أخبار ثقافية

الشعر السياسي.. رؤية وتحديات

يلجأ بعض الشعراء إلى الأسلوب المباشر الذي يوصل الفكرة بشكل محدد كما الشاعر العراقي أحمد مطر- تويتر

العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية علاقة قديمة قِدَم الإنسانية، وقد كان فلاسفة اليونان من أوائل من جلوا هذه العلاقة، حيث تبلور الفكر السياسي بالمعنى المتعارف عليه مع الفلاسفة اليونان، فقد تناول كل من أفلاطون وأرسطو العلاقة بين السلطة السياسية والمجتمع، ورسموا الدور الذي يجب أن يلعبه الفلاسفة في تحقيق رفاهية الدولة.


ولأن الشعر كان، ولا يزال، ملجأ الفرد من بطش السلطة، وأداة لكسر القيود التي تفرضها عليه، نشأ الشعر السياسي الذي يعرّف بأنه أحد أشكال الشعر الذي يهدف من خلاله الشاعر إلى التعبير عن رأيه السياسي في ما يجري حوله من أحداث من خلال رؤيته الخاصة التي تكشف حقيقة الواقع السياسي وتجلياته.


نشأ الشعر السياسي نتيجة سوء الأحوال الاجتماعية، وتدهور الأوضاع السياسية، وضراوة الأنظمة الحاكمة التي لا تعبأ بالفرد وهمومه وآلامه وآماله، "فحين تَفسُد السياسة يظهر الشعر"، في إشارة إلى العلاقة المشوبة بالتنافر والعداوة بين السياسة والشعر.


 وقد عرفت جلّ الآداب أشكالا من الشعر السياسي، ومنها الشعر العربي الذي أفرز في كل عصوره، بدءا من الشعر الجاهلي، علاقة واضحة بين الشاعر والسلطة، وقد شُغلت كثير من الرسائل والأبحاث العلمية في تجلية هذه العلاقة.


ونجد أن الشاعر العربي الحديث مجبول على السياسة؛ لأنه مدفوع إليه بدافع غريزي، فهو لم يرَ حوله غير النكسات المتعاقبة منذ نهايات القرن التاسع عشر، وتوغل الاستعمار، وبزوغ كيانات سياسية اتسمت بالاستبداد وغياب الحرية، ومصادرة حق المواطنين في التعبير عن آرائهم، فكان الشعر صرخة من أجل حرية التعبير والمناداة بالديمقراطية، والنضال ضد الأنظمة الفاسدة، وتحقيق شروط الوجود الإنساني. وهذا ما يفسر لنا الدوافع النفسية التي جعلت من الشعراء يخوضون تجربة مغامرة الشعر السياسي، بالرغم من معرفتهم المطلقة بأن نشاطهم الشعري الهجائي لن يعود عليهم سوى بالسجن والنفي والمطاردة والتشريد والتصفية.

 

اقرأ أيضا: أصل الرواية ونشأتها (2)


لذلك لا تُغفل المجتمعات الحرة دور الشاعر المساند لحقوقها، فتأثير شعره يمتد عبر العصور، وهو موجه لرموز الاستبداد والقهر؛ لأنه مستمد من حاجات الناس ومتطلباتهم الإنسانية، لذلك نجدهم يرددونه، ونجد أن العلاقة بين الشعري والسياسي أمر لا يقتصر على الشعر العربي، بل يمتد إلى جل الشعر العالمي.


تتنوع الأساليب التي يستخدمها الشاعر في كتابة هذا النوع من الشعر، فبعضهم يلجأ إلى الأسلوب المباشر الذي يوصل الفكرة بشكل محدد كما نجد عند الشاعر العراقي أحمد مطر، وبعضهم الآخر يلجأ إلى التلميح أو الرمزية حتى لا يطاله الأذى، كما هو الحال عند الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعر السوري نزار قباني، وكما نجد في تجربة الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم الذي تم اعتقاله وسجنه نحو 18 عاما؛ بسبب شعره السياسي.


ومن هنا كان اللجوء إلى اللغة الرمزية في الهجاء اللاذع للسلطة الغاشمة خوفا من العقاب، ويظل الرمز وسيلة مشروعة يمكن الاعتماد عليها في مواجهة السلطة الواقفة له بالمرصاد تتيح للشاعر التعبير بطريقة أكثر حرية من التصريح، فالطابع الرمزي يعتبر من أخص خصائص السلوك الذي يصدر عن الكبت والحرمان للشاعر، علاوة على ما يؤديه البعد الرمزي من جمالية للشعر، ويمنحه الديمومة.


 يقول الشاعر العراقي عدنان الصائغ، أحد الشعراء الشهود الذين خاضوا تجربة الشعر السياسي: "لقد كانت فكرة الاستعانة بفن الخطاب المستتر وسيلة ناجعة في البداية.. ووجدتُ فيها إغراءً في المغامرة والتحدي والإبداع معاً.. خاصة وأن مقص الرقيب الحديدي لم يكمن يترك لنا أقلّ فسحة لنطل برؤوسنا الضاجة خارج ما هو مسموح به.. كانت الكتابة فيه تحتاج إلى مهارة وبراعة كُبريين.. وكان الأسلوب التأويلي الذي تعتمده، مجترحاً من طبيعة الواقع والفن، شكلاً ومضموناً، يأخذ من اللغة بهاءها الآسر وسطوعها، ومن إشكاليات الواقع حذره وشكله وشكه وتمويهاته".


على أننا، من تتبعنا للشعر السياسي المعاصر، نجد بعضًا من الشعر السياسي خاليا من الدهشة والعمق، بسبب غياب العناصر الشعرية اللازمة التي تجعل الشعر فنا. فهو، في بعض الأحيان، هجاء صريح للأنظمة. وهو حينا مرتبط بالأحداث السياسية العابرة والتوجه الأيديولوجي للشاعر؛ مما يجعله، في النتيجة، شعرا عابرا لا يُكتب له الخلود.


وهنا تكمن الاشكالية بين الشعري والسياسي، حيث يؤكد جل النقاد والشعراء على شرعية الشعر السياسي، وضرورة التناغم بين الشعري والسياسي.


غير أننا نلحظ بعضا من الشعراء والنقاد يتحفظ على الشعر السياسي بدافع أيديولوجي أو فني، وهي قضية طُرحت في الأوساط الشعرية منذ منتصف القرن المنصرم، وبخاصة مع احتلال فلسطين، وبروز الكيانات السياسية العربية، وظهور الأحزاب العربية متعددة المشارب والاتجاهات. نجد مثل هذا الرأي لدى أدونيس في كتابه (زمن الشعر)، حيث أكد على ضرورة الفصل بين الشعر والسياسة، وعلى ضرورة تخليص الشعر من مضمونه السّياسي والأيديولوجي، وتحريره من التّبعية لأي مذهب فكري، والتركيز بدلاً من هذا على العمل الفنّي. ولا نزال، بين الحين والآخر، نشهد أصواتا شعرية تعترض على الزج بالسياسة في الأدب.


غير أن وجود نماذج شعرية شوهت الشعر السياسي واختزلته إلى مجرد دعاية سياسية، وأطاحت بالجانب الفني أمر لا يمكن تعميمه، فهناك، بالمقابل، نماذج كثيرة في الشعر العالمي فهمت هذا الشعر كما ينبغي أن يكون دون الإخلال بالشرط الفني، من أبرزهم: أراغون، وإيلوار، ولوركا، ونيرودا.  والأمر ذاته ينسحب على الشعر العربي فهو مليء بمثل هذه النماذج التي جمعت بين السياسي والفني.


من جهة أخرى، لا يمكن عزل الكاتب عن تصوره الأيديولوجي والسياسي، فكل عمل إبداعي لابد أن ينطوي على رسالة. وسواء أقصد الشاعر إيصال هذه الرسالة أم لم يقصد، فإنّها لابد أن تصدر عن وعيه الخاص، وأن تكون محمّلة برؤاه السّياسيّة والأيدولوجيّة؛ لذلك فليس بمستهجن أن يصدر الشاعر عن موقف سياسي، ولكن الأهم من هذا ألا يكون هذا التأثير سلبيا ومخلا بالشرط الجمالي أو الفني.

 

وبمعنى آخر أن يظل الشعر أمينا لطبيعته، وألا يكون مجرد شعر منبري مكشوف، وأن يظل وفيا للإنسان وهمومـــه وأسئلته، وأن يبتعد عن الضجيج المجاني والأضواء الخادعة، وبذلك يكون شعرا إنسانيا خالدا يتجاوز زمنه، وتصلح قراءته عبر العصور.


وأخيرا نجد أن الشعر السياسي القائم على إشباع للمطالب الاجتماعية والوجودية لا يفقد بريقه في المدوَنة الشعرية العربية باختلاف الأنظمة والحكام والأزمنة؛ لأنه خطاب ضمير متيقظ يستمد مفرداته ومضمونه من الواقع العربي المرير.