قضايا وآراء

مناظرة رئاسية تاريخيّة في تونس.. سعيّد والقروي تحت محكمة الشعب

1300x600

لأوّل مرّة في تاريخ تونس الحديث يعيش الشعب التونسي على وقع مناظرة تاريخية تجمع بين مرشحين اثنين لاعتلاء كرسي قرطاج ولرئاسة الجمهورية الثانية التي طالما حلم بها التونسيون.
في أستوديو القناة الوطنية الأولى في البلاد يجتمع المتنافسان اللذان فازا في الدور الأول لانتخابات رئاسية نزيهة وشفافة. 


هذه المناظرة تأتي في مرحلة مفصلية في تاريخ تونس خاصّة مع النتائج "الزلزال" للدور الأوّل للرئاسية الذي أطاح بكلّ الوجوه المألوفة للسياسة وأفرز الصندوق وجوها لم يتوقعها أحد. ثمّ نتائج الانتخابات التشريعية التي صعد فيها حزب حركة النهضة من جديد لتصدر المشهد البرلماني. 


مناظرة أم حرب باردة


المناظرة والمنافسة كانت بين مترشحين متنافرين من حيث التخصص أو حتى المستوى الفكري لكن يشتركان في صفر نقطة تجارب سياسية. شخصيّة محافظة مستقلة تمثل القانون (أستاذ جامعي) والثاني رجل أعمال وصاحب قناة (نسمة). فكان الحوار أشبه بصراع خفيّ بين العلم والثقافة والمال والإعلام.


كانت المناظرة عبارة عن سؤال وجواب بين المحاورين والمرشّحين كما شحّت في حالتنا المواجهة والصدامات التي تتسم بها المناظرات التي عرفناها في أعتى النظم الديمقراطية من ناحية تبارز الأفكار والبرامج بين الطرفين المرشحين. 


لكن لم تخل المناظرة أمس من تحدّ وخلاف غير مباشر تجلى في توجيه الأسئلة من طرف نبيل القروي لقيس سعيد على أساس "الاستفزاز"… بينما بدا جليّا من الأخير إعراضه وعدم مجاراة الأول بالحوار والمناقشة سوى بالحديث عن  قانون يرفض أحد مقترحات نبيل القروي "محكمة خاصة" أو بالتلميح ناقدا "تشبيه الفساد بالجراد" و"يرفض الفتات" وهي الإعانات التي يقدّمها السياسي للشعب بغية غايات ومصالح في إشارة لمنافسه. أو الإشاحة بوجهه أحيانا. 


"خيانة عظمى" 

 

هكذا اختصر سعيّد مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني. وكان ردّه مدوّيا معلنا عن شخصية زعيمة قائدة إذا تعلّق الأمر بالثوابت العربية الإسلامية، والقضية الفلسطينية حيث أعلن أنّ الأصل في العلاقة مع المحتل الحرب مقابل تأكيده حماية اليهود في تونس.


في حين بدا المرشح نبيل القروي "مهتزا" وغير مقنع في ردّه على خلفية عقد حزبه مع شركة اللوبينغ الكندية لصاحبها الإسرائيلي عميل الموساد السابق "آري بن مناش".


أقرّ بالأمر لكن أنكر معرفته أصول شخصية بن مناش. ومن جهة أخرى لوحظ صمته قبل الموافقة على فصل يجرم التطبيع في الدستور. 


ورطة وغموض


تبيّن أنّ هذه المناظرة ورّطت نبيل القروي أكثر من تبرئته وتلميعه مثلما كانت تفعل قناته. ففي الشأن الداخلي أظهرته شخصا غير ملمّ بالشأن التونسي سوى ما يتعلّق بمساعدة الفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة وهو الدور الذي كانت تلعبه جمعيته "خليل تونس" قبل إنشاء الحزب. 


إلى جانب ذلك أبرزت منه شخصية خاوية سياسيا وغير مطّلعة على أبسط القوانين بالدستور. وهذا ما يجعل اقتراحه غير القانوني بإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة المسؤولين عن الإرهاب وعن بعض الاغتيالات السياسية إثر الثورة، يثير عديد التساؤلات.

بينما تمكّن المرشّح قيس سعيد أثناء هذا الحوار من إعطاء انطباع عن شخصية صادقة، واثقة، متمكنة، ثائرة على المنظومة السابقة، خاصة في ما يتعلق بالشأن الداخلي فلم يقدّم وعودا "زائفة" أو برامج منمّقة مثلما اعتدنا من المترشحين. لكنّه أكّد أنّ كلّ برنامجه يعتمد على تمكين الشباب.


من جهة أخرى تحدّث عن الصحة والتعليم والعدل الاجتماعي على أنّهم حق مكتسب للتونسي وليس منحة. وتحدّث عن مقترحاته التي سبق وقدمها لمجلس النواب سابقا في بعض الملفات. مثل مواجهة  الفساد، وتعويض الشهداء والجرحى، وتحسين المستوى المعيشي للتونسي.


إلى جانب ذلك يتجلّى جانب من الغموض في برنامج قيس سعيّد وذلك في تعمده عدم الإجابة عن بعض النقاط في أسئلة المحاورين خاصة في ما يتعلق بالدستور والتنقيحات التي يعتزم عرضها على النواب مثل فكرة اللجان الشعبية. 


محكمة الشعب

 

وتعتبر هذه المناظرة من ناحية ترتيبها وتنظيمها أمرا مشرّفا ومتميّزا بجميع المقاييس. فهي المناظرة الثانية التي رتّبتها تونس في فترة لا تتجاوز الشهر، وكانت الأولى في الدور الأول للانتخابات الرئاسية.

 

الجميل في هذه المناظرات أنّها توجّه المنتخب خاصة غير المتحزّب إلى الاختيار وتدفعه للتوجّه إلى صناديق الاقتراع غدا بكثافة وبكلّ ثقة. فهي تضع المترشّحين أيا كانوا تحت محكمة الشعب، على مرأى ومسمع وملاحظة الشعب بكلّ أطيافه. 


ولا شيء يظلّ مخفيّا أو غامضا إلاّ إذا تعمّد المترشّح ذلك. لكن المخفيّ سيقرأ عبر شاشة كلّ التونسيين ومن خلال لغة الجسد، أسلوب الخطاب، زلاّت اللسان، الحركات والسكنات تصبح كلّها نصّا مقروءا ومفهوما لأبسط شخص قبل المتخصص. والشعب يراقب ويختار الأفضل والأنسب لتونس التي يرغب أن يراها.

الآن يمكننا فعليّا الاطمئنان على العرس الانتخابي التونسي فهذه المناظرة حسمت موقف الكثيرين بالتصويت للمرشّح الأنسب والأقدر من جهة التمكّن من ملء كرسي قرطاج للرئاسة بجدارة، من ناحية الإلمام بالوضع التونسي، الشأن الدولي، والتمسك بهوية البلاد، إلى جانب التعامل مع الشعب باحترام وشفافية ونزاهة، والترفّع عن المناكفات السياسية والتعامل مع كلّ الفرقاء سواء المستقلين أو الأحزاب الذين أفرزتهم الانتخابات البرلمانية منذ أيام لتكوين حكومة تجدد للدولة هيبتها وللمؤسسات بريقها وتحقق مطالب التونسيين وتقطع مع كلّ مظاهر الفساد.