعتقد هؤلاء أنّهم يمكنهم فعلا مسح التاريخ في زمن القدرة الفائقة على تخزين الكلمة والصوت والصورة؟!

 

الفتاوى الفقهية التي توصم اليوم بالتشدد وتُنسب لما يُدعى بالصحوة حصرا، لتحميلها تاليا للإخوان من خلف ذلك، هي عينها فتاوى هيئة كبار العلماء الرسمية في المملكة العربية السعودية، وهي عينها آراء المجموعات الجامية والمدخلية

ولنقل الشيء نفسه عن نسبتهم الجماعات الجهادية للإخوان حصرا، وكأنّ الذاكرة البشرية قد دخلت في سبات أبدي، وعن ابتذالهم للدين والمشايخ وطلبة العلم، وتدويرهم في مساحات التطبيل والرقص بمنتهى البلاهة، مع أنّ الرصانة والتظاهر بالاحترام أجدى، والتجربة شاهدة.

أعتقد أنّ الأنظمة الحاكمة في بلادنا حينما تأزّمت، وباتت تشعر أن معركتها مصيرية؛ أخرجت حقيقتها كاملة ومرّة واحدة، فكانت هذه الرداءة. وهي وإن كانت مفيدة في كشفها ودفعها لكل مظهر الزيف التي خيّمت على بلادنا عقودا، إلا أنّها خطيرة على السلامة العقلية لمجموع العرب لو طالت أكثر!