قضايا وآراء

سوسيولوجيا الفحش

1300x600
في عام 2014م، تفشَّى على مواقع التواصُل الاجتماعي "هاشتاغ" أو وسم؛ يستحق التوقُّف والدراسة السوسيو- معرفيَّة المتأنيَّة. لم تكن الأزمة، من وجهة نظري؛ هي كم الفحش المذهِل الذي أفرزه الوسم، إذ وَصَفَ عبد الفتاح السيسي بالدياثة داعيا لانتخابه؛ بل في عموم شيوع هذا الوصف البذيء، وقبوله اجتماعيّا على نطاق واسع، بين الذكور والإناث على حدّ سواء؛ بقطع النظر عن المرحلة العمريَّة أو الانتماء الطبقي.

نعم، لم تكن الأزمة عندي هي صدور هذا الفحش بإطلاق، بل في شيوعه بين الناس. إذ إنني ممن يُفحِشُ القول أحيانا، ويؤمن بأهميَّة ذلك في مستويات معينة من الخطاب، وفي مواجهة أنواع عديدة من المخاطَبين؛ لكني لا أحب شيوعه. وإذا اضطررت حينا إلى استعماله، لم أحض عليه؛ خصوصا إذا انحدر إلى هذه الدرجة من الابتذال، التي تُفرغه من حمولته الدلاليَّة السلبيَّة!

لقد ذكَّرني هذا الوسم البذيء بتغيُّر شعوري من أشهر قصائد نجيب سرور، رحمه الله؛ التي تفيض بشلال مؤلم من الفحش؛ إذ لا يمكن أن يصدُر هذا الكم من الفحش عن إنسان ما، إلا إذا كانت إنسانيته قد انتُهِكَت بوحشيَّة ضارية، ويبدو لي أن هذا ينطبِقُ على المجتمع المصري، الذي ولغ في هذا الفحش حتى الأذنين؛ إذ تفجَّرت به الأعمال "الفنيَّة" إبَّان العقد الأخير، قبل أن ينتقِل إلى المجال السياسي والفضاء العام بعد انقلاب عام 2013م. إنها حالة مُرعبة تستدعي الدراسة؛ فكأنه مجتمع مُغتصَب يصرخ مستغيثا من عجزه!

لقد اشتُهر نجيب سرور بين عوام المثقفين والمراهقين بقصيدة بذيئة طويلة، وقد استمعت للقصيدة كاملة بصوته، رحمه الله؛ وأنا بعد في المرحلة الثانوية، وكنا نتداولها سرّا على شرائط كاسيت، وقد كان أول استماع لهذه القصيدة مرتبِط بضحك هيستيري، واستمتاع مراهق بما يسرد الشاعر، من وقائع الحياة الثقافية والسياسيَّة المصرية؛ بأحط الألفاظ وأقذر النعوت.

ثم لما استمعت لها بعد عدَّة سنوات، وكنت قد أوغلت في دراسة الأدب والنقد؛ ذُهِلتُ من كم الفحش وتوقَّفتُ أمامه طويلا، وبعدها بعدَّة أعوام استمعت للقصيدة ثانية؛ فتألمت وبكيت، وتعجَّبتُ من ضحكنا واستمتاعنا بها صغارا، رغم أنها حشرجات ألم تكشِفُ عن انتهاك شنيع لإنسانية الرجل (كما يتجلَّى في سيرته)، وعجز لغته عن التعبير عن هذا الانتهاك البشع إلا بهذه الدرجة من السقوط.

هذا الكم الرهيب وغير الإنساني من الفُحش، الذي يُعبِّر به سرور عن آلامه وإحباطاته؛ يكشف حجم المعاناة الإنسانية والاجتماعية التي حطَّمته، وتركته عاجزا عجزا كاملا عن التعاطي مع الواقع، ومن ثم اكتفى برميه بأقذر النعوت، كما قد يفعل طفل سيئ التربيَّة.

لم يكن هذا الفعل وأشباهه يطوي زيادة في مقدرة الفحش التفسيريَّة، وتناميا في قدرته على سبر غور الواقع الأليم؛ بل تجلَّى كأنه تترُّس حرفيّ بالبذاءة، يتوارى خلفه الفرد (والمجتمع) هربا من واقعهم المنحط، الذي يُعجِزُهم التعاطي معه. هذا الفعل الهروبي هو في حقيقته تعال طوباوي غير واع على الواقع التاريخي، ورفض لخوضه، أو حتى لتفكيكه وفهمه. وهو رفض العاجز عن الفهم، ناهيك عن الفعل.

وقد استدعيت تجربة سرور لأتمكن من فهم تنامي هذه الظاهرة بعد الانقلاب العسكري في مصر (عام 2013م)، وظهور مُحدثي فحش، بين الإسلاميين وغيرهم؛ لا يستطيعون فهم الواقع ولا التعاطي معه، ومن ثم يكتفون برميهِ بما تستطيعه ألسنتهم من القاذورات. هذه الظاهرة تعني ليس فقط أن هذا الجيل المنكود قد انتُهِكَت إنسانيته بشكل غير مسبوق، بل تعني أيضا عجز لغته عن التعبير عن آلام وجدانه إلا بهذه الحشرجات التي يضحك لها البُلهاء، ويصفِّقُ لها الحمقى، رغم أنها قد تكون علامات احتضار!

وقد اتخذ الإمّعات ومحدثو الفحش، المتخفون خلف لوحات المفاتيح؛ من سب سيدنا أبو بكر لمشرك، في رد فعل فردي، وغضبة فرديَّة آنيَّة لم تُقعِدُهُ عن العمل الحقيقي؛ سابقة "إسلاميَّة" لتأصيل الفُحش وتطبيعه في المجتمع، حتى تصير هذه اللفظة وأمثالها مما يشيع استعماله بين الناس بلا تحرُّج، رغم أن فعل الصديق لم يكن نمط الحركة الاجتماعية، ولا رد فعل اجتماعي منظَّم، ولا هو حتى بأصل في سلوكه الفردي وخُلقه. ولم يَروِ راو أن الصحابة قد تجمَّعوا خلف الصديق في طقس سبّ أو شتم جماعي لمشرِك، مهما بلغ إيذاؤه!

إن التأصيل للسبِّ والشتم، كفعل اجتماعي مُنظَّم؛ وعدم التعامُل معه كرد فعل فردي عابِر، قد يأتيه المسلم ثم يتوب عنه؛ سقوط أخلاقي للمجتمع المسلم، يؤدي لتآكُل مروءته، قبل تآكل رصيده الاجتماعي واضمحلال قدرته على العمل التربوي، إذ إن التوبة الجماعيَّة عن مثل هذا الفحش أمر أقرب للمستحيل!

إننا لا ننشُد مجتمعا من الملائكة، لا يسُبّون ولا يُفحِشون، ولا يخطئون كما يُخطئ البشر، لكننا ننشد مجتمعا لا يتم فيه تبرير الفُحش وتأصيله تأصيلا شرعيّا. بوسعك أن تَسُبَّ هذا وتشتم ذاك، إن كان هذا يُريحك ويفرج عنك، لكن لا تبحث عن تخريج أصولي أو تأصيل شرعي وتاريخي لكل سقطة تسقطها. لا تبرر سقطاتك وتعتبرها واجبا شرعيّا، فساعتها سوف تضطر الآخرين إلى سبّك وسب أهلك!