قضايا وآراء

هل خسر الرزاز معركة العقول والقلوب في الأردن؟

1300x600

أصدرت المحكمة الإدارية في الأردن يوم الأحد 29 أيلول (سبتمبر) الماضي قرارا يقضي بوقف إضراب المعلمين؛ القرار الذي أكد نائب نقيب المعلمين الدكتور ناصر النواصرة التزام النقابة بنصه في حال صدوره من المحكمة الإدارية العليا؛ الأمر الذي تحقق مساء يوم أمس الأربعاء 2 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي.

المستشار القانوني لنقابة المعلمين بسام فريحات عاد ليؤكد ما ذهب إليه نائب النقيب النواصرة بأن النقابة ستلتزم بقرار المحكمة غير أنها لم تتسلم القرار بشكل رسمي بعد؛ إذ صدر القرار في وقت متأخر بانتهاء دوام المؤسسات كافة؛ وما إن أنهى المستشار القانوني تصريحاته حتى تسلمت نقابة المعلمين قرار المحكمة بشكل رسمي مغلقة الباب لأي تكهنات بإمكانية الدخول في مفاوضات الدقائق الأخيرة؛ فهل وصل الإضراب إلى نهايته في الأردن أم إن هناك بقية من وقت ضائع للتفاوض يستبق فجر اليوم الخميس 3 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري؟

 

ما حدث في الأردن خلال الساعات الأخيرة بل وخلال الأسابيع الأربعة الماضية كشف عن حجم الاحتقان والغضب من تراجع الأوضاع الاقتصادية ومثل مفاجأة مقلقة للمراقبين للمشهد في الأردن


هل سيستغل الوقت الضائع والمستقطع للإعداد لجولة جديدة من المواجهة أم سيكون مفتاحا لعملية تفاوض تنهي الأزمة وتعيد جدولة أجندة النقابة والحكومة؟

أسئلة قد لا تأخذ وقتها من التفكير والتمحيص إذ أجاب عليها رئيس الوزراء عمر الرزاز يوم 29 أيلول (سبتمبر) الماضي بشكل مسبق من خلال مؤتمر صحفي استعرض فيه مجريات الأحداث وجولات التفاوض التي بلغ تعدادها العشر جولات؛ إلى جانب لقاء استضاف فيه رئيس الوزراء نائب النقيب ناصر النواصرة في منزله لينتهي الرزاز بالقول: إن النقابة لم تقدم مبادرة من جانبها واكتفت في التمسك بعلاوة الـ 50% دون أن تبدي مرونة في التعامل مع الأزمة.

 

إضراب فاق في نجاحه كل التوقعات

رئيس الوزراء اعتاد أن يكسب معركة العقول والقلوب في الأردن إلا أن أزمة المعلمين وإضرابهم تحولت إلى واحدة من المعارك المحرجة لرئيس الوزراء والتي خسرها بجدارة هذه المرة وبإجماع المراقبين؛ فحجم التعاطف الشعبي مع المعلمين تجاوز المتوقع وانعكس على شكل نجاح غير مسبوق لإضرابهم؛ فاق كل التوقعات والتقديرات ومن ضمنها تقديرات كاتب المقال؛ إذ تجاوز إضراب أيلول (سبتمبر) 2019 إضراب العام 2014 والذي دام 13 يوما حينها إذ لم تبلغ فيه نسبة النجاح الـ60% في أحسن الأحوال.

حقائق تاريخية تطرح تساؤلا شديد الأهمية حول الأسباب التي قادت إلى النجاح الواسع لإضراب 2019 والذي دام أربعة أسابيع كاملة؛ الأمر الذي أرجعه بعض المراقبين إلى أن الإضراب مثل متنفسا لشريحة واسعة من المجتمع وللأغلبية الصامتة للتعبير عن استيائها من الإدارة الاقتصادية للبلاد؛ والتي تبعت فرض وجبة الضرائب الشهيرة للعام 2018؛ تعاطف عبر عنه من خلال التفاف المجتمع وأولياء الأمور حول المعلمين؛ إذ وفر الإضراب فرصة للتعبير غير المباشر لشرائح واسعة بعضها مستضعف عن انزعاجها من السياسة الحكومية دون الانخراط المباشر والمكلف في احتجاجات الشارع.

 

ما حدث في الأردن يدق ناقوس الخطر بعد أن خسرت الحكومة معركة العقول والقلوب؛ وباتت مطالبة بإنهاء أزمة المعلمين والبدء بمراجعة شاملة لبرنامجها الاقتصادي


تتعدد النظريات والفرضيات والتفسيرات لنجاح إضراب أيلول (سبتمبر) 2019 إلا أنها بالتأكيد تشير إلى تحول مهم في مزاج الأردنيين وإلى تراجع الخطاب الحكومي الذي تبناه رئيس الوزراء الذي لا يزال يحظى باحترام الأردنيين لشخصه ونزاهته؛ إلا أن ذلك لم يكن كافيا هذه المرة ليكسب معركة العقول والقلوب؛ فالواقع المعاش أقوى تأثيرا في عقول وقلوب المعلمين وأولياء الأمور الذين وجدوا في الإضراب ضالتهم للتعبير عن موقفهم وأوجاعهم بالامتناع عن إرسال أبنائهم.

 

لماذا خسرت الحكومة معركة العقول والقلوب؟


رئيس الوزراء بهذا المعنى خسر معركة القلوب والعقول التي نجح في كسبها في أعقاب احتجاجات رمضان حزيران (يونيو) من العام 2018؛ إذ لم تعد شخصيته بلسما كافيا لجراح المواطنين وبات الاحتجاج على الظروف المعيشية المتدهورة أقوى بكثير من كوابح الامتناع عنه في الأردن.

ختاما: ما حدث في الأردن خلال الساعات الأخيرة بل وخلال الأسابيع الأربعة الماضية كشف عن حجم الاحتقان والغضب من تراجع الأوضاع الاقتصادية ومثل مفاجأة مقلقة للمراقبين للمشهد في الأردن تستدعي قرع ناقوس الخطر؛ فنجاح الإضراب ما كان له أن يكون لولا تعاطف أولياء الأمور ورغبتهم في المساهمة بالاحتجاج مع أبنائهم بطريقة غير مباشرة ولكنها فاعلة.

ما حدث في الأردن يدق ناقوس الخطر بعد أن خسرت الحكومة معركة العقول والقلوب؛ وباتت مطالبة بإنهاء أزمة المعلمين والبدء بمراجعة شاملة لبرنامجها الاقتصادي بشكل يفضي إلى حلول توافقية لا في ملف المعلمين ونقابتهم؛ بل وفي سائر الملفات الاقتصادية المتأزمة فإضراب المعلمين ما هو إلا رأس الجبل الجليدي بحسب كثير من المراقبين في الأردن.