كتاب عربي 21

الحكم "الفني" بديلا عن فن الحكم!

1300x600

منتصف شهر شباط (فبراير) من العام 2013، أعلن رئيس الوزراء التونسي وقتها، حمادي الجبالي، فشل مبادرته لتشكيل حكومة تكنوقراط لا تضم ممثلي أحزاب، وذلك عشية إعلان حركة "النهضة" الإسلامية التي كان يشغل فيها منصب الأمين العام، رفضها مبادرته باعتبارها "لا تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة".

وجاء هذا الإعلان عقب مشاورات أجراها الجبالي مع الأحزاب السياسية، وهو الذي أعلن قراره تشكيل حكومة التكنوقراط، ساعات قليلة عقب اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد، بهدف إخراج البلاد من الأزمة السياسية التي تصاعدت حدتها بعد الاغتيال.

انقلاب مدني

رئيس حركة "النهضة"، راشد الغنوشي، كان صعد في تلك المرحلة من حدة تصريحاته المعارضة لخطط الجبالي، واعتبر أن طرح حكومة كفاءات غير حزبية تتويج لسلسلة "مؤامرات" تتعرض لها الحركة، واعتبر في تظاهرة لأنصار الحركة لـ "الدفاع عن الشرعية" قرار الجبالي "انقلابا على شرعية الحكومة"، وأن تخلي "النهضة" وشركائها عن السلطة لفائدة حكومة كفاءات "انقلاب مدني".

أما مجلس شورى الحركة، فأكد يومها أنه "يتمسك بخيار الحركة في تشكيل حكومة سياسية ائتلافية، مستندة إلى شرعية انتخابات 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2011"، التي تصدّرتها "النهضة"، مؤكدا ضرورة أن تكون هذه الحكومة "منفتحة على الخبرات الوطنية الملتزمة بتحقيق أهداف الثورة، وفق برنامج سياسي لاستكمال مرحلة الانتقال الديمقراطي".

 

المتحكمون في الشأن العام العربي يسعون ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا لاستدراج أسماء لا تأثير لها لممارسة التدبير العام، بشكل يجعل ولاءهم لصاحب النعمة أعمى. فهو الذي فتح الأبواب أمامهم، وله يدينون بالبقاء في كراسي المسؤولية دونما حاجة لتفويض شعبي.


ست سنوات فقط بعد الواقعة أعلاه، لم يجد رئيس الوزراء المعين من صفوف حركة "النهضة" من سبيل لإنقاذ تكليفه، ومعه ضمان بقاء حركة "النهضة" على رأس الحكومة، إلا التلويح بتوجهه إلى تشكيل حكومة تكنوقراطية، بعد رفض غالبية الكتل البرلمانية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة، ومعها تصدر النهضويين للنتائج بالرغم من تراجع تمثيليتها وقوتها الانتخابية، المشاركة في حكومة الجملي.

راشد الغنوشي، الذي أصبح رئيسا للبرلمان الجديد، داعم قوي للفكرة ومروج لها بما تمثله من فرصة مواتية لتكريس سلطته على الساحة السياسية بالبلاد وداخل أروقة حركة "النهضة"، التي يبدو أن الأصوات صارت تتعالى من داخلها تدريجيا للاحتجاج على قبضته على شؤونها لعقود. بعض المراقبين للشأن التونسي اعتبروا التغيير الجذري في رؤية رئيس البرلمان لجدوى التكنوقراط ومفهوم الشرعية الانتخابية، تكريسا لسعيه الحثيث منذ توليه المنصب الجديد لمنح رئاسة البرلمان يدا طولى في تحديد مسارات الحكم بتونس، في مواجهة شعبية جارفة لرئيس دولة، تمكن من حصد نتائج انتخابية لم يسبقه إليها أفراد أو أحزاب أو منظمات.

 

غنوشي 2013 وغنوشي 2019

المفروض في رئيس المؤسسة التشريعية، وهي بيت الأحزاب وقبة الممارسة السياسية الشرعية، وفي رئيس أي حركة سياسية حزبية أن يدافع بكل قوته عن الاختيار الشعبي، وعن أحقية الأحزاب السياسية في ممارسة السلطة المخولة لها دستوريا في تشكيل الحكومات وتسيير الشأن العام، لكن انبراء راشد الغنوشي لإقصاء الحزبيين من تدبير السلطة، توجه مريب بقدر ما يحقق طموحات شخصية في البقاء والاستمرارية، يرهن أحقية الشعب في اختيار حاكميه، ويعيد إلى الواجهة سلطة استبدادية تؤمن بقصور الشعب عن حسن الاختيار. الثابت الأكيد بين غنوشي 2013 وغنوشي 2019 هو أن "النهضة لن تفرط في السلطة أبدا"، كما أكد في إبان الجدل حول حكومة الجبالي التكنوقراطية، وإن أضاف "ما دامت تتمتع بثقة الشعب التونسي".

الحكومة التكنوقراطية في تعريفها النظري، حكومة مكونة من الخبراء وأهل الاختصاص دون انتماء حزبي أو سياسي، ولا تستند قرارات أعضائها إلى شرعية الرأي العام، بل إلى المنهجية العلمية البحتة.
 
في الديمقراطيات الراسخة، وفي الأنظمة الرئاسية تحديدا يمكن للرئيس تعيين تشكيلته الوزارية دون التزام بعضوية أفرادها في أحزاب أو كتل برلمانية، لكنه بالمقابل، يجعل هؤلاء تحت إمرة المشرعين الذين يمكنهم رفض استوزارهم أو رفع الثقة عنهم وإقالتهم. ويحدث أن يتم تعيين أشخاص من خارج الدوائر الحزبية، ولو في الأنظمة البرلمانية، بالنظر لخبرتهم وكفاءتهم وأيضا لحضورهم في المشهد السياسي، كفاعلين حقيقيين مستقلين لهم نفوذ وتأثير في الرأي العام. لكن الوضع مختلف تماما في البلدان المتخلفة، والبلدان العربية في قلبها، حيث يجنح دعاة التكنوقراطية إلى ترشيح "نكرات" لا تأثير أو حضور لها في النقاش العام لمجرد حصولها على درجات أكاديمية معينة، ليست بالضرورة معيارا على علم أو كفاءة أو قدرة على التسيير.

 

قتل السياسة


في تونس، أعلن الحبيب الجملي أنه سيشكل حكومته دون العودة إلى الأحزاب، عكس تجربة سلفه الجبالي المجهضة، وهو ما يطرح السؤال عن معالم البرنامج السياسي والتنموي الذي ستشتغل عليه الحكومة المنتظرة، وهي التي تحتاج إلى نيل ثقة البرلمان المكون من الأحزاب دون غيرها، فكيف للتنظيمات السياسية أن تقبل بشخصيات غير محزبة لإدارة البلاد، وهي التي تبارت على تحقيق ذلك في حملاتها الانتخابية مقدمة الوعود إلى المواطنين؟ وكيف للناخبين أن يقبلوا بوزراء لا يمثلون اختيارهم الشعبي، ومن ثم عدم القدرة على التصويت عقابيا ضدهم أو ضد هيئاتهم في حال إخلافهم للوعود؟

المتحكمون في الشأن العام العربي يسعون ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا لاستدراج أسماء لا تأثير لها لممارسة التدبير العام ،بشكل يجعل ولاءهم لصاحب النعمة أعمى. فهو الذي فتح الأبواب أمامهم، وله يدينون بالبقاء في كراسي المسؤولية دونما حاجة لتفويض شعبي.

 

البحث عن الكفاءات خارج التنظيمات السياسية، والإبقاء على منتسبي الأخيرة مجرد ببغاوات تجوب استديوهات التلفزيونات للتنظير أو إصدار البيانات بلغة منمقة تدعي القدرة على حل المشكلات، إقرار بفشل السياسيين


قتل السياسة وإلغاء معنى الانتخاب، في وقت نشهد فيه عزوفا انتخابيا كبيرا عن مراكز الاقتراع، لا يترك للمواطن غير الشارع مكانا للتعبير عن الرأي وإيصال صوته للحاكمين. والصدام مع الشارع في غياب قيادات تجيد فن الحكم والتفاوض يفتح الأبواب على الفوضى، التي تنتهي في الغالب بالعودة إلى الاستبداد ناعمه وخشنه حسب الأجواء؛ فالمواجهة وقتها لن تكون ضد الطفيليات الحزبية أو الحكومية بل الدولة وكيانها أو ضد الفراغ.

القرارات الحكومية لم تكن يوما قرارات فنية ظرفية بل قرارات ممتدة في الزمان والمكان، تأخذ بالاعتبار موازين القوى المرحلية وتستشرف آفاق المستقبل، وهي مطامح لن تتحقق في غياب برامج ورؤى سياسية توحد العمل الحكومي، بدل تحويله لجزر متباعدة لا يأخذ صاحب القرار فيها غير مصالح قطاعه بمعزل عن بقية القطاعات المؤثرة والخاضعة للتأثير.

أما البحث عن الكفاءات خارج التنظيمات السياسية، والإبقاء على منتسبي الأخيرة مجرد ببغاوات تجوب استديوهات التلفزيونات للتنظير أو إصدار البيانات بلغة منمقة تدعي القدرة على حل المشكلات، إقرار بفشل السياسيين وتشكيك في الممارسة الديمقراطية، بدل البحث عن توطيدها وجعلها جاذبة للآخر بدل التنفير منها. وأي حكومة تأتي خارج المسلسل الانتخابي، الأداة الوحيدة لتكريس حكم الشعب، لن تكون في أقصى حالات نجاحها إلا تأجيلا للأزمة لا حلا لها. 

في فرنسا، تمكنت اللوبيات الإعلامية من تقديم إيمانويل ماكرون بديلا عن الأحزاب السياسية، وعند دخوله قصر الإليزيه خلق حزبا بلا طعم من شتات اليمين واليسار وبعض من الراغبين في التسلق السياسي من الجمعيات الأهلية، بالشكل الذي كرس السلطة الحقيقية في يده. والنتيجة ظهور حركة السترات الصفراء، التي شلت البلاد لشهور، اضطر معها ماكرون إلى أن يجول البلاد طولا وعرضا فاتحا النقاش المباشر مع المواطنين، رغم وجود برلمان ومؤسسات وساطة، وظن أنه التف على المطالب قبل أن يفاجئه الفرنسيون بحركة إضرابات واسعة لم تشهدها البلاد منذ سنوات. لقد استطاع ماكرون قتل الحزب الاشتراكي الفرنسي وكذا الحزب الشيوعي واستعدى النقابات اليسارية وممثلي اليمين، فصارت المواجهة مباشرة دون حائط الصد التقليدي المكفول، له واجب وحق تأطير المواطنين.

محاولات نقل التجربة إلى البلدان العربية أمر محفوف بالمخاطر، في ظل أجواء الاضطرابات الشعبية وموجات التحركات بالشارع. لكن الغريب في الحالة العربية أن ليس الغنوشي وحده أو جزء من الطبقة السياسية بلبنان أو العراق أو غيرهما، بل حتى "الشعوب" التي يفترض فيها الدفاع عن أهمية صوتها الانتخابي، وفي ظل الفساد الحزبي المستشري الذي لم يترك مفسدة إلا وارتكبها، كفرت بالعملية الانتخابية وصارت تعتقد، عن علم أو جهل، أن الحل في أن "يتنحوا كاع" دون إدراك مخاطر ذلك أو تقديم بديل حقيقي.

الكفاءة المطلوبة في الواقع هي الكفاءة القيادية وليس الفنية، وهي الكفاءة التي تسمح لصاحبها بالقدرة على اتخاذ القرارات والتفاوض والحسم في مواجهة الأزمات.

إنه فن الحكم ما ينقصنا يا سادة وليس الحكم "الفني".