كتاب عربي 21

في جمعة الخلاص.. هنالك ابتُليَ المؤمنون!

1300x600
لا رغبة لي في كلام أقوله لبث الأمل في القلوب التي أصابها اليأس والإحباط، بعد جمعة أمس التي تعجل الفنان محمد علي من أمره، لقلة خبرته السياسية، فأطلق عليها "جمعة الخلاص"، فلما فشل الناس في الخروج، بعد أن حول السيسي مصر إلى بلد "مغلق للتحسينات وأعمال الحفر"، أصابهم اليأس في مقتل، وانقلب بعضهم إلى بعض يتلاومون، فهنالك ابتُلي المؤمنون!

ولدي من الكلام الذي يبعث على الأمل، لكن هذا ليس وقته، فقد وددت أن يقتل اليأس أصحابه، الذين صاروا يمثلون عقبة أمام الثورة؛ لأنهم يسارعون في رد الفعل، فإذا أصابتهم الضراء جزعوا، وإذا وجدوا وهْمَ النصر سعدوا.. هم من مخلفات مرحلة الهزائم، ممن شاركوا في ثورة يناير وما بعدها، ولا أدري مبرراً مقبولاً لاستمرارهم في المشهد الثوري إلى الآن. وقد نجحت الثورات في الجزائر والسودان؛ لأن القوى المهزومة لم تشارك فيها وكانت بعيدة عنها.

إذا مسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، ومع هذا أستبعد أي جرعة تفاؤل من هذه السطور، ودافعي لهذا الآن أمران: الأول أن مستوى الإحباط لن ينفع معه أي كلام عن الأمل، والثاني لأنها اللحظة المناسبة لذكر ما لا يمكن ذكره في فترات الرخاء القليلة، وفي وقتها يصبح أي كلام يقال لوضع النقاط فوق الحروف هو من باب العبث؛ لأنه لن يجد آذانا صاغية. فمن أين جاءت الهزيمة في جمعة الخلاص؟!

أهداف الحرب:

ينبغي أن نتفق ابتداء على أن تقدير النصر والهزيمة في الحروب والمعارك يرتبط بأهدافها، فمن يتعامل مع تحرير الأرض المحتلة مثلا؛ معياراً لتقييم حرب أكتوبر المجيدة، فسوف ينتهي إلى كونها هزيمة لأنها لم تحقق هذا الهدف، لكن هدف حرب أكتوبر، كما قال الرئيس السادات، هو أنها حرب تحريك، ومن هذا المنطلق فقد انتصر المصريون؛ لأنها حركت المياه الراكدة، ومن هنا فقد حققت أهدافها كاملة.

وتكمن المشكلة في جمعة الخلاص، في التصورات الوهمية والهلامية التي أطلقها البعض، فكانت كسراب بقيعة، وقف عليه الناس في بلدي بعد أن أغلقت الشرطة القاهرة، ونزلت بالأسلحة "عيانا بيانا" في مشهد إعلان الحرب. وإذا كنا قد اعتدنا على أنه في أيام الدعوة للتظاهر يتم إغلاق محطة واحدة لمترو الأنفاق، هي محطة التحرير (السادات)، ففي هذه الجمعة خرجت أربع محطات للمترو من الخدمة، كما أغلقت كل الطرق المؤدية إلى ميدان التحرير أو إلى غيره من الميادين، وهنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. فمن أين جاء الخطأ؟

لقد أنتجت التصورات الوهمية استنتاجات خاطئة، ولدينا مشكلة تواجهنا في إزاحة هذه التصورات العبثية. ففي الجمعة السابقة على جمعة الخلاص، انطلق البعض يشيع عبر منصات التواصل الاجتماعي أن هناك انقلاب قصر في الطريق، وأن السيسي هرب للخارج ولن يعود، وهو ما قاله كثيرون، كما أكدت عليه الناشطة اليمنية توكل كرمان، وكان تعليقي دائماً: ما الذي حدث لكي يهرب؟ إنه ليس من يغادر الحكم بسهولة، ولم يحدث في دائرة حكمه ما يجعله يهرب هكذا بسهولة.

لكن الأمر صار أمنيات أكثر منها أي شيء آخر، فقد كانت أي محاولة لنسف هذه الدعاية الضارة، تدخل في باب المخاطرة، وقد صار كل من يملك صفحة على "فيسبوك" يرى في نفسه القدرة على التحليل، وعلى استنباط القرارات الصائبة من الأحداث، واختلط الحابل بالنابل، فلم يعد هناك مكان للفضاء الإلكتروني لأي كلام جاد عندما يزيد العبث على حده، وتصبح الأمنيات هي الواقع الذي ينبغي التعامل معه، وصار "اللايك" هو الهدف، وفي سبيله تمكن  التضحية بالأهداف الكبرى!

الشرطة والتحرير:

وقد بحث هؤلاء عما يعزز هذه "الرؤية" للأحداث، فقاموا بتلمسها في مواقف لا تحتمل هذه التفسيرات المريضة، فها هي الشرطة تفتح ميدان التحرير، ولا تتعامل مع المتظاهرين بقوة، وها هو وزير الدفاع لا يتفاعل مع عبد الفتاح السيسي وهو يرد على بعض اتهامات محمد علي له، وهو مشهد يذكرهم بالموقف المحايد الذي ظهر به عبد الفتاح السيسي في خطاب الرئيس محمد مرسي، وتبين بعد ذلك أنه يخطط للانقلاب عليه!

وفي الحقيقة، أن لدينا مشكلة في من تفتق وعيهم السياسي في ثورة يناير، فانتقلوا من خبراء إلى محللين، لسابق خبرتهم المستمدة من مشاركتهم في ثورة يناير، ولم تكن الصورة الكاملة أمامهم، فذهبوا يكملونها بالتصورات بدلاً من الانشغال بالبحث عن المعلومة لتحليلها!

بداية، فإن الشرطة لم تفتح ميدان التحرير للمتظاهرين، في الجمعة التي سبقت جمعة الخلاص، ومن هنا فلا مبرر لسؤال تم توجيهه لي: ولماذا تفتح الشرطة ميدان التحرير لاستقبال المتظاهرين، إذا لم يكن هناك انقلاب قصر يتم ترتيبه؟ ومنذ متى لا تقوم الشرطة بالاعتداء على المتظاهرين؟!

الشاهد أن الشرطة لم تتعامل بالقسوة المفرطة في هذه الجمعة، وهذا مرده إلى أنها لم تكن قد توقعت هذا العدد من المتظاهرين، فدعوة محمد علي كانت بمجرد الوقوف أمام البيوت، وربما كانت الشرطة تبغي أن تحدد أعداد من سيتجرأون على التظاهر لإعداد العدة المناسبة لمواجهتهم، ثم تبين أنها ألقت القبض على أكثر من ألفي متظاهر بحسب تقديرات صحفية، وألف متظاهر بحسب بيان للنائب العام!

وإذا تصورنا جدلاً أن عدم التعامل بالقسوة المفرطة، دليل على أن الشرطة باعت عبد الفتاح السيسي، فمن أين جاء التصور أنها المرة الأولى؟!

لقد حدث في عهد مبارك أن دعا الدكتور يحيي القزاز، بما عُرف عنه من اندفاع، إلى مظاهرات بميدان التحرير، وبالخروج بمظاهراتنا من المكان التقليدي حيث سلالم نقابة الصحفيين، إلى الشارع!

وبنى المشاركون تصورهم، وكنت منهم، على أن الأمن سيمنعنا من دخول الميدان، لكننا ذهبنا في الموعد المحدد ولم نجد أثراً للشرطة، وكنا في حدود مئتي شخص، اتسعت لنا "صينية الميدان"، فلم تكن المشاركة واسعة، ولم يكن للمبيت في الميدان معنى. وقال لي أحد المشاركين هامساً أرأيت ما فعله بنا القزاز؟ لم يكن من الطبيعي ألا نستجيب لدعوته، وفي الوقت نفسه فإن حضورنا بهذا العدد يبعث على الخجل!

في هذا اليوم كنا نسأل في دهشة: أين الشرطة؟ وتأتي الإجابة: إنها عند الشوارع الجانبية بعيداً عن الميدان، ولأن الأمر كان مثيراً لفضولي الصحفي، فقد ذهبت أبحث عن أسبابه!

لقد كان مدير مباحث العاصمة، اللواء اسماعيل الشاعر، يرى أن الناس مأزومة وأن تركها لتعبر عن رأيها بالتظاهر لن يتسبب في أكثر من إفراغ شحنة الغضب، ثم إن عدد المتظاهرين قليل، ووجود رجال الشرطة بأعداد ضخمة يصور الموضوع على غير حقيقته. ومن وجهة نظره فإنه لا خطر على الأمن العام من المتظاهرين!

وكان اقتراحه بترك المتظاهرين يلقى اعتراضاً من قبل مدير أمن القاهرة، فلما أصبح الشاعر قبل أيام من هذه المظاهرة، مديرا للأمن، كان أول تطبيق عملي لتصوره هذا، لكنه تلقى بسببه توبيخاً من وزير الداخلية، فتراجع عن هذه السياسة!

وفي يوم 25 يناير، شاركت في مسيرة انطلقت من أمام دار القضاء العالي، مرورا بشارع 26 يوليو، وتجاوزنا تقاطع شارع الجمهورية، إلى العتبة، فشارع محمد علي، فباب الخلق، ومررنا بمديرية أمن القاهرة، ثم بعابدين، إلى باب اللوق، في غياب كامل للشرطة، وعند دخولنا للميدان فوجئنا بعاصمة من القنابل المسيلة للدموع، وإذ هربنا للشوارع المحيطة، فقد عدت من جديد لأجد الميدان مفتوحا، وإن أحاطت به الشرطة من بعض المداخل، لكنها لم تقم بفض الاعتصام، فقرار الفض كان في الواحدة صباحاً!

فلم تكن هذه المرة الأولى التي تترك الشرطة المظاهرات بشكل نسبي، حتى يقودنا هذا في الجمعة قبل الماضية لتصور أن هناك انقلاب قصر يُدبر ضد السيسي في هذه اللحظة، يبحث عن غطاء جماهيري!

ثم إن القراءة الخاطئة للصورة الجامدة لوزير الدفاع قادت إلى تصور أن الرجل يدبر لانقلاب، وكأن السيسي غُلت يده فلم يستطع أن يصدر قراراً بعزله، وهو من عزل من هو أكبر منه حضوراً وأعز نفرا، والشريك المؤسس في عملية الانقلاب على الرئيس مرسي، وهو الفريق صدقي صبحي!

ولنا أن نتذكر أن السيسي كان قد أطاح بعد الانقلاب باللواء محمد زكي، رغم دوره في تسليم الرئيس مرسي، وهو المنوط به حمايته، كقائد للحرس الجمهوري، وعندما جاء به وزيرا للدفاع بعد سنوات كان محالا للتقاعد، فما الذي يجعله يفكر في الانقلاب عليه أو الإطاحة به؟ إن استدعاء ما جرى مع الرئيس محمد مرسي هنا استدعاء في غير محله؛ لأن  السيسي من اختار أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في المرتين، وليس لوزير الدفاع يد في اختيار رئيس الأركان، أو أي من أعضاء المجلس، فمع من سيفكر في تحقيق انقلابه؟!

وأكبر مشكلة تواجه العقل الثوري هي الإيمان التام، بأن الجيش استغل ثورة يناير للإطاحة بحسني مبارك، لقطع الطريق على التوريث، وهو تصور مبني على وهم الجيش الذي حمى الثورة، ورفض قرار مبارك بضرب الثوار، ثم إنه من أمره بالرحيل. وهي خزعبلات لا يوجد دليل عليها، إنما الأدلة عكس ذلك.

إنما ماذا حدث؟ لقد حاول الجيش في البداية حماية مبارك، لكن في النهاية استسلم لإرادة الشعب، تماما كما حدث في السودان، ومع كل الانقلابات وعلى قاعدة "النفس أولى من الصاحب"، وما دام الرئيس سيغادر، فلنحمِ أنفسنا لنستمر نحن!

الوجه المحايد لوزير الدفاع:

إذن لماذا ظهر وزير الدفاع في لقاء السيسي مع الشباب هكذا محايداً، وغير مبتهج، ولم يشارك في الإعجاب به؟

الإجابة على هذا تتمثل في ما قاله السيسي نفسه من أن الأجهزة قبلت يده حتى لا يتكلم لكنه أصر على الكلام، وإذا كان وزير الدفاع من بين هؤلاء، فهل يجوز أن يظهر في صورة السعيد بما يفعله السيسي؟.. أم إن العكس هو الأفضل له ولو من باب إسباغ الدور والتأمين على صحة ما قاله السيسي من أن كلامه يأتي على غير إرادة الأجهزة؟ فماذا لو ابتهج وصفق إعجابا بردوده الكارثية مع المصفقين والمبتهجين؟ إنه هنا ينفي ما قاله السيسي من نصيحة الأجهزة، ويبدو الوزير متماهيا ضد من نصحوه!

وعموما فقد ظهر اللواء محمد زكي في الصورة مستقبلاً السيسي في المطار عند عودته من الخارج، وكان مبتسما هذه المرة وسعيدا بالعودة الميمونة لجنابه!

والتصور الآخر الذي أدى لنتائج وخيمة على حركة المد الثوري، هو الاعتقاد الراسخ بأن محمد علي يقف خلف جناح في السلطة، حيث جرى الحديث عن أن هذا الجناح قد انتهى بالفعل من رسم سيناريو الانقلاب العسكري، ويحتاج لحشد جماهيري، فكانت دعوة محمد علي للخروج!

وهذه التصورات جميعها كانت سبباً في تثبيط الهمم، وفي تخاذل البعض، فما دام الانقلاب واقعا لا محالة، فلماذا نكون طرفاً فيه؟ ولماذا نشارك في تمكين طرف في السلطة من الطرف الآخر؟!

لقد بُح صوتي وأنا أقول إن الظاهر من الأوراق أن محمد علي ليس تعبيراً عن أجنحة في الحكم؛ لأن الصراع بين الأجهزة هو على من تكون له السيادة لصالح النظام القائم، وليس صراعاً على استمرار النظام، لكن نظرية المؤامرة تسيطر على أصحاب الوعي المغشوش، فانطلقوا يشيعون أن عزل السيسي كتب في اللوح المحفوظ، ومن هنا لم يتم التعامل مع التظاهر بشكل جدي وبحضور جماهيري قادر على النصر والحزم!

وليست الصورة سوداء تماماً، لكن لا بد من أن ترسم هكذا ليغادر من يروجون للوهم المشهد الثوري، فوجودهم فيه يمثل أزمة لا حلا!

وعموما فالرجاء عبد، واليأس حر.