كتاب عربي 21

إغاثة دولية للشعب السوري بإسعاف تنظيم الدولة ودولة النظام!

1300x600
الوحشان في غرفة العناية غير المشددة.


تأخرت هزيمة "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، والتي اختصر اسمها إلى داعش، حتى أتى أُكل التنظيم وحان أجله. وكان اسمه عجيباً فهو دولة وخلافة، والدولة مصطلح معاصر، والخلافة اسم قديم، وهو الوحش الثاني. والاختصارات كلاماً ومعنى نهجٌ أوروبي دخيل على العربية التي تنفر من الاختصارات، فمنظمة العفو الدولة تختصر في الاختزالات اللاتينية إلى أمنستي على سبيل المثال، والبريكست تعني "Britain Exit"، أي خروج بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي إلى ناتو، وهكذا.. تلك اختصارات الأسماء، أما اختصارات المعنى فهي الإجمال والتنميط، وإعلامهم يحرص على وصف المسلمين بالإرهاب، والبعض لدى المنمّطين يشمل الكل!


تكاد معظم التحليلات تجمع على أن المُخرج الدولي العالمي الذي يدير المباراة الدامية الكبيرة في المسرح العربي؛ أرخى لداعش العنان حتى يجذب جميع المتطرفين، وسمح للتنظيم بالنمو والشبوب، ووطأ له الأمور، ودوَّخ البلاد، وأذل المسلمين، فكان يشبّ في يوم ما يشبّه غيره في نصف قرن، بأموال الموصل وذهب العراق وأسلحته، ورمانا بالمتطوعين الراغبين في أرض الحليب والعسل الثانية، فباتت لدينا دولتان دينيتان هما دولة داود ودولة داعش، وهو ما يصعب على البالع ابتلاعه لولا أن المسلمين كانوا قد طبخوا نصف قرن على نار الطغيان، وكلما مر داعش ببلد أصابه الدمار والبوار، وقد حوصر عناصر داعش بعد دعم دولي لمحارب وحيد هو المحارب الكردي المخلص، قدّمه الغرب وحصر البطولة فيه، والذي له أيضاً اختصار على الطريقة الأوروبية هو قسد، فأوروبا تدرك أيضاً معاني الأسماء الحسنة والأسماء السيئة وأثرهما في النفس.


وقد استطاع قسد بإخلاص عسكره وتفانيهم في القتال وطمعهم في الحضور السياسي، وسلاح أمريكا ودعم أوروبا الاستخباراتي دحر داعش، وحجز اسمه في "تترات" البطولة، فاستسلم من بقي من عناصرهم وحوصر في معسكرات اعتقال، وقررت تركيا ترحيل من اعتقلتهم إلى بلدانهم، فهي ليست فندقاً لهؤلاء العناصر كما صرّح وزير خارجيتها. وكانت أوروبا تتمنع في استلامهم وتماطل، فأوروبا التي تحب الاختصارات، هي مع أمريكا أكبر منتج للبضائع الديسبوزيبل في كوكب الأرض، ولم تجد مهرباً من استقبالهم. وقد أرسلت تركيا عناصر التنظيم من هذه الدول بالطائرات "ون وي تيكيت"، وهم يحملون جوازات سفرها وجنسيتها، وقد قبلت دول المولد والجنسية استقبالهم، ووضعت العائدين من عسكر داعش في السجون، وسيخضعون إلى دورات تأهيل ومعالجة نفسية بعد الحروب التي خبروها، وسينعم الدواعش الذين قتلوا ودمروا وقطعوا الرؤوس؛ في السجون الأوروبية، وهي سجون مترفة قياساً إلى سجوننا التي تشبه الجحيم، بل إلى حيواتنا وحرياتنا.. هي جنات عدن، طعام جيد ورياضة وموسيقى وكتب وتعليم مهن، وإمام للصلاة يوم الجمعة، وتعليم جامعي لمن شاء. وسيقيم أقاربهم من النساء والأطفال في إقامات جبرية مكلوئين بعين الرعاية والعناية.


الوحش الأول الذي يحظى بالإنابة والغفران والرعاية الصحية السياسية هو النظام السوري الذي يبدو أنه استفاد كثيراً من الوحش الأول، مع أنَّ ضحايا الثاني هي أقل من عشر ضحايا الأول، بل عشر معشار ضحايا الأول، فالعنصر الدرامي في ضحايا الجلاد الثاني ضعيف.. الأول كان يذبح على شريعة القدامة، والثاني على شريعة الحداثة، وقد ضاع الشعب السوري، السنّي منه بالتحديد، بين الشريعتين، وقد صمد الوحش الأول برعاية روسية صينية وإيرانية. وكانا كلاهما في حلبة الملاكمة، وهي الأرض السورية، يضربان الشعب الوجوه والأبشار، ويقصفان الأمصار والأعمار، ويوهمان العالم بالصراع بينهما، أو أن اشتباكهما كان ضعيفاً. وظهرت تقارير كثيرة تقول إن إمدادات الأمم المتحدة الغذائية إلى الشعب السوري تذهب إلى النظام، وأن الأمم المتحدة هي التي مدّتْ روسيا المحتلة بمواقع المشافي والمدارس، بحسن نية حتى لا تقصفها، فقصفتها، وقد عاتبتها الأمم المتحدة على خشونتها عتاب الأحبّة.


ويزعم كثيرون، ولذلك أمارات وعلامات، أنَّ النظام يتعافى سياسياً، فاليمين الأوروبي في ألمانيا وهولندا وغير دولة أوروبية يناصر النظام، فكأنه النظام يميني الهوى، وأشهر الشخصيات الألمانية هي بالمر من حزب البديل، والهولندية هي مارتن فان هيلفرت من الحزب الديمقراطي الهولندي، اللذان أمضهما الشوق إلى النظام السوري. وهناك دولتان أوروبيتان تتأهبان لفتح سفارتيهما في دمشق. وألمانيا مثلاً كانت تهدد بحجب اللجوء عن كل نازح سوري يقصد السفارة السورية، وهي حالياً تُكره اللاجئين على العودة إلى حضن النظام لحياوزة جواز، وهو أغلى جواز سفر في العالم وأذل جواز أيضاً. ويمكن القول تأويلاً إنها تضخ المال في عروق النظام بأموال الجوازات، فالنظام ينمو بفضل عائداتها.


في علم الاقتصاد هناك غسيل أموال، وسيكون في علم السياسة غسيل شخصيات وأنظمة، كما اغتسل نتنياهو قبل فترة بدم الشعب الفلسطيني في غزة، وقد اغتسل النظام السوري بدم شعبه.


وتتردد على الرئيس الوردي السوري فضائيات وصحف عالمية، فيضع قدماً على قدم، وستسأله قريباً عن طعامه المفضل وأغنيته المفضلة ولون قميصه المفضل، وهو يحكي بلغتهم ويلبس مثلهم، وهو في كل لقاء يذكر اسم داعش والإسلام ويقول لهم: لقد حميت أسواركم من شعبي المتخلف الذي حفظته لكم نصف قرن. أهذا جزاء الإحسان؟ فيطربون.


الوحشان الآن في العناية المشددة، ويتماثلان للشفاء، بغية إنتاج مباراة جديدة تتسمر نصف قرن آخر، أو هكذا يأملون. هناك وحش ثالث هو إسرائيل ينام على وسادة نووية، العملاق الرابع الجريح الذي يمزق أنياب الوحوش الثلاثة هو الشعب السوري.