قضايا وآراء

الاصطفاف المشروع

1300x600
ستظل الحركة الثورية في مصر والعالم العربي تتخبط؛ ما دامت هناك مكابرة من كل الأطراف، وتصور كل طرف أنه الوحيد المالك لأوراق اللعبة المتمثلة في الحراك الشعبي على الأرض، ورفض الجميع أن يجلس مع الجميع وأن يتحاوروا معا، وما دام هناك من يتصور أن مغازلة القوى الدولية أو مغازلة العسكر هو الطريق لإحداث التغيير المنشود.

ويدعي البعض أن أدلجة الثورة هو طريق انتصارها، فنجد الجدل حول أيديولوجية الثورة المصرية والعربية بشكل عام، ومحاولات جذبها يمينا ويسارا؛ يزداد كلما طال أمد الصراع. ويعتقد البعض أن طول أمد الصراع هو النتيجة وليس السبب، ولكني أعتقد أن الأمرين متلازمان، فطول أمد الصراع ومحاولات أدلجة الثورة يغذي كل منهما الآخر، فلا تمت أدلجة الصراع ولا قصر أمده.

إن الثورات الأيديولوجية التي اجتاحت العالم خلال القرنين الماضيين، والتي بلغت ذروتها ما بين خمسينيات وثمانينيات القرن العشرين، لم تعد منهجا صالحا للقرن الحادي والعشرين، وذلك لتداخل مفهوم الدولة المستقلة ومفهوم العالمية وحرية الانتقال والحدود المفتوحة.

فالدولة الحديثة تستمد وجودها من قدرتها على تحقيق آمال ومصالح مجموع مواطنيها، وتزداد قوتها بتفعيل عناصر الأصالة والهوية التي تمثل العامل الأساسي في بناء الشخصية الوطنية، ولذا فإن أول ما يسعى له العدو هو تضخيم تضارب الآمال والمصالح، وافتعال صراع الهوية الذي بالانسياق خلفه تتهاوى الشخصية الوطنية، ويتحول سكان هذه الدولة إلى الصراع الداخلي الذي لا ينتج عنه إلا فشل هذه الدولة وخسارة الجميع.

والطريق للدولة الحديثة هو طريق الثورة، ولا نتحدث هنا عن الثورة الأيديولوجية، ولكن عن ثورة تغيير المفاهيم. ولعلنا نحتاج للاتفاق على قواعد إدارة تلك الثورة التي تستمد قوتها من اجتماع القوى الوطنية على مبادئ وأهداف ترسم طريق الخلاص والرقي. ويجب علينا ألا ننسى أن مجتمعنا العربي يتسم بتركيبة معقدة من الانتماءات القومية والدينية والشعبوية، بالإضافة إلى جلوسه على ثروات طبيعية وتراث تاريخي جعلت المنطقة هدفا لقوى الاستعمار القديم والحديث.

إن الاتفاق على المبادئ والأهداف ليس بالأمر المعقد، ولكن بناء الثقة هو الأمر المعقد، فالمبادئ تتلخص في الاحتكام للشعب وقبول حكمه، والتمسك بالأمن القومي وعدم التفريط في الحقوق محليا ودوليا، وعدم الاستقواء بالخارج، وضرورة إخراج القوى العسكرية من المعادلة السياسية، وكل هذا يمثل عكس ما جلب انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 لمصر وللمنطقة ككل.

ولذا، يصر العديد، وأنا منهم، على أن الشراكة الثورية لا بد لها أن تبنى على رفض الانقلاب وكل ما ترتب عليه، حتى وإن كان ذلك الرفض من الناحية النظرية وحسب.

ولا أعتقد أن هناك اختلافا حول الأهداف؛ من ضرورة بناء مجتمع تتحقق فيه مبادئ المواطنة التي تبنى على العدل المطلق والمساواة المطلقة بين كل مواطنيه، وكفالة الحريات المطلقة المحكومة بقانون عادل وسلطات قضائية مستقلة.

وأعتقد أننا لو نظرنا لمشروع الثورة المعروفة بالربيع العربي، والذي كانت 25 يناير إحدى روافده، فإننا نجد ذلك المشروع قد حمل شعاراته البسيطة التي عبرت عن تلك الأهداف؛ التي تمثلت في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

إن الاتفاق على المبادئ والأهداف يجب أن يشتمل على نقد ذاتي؛ يشمل القناعة بأن كل تصرف يناقض ذلك فهو خطأ يجب الاعتراف به. وهذا لا يعني ما يصوره البعض من أن هناك من يصدر صكوك الغفران، إلا أنه ليس من المعقول أن يعتقد البعض بأن من أيد انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 ومن مهد له؛ يستطيع أن ينخرط في عمل ثوري حقيقي لإسقاط ذلك النظام، ولذلك فإن الإقرار برفض ونبذ اللجوء للانقلابات العسكرية هو من أولى خطوات بناء الثقة.

وعلى التوازي، فإن بناء الثقة كأساس لإنجاح هذه الأهداف المبنية على المبادئ الثابتة لا يتحقق إلا إذا توقفت أطرافه، أو من يدعي الانتماء للثورة، عن الهجوم على الأطراف الأخرى، ولن يتحقق إلا إذا تخلصنا من محاولات البعض لجرنا لصراعات الماضي ورغبات الانتقام منه. فالتاريخ أثبت لنا أن الأمم لا ترقى إلا إذا تصالحت مع ماضيها واستوعبت دروسه واعترفت بإيجابياته ونقدته بموضوعية لتتخلص من سلبياته، وليس منه ككل.

ونعود إلى السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: هل الأيديولوجية هدف أم وسيلة؟ وبلا شك، الإجابة على هذا السؤال هي مفتاح الطريق للرقي الذي لن يتحقق في منطقتنا العربية إلا بالعودة لنقطة الاتفاق على المبادئ والأهداف ونبذ التنافس، والعمل على التكامل، وعدم تحقير أي دور، وعدم تصور أن الثورة حكر أو ملك لأحد، وقد يكون ذلك هو المقدمة الطبيعية لتحقيق الاصطفاف المشروع وإنجاح الثورة.