كتاب عربي 21

هذا ما سيوقف هرولة بعض العرب نحو "الكيان"

1300x600

كان لقاء رئيس مجلس السيادة في السودان (عبد الفتاح البرهان) مع نتنياهو في عنتيبي بأوغندا؛ مفاجئا بكل المعايير السياسية، رغم وجود مؤشرات سابقة على اتصالات بين الطرفين.


ومصدر المفاجأة أنه جاء بعد أيام فقط من إعلان "صفقة القرن"؛ بما انطوت عليه من وقاحة استثنائية دفعت النظام العربي الرسمي (مثّله الاجتماع الوزاري للجامعة العربية) إلى رفضها، ومن ورائه منظمة التعاون الإسلامي.


والحال أن المواقف المذكورة التي بدت مفاجئة من وضع عربي كان يحمل سمات الانبطاح؛ ربما ساهمت في التعجيل بلقاء البرهان مع نتنياهو، وبالطبع من أجل تضميد جراح نتنياهو، وربما ترامب أيضا (صحيفة "معاريف" الصهيونية، وصفت قرار الجامعة العربية بأنه صفعة لترامب)، لا سيما أن كليهما يحتاجان ذلك في سياق انتخابي، بخاصة نتنياهو الذي طالما استخدم التطبيع العربي مع كيانه في سياق دعايته اليومية، لا سيما أنه يدرك أهمية الأمر لمجتمع يعيش وسط غابة من العداء والرفض.


لم يخرج المشهد العربي من صدمة لقاء البرهان مع نتنياهو، حتى توالت الأنباء عن لقاءات متوقعة لزعماء عرب مع نتنياهو في القاهرة، وإن لم تثبت إلى الآن.


بالنسبة للقاء البرهان مع نتنياهو، لم نكن في حاجة إلى تقارير إعلامية وصحفية، وكلام لمصادر من هنا وهناك، حتى نعرف أن اللقاء قد تم بتوجيه من المحور العربي إياه، والذي كان يمنح ترامب ونتنياهو إشارات تأييد لـ"صفقة القرن"، بدليل حضور السفراء الثلاثة (الإمارات، عُمان والبحرين) لحفل إعلانها، بجانب البيانات الأولية المساندة لها مع بعض التحفظات.

 

إن الانتفاضة الشاملة في فلسطين، هي وحدها الكفيلة بوقف التطبيع، وهي وحدها التي ستمنع وضع صفقة القرن موضع التطبيق التدريجي دون توقيع


النظام السوداني الجديد كان وسيبقى أسير المحور الجديد؛ لأسباب مالية واقتصادية بطبيعة الحال، وهو محور له أولوياته المعروفة (الإسلام السياسي، تركيا، ربيع العرب، بجانب إيران بطبيعة الحال)، وهو ذاته المحور المتورط في التطبيع، والذي يذهب بعيدا في التشجيع عليه، وقد يساهم لاحقا في ترتيبات إقليمية تلتف على الرفض الفلسطيني والعربي للصفقة، بحيث يجري وضعها موضع التطبيق العملي، من دون الحاجة إلى توقيع من أحد.


ونعلم أن هذا المحور هو الذي سبق أن اقترح "أبو ديس" عاصمة للكيان الفلسطيني، وإن أنكر ذلك، وهو الذي ضغط ولا زال يضغط على محمود عباس في سياقات شتى، وإن تكرّم عليه الأخير بتصريحات متوالية تستر عورته أمام الناس.


ولما كان مشهد الالتفاف على رفض الصفقة بالغ الخطورة، وقد يفضي كما أشرنا إلى وضعها موضع التطبيع دون حاجة إلى توقيع؛ فإن الرد على ذلك لم يعد هامشيا، بل هو أكثر من ضرورة.


يعيدنا هذا الوضع الذي نعيشه اليوم إلى مشهد مشابه في أكثر التفاصيل؛ كان العرب يعيشونه بعد تقدم مسار "أوسلو" ما بين 1993، وحتى العام 2000، حيث تقدمت علاقات الكيان الصهيوني مع الوضع العربي والإفريقي والدولي على نحو دراماتيكي، لكن الوضع العربي الرسمي كان أكثر عافية بكثير مما هو عليه الآن؛ بخاصة المصري، فكان الوصف الذي اشتهر حينها (الهرولة)، وكانت مساعي لجمها عبر تحالف مصري سعودي سوري، لكن ذلك لم يكن كافيا، إذ أن ما أوقف الهرولة على نحو حاسم هي انتفاضة الأقصى بعد قمة كامب ديفيد صيف العام 2000.


كل ذلك يمنحنا نظرية بالغة الأهمية على هذا الصعيد؛ تقول إن الانتفاضة الشاملة في فلسطين، هي وحدها الكفيلة بوقف التطبيع، وهي وحدها التي ستمنع وضع صفقة القرن موضع التطبيق التدريجي دون توقيع، وهي التي ستعيد ترتيب الوصلة العربية والإسلامية. وإذا كان عباس يقف حائلا دونها، فلا مناص من أن يلتقي كل شرفاء الشعب الفلسطيني، بما فيهم أبناء فتح على قلب الطاولة في وجهه (أو خليفته إذا تدخل القدر) ووجه الاحتلال، ومن يتواطؤون معه، والتحالف الميداني في الانتفاضة، تماما كما حصل في انتفاضة الأقصى.


هذه هي ضرورة الوقت الراهن، ولا وجود لأولوية تتقدم عليها، من دون أن ننسى أن لنشاطات القوى الحيّة في الأمة دور كبير في لجم مسيرة التطبيع الرسمي.