كتب

تجربة الأحزاب الشيعية في العراق من المنافي إلى السلطة

حزب الدعوة الشيعي في العراق نشأ ردا على المد الشيوعي في نهاية الخمسينيات

الكتاب: "100 عام من الإسلام السياسي ـ 1 ـ الشيعة"
الكاتب: رشيد الخيّون
دار النشر: مركز المسبار للدراسات والبحوث، الإمارات العربية المتحدة- دبي
عدد الصفحات: 640 صفحة

يتتبع هذا الكتاب مسار الإسلام السياسي في العراق من شقه الشيعي. ويبدو الباحث رشيد الخيّون حذرا، فالعراق موطن الاختلافات العقائدية منذ عصر الخلافة الراّشدة. ففيها نشأت أهم المذاهب الدينية، وفيها تبلورت فكرة الإمامة. وظلت أغلب هذه المذاهب تمثل خلفية فكرية يغتذي منها الإسلام السياسي ويستند إليها. ومع ذلك لا تُحتسب ضربا من الانتماء السياسي والحزبي الذي يستهدف السلطة كما يُراد منه اليوم وإنما كانت تجسّد نصرة للحق من منظورات متباينة.

1 ـ بدايات ظهور الإسلام السياسي في العراق

يتناول الباحث مفهوم الإسلام السياسي، فيقدم له تحديدا أقرب إلى الدقة مقارنة بسائر التعريفات السارية اليوم في الدراسات السياسية والفكرية. فيذكر أنه مفهوم جامع يعيّن الممارسة السياسية عند الجماعات التي تتخذ من الإسلام خلفية في تأسيس أيديولوجياتها التي ترتبط بفكرة النظام الإلهي والحاكمية التي هي إفراد الله وحده في الحكم والتشريع فهماً من قول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ وفي تشكيل خطاب مداره أنّ الإسلام إطار مرجعي لكل مظاهر الحياة اليومية يتضمّن منهجا للحياة صالحا لكل زمان ومكان. ولكنّ لا تبدو هذه الجماعات منسجمة لما بينها من التباينات في فهم الإسلام وكثيرا ما يصل الاختلاف بينها حد التناقض والتكفير والاحتراب.

ومنطلق هذه التسمية عند مستعمليه الأوائل قدحي يحيل ضمنا على فكرة توظيف الدين للوصول إلى الحكم. والإسلاميون أنفسهم لم يكونوا يقبلون به إلا على مضض. أما اليوم فقد تخلّص ممّا شابه من بعد تهجيني وأضحى، بعد أن فرضته الدراسات المختلفة وشاع في وسائل الإعلام، آلية للتمييز بين الإسلام في ذاته والحركات السياسية التي تجعل منه مرجعيتها. 

ولئن لم يخصص الباحث تعريفا لمفهوم الإسلام السياسي من المنظور الشيعي فإن الأمر سيتضح شيئا فشيئا في ثنايا الكتاب وهو يؤرخ للممارسة الشيعية للسياسة وللتقارب بين المرجعيات والأحزاب. فقد بدأ النشاط الديني في السياسة العراقية، في شكل دفاع عن الخلافة العثمانية باعتبارها ممثلة للإسلام. فكان  ردة فعل تلقائية ضد الاحتلال. ذلك أنّ الجماعات التي دعت إلى الرابطة الإسلامية العالمية أو إلى الخلافة لم تحدد هدفها بتأسيس دولة دينية من منطلق مبدإ الحاكمية، ودورها انتهى بسيطرة بريطانيا على العراق وظهور الحكم الوطني الملكي 1921. 

2 ـ في الإسلام السياسي واستحالة الجمع بين المنظور السّني والمنظور الشيعي

في هذا السياق ظهرت تنظيمات شيعية كجمعية النهضة الإسلامية التي تشكلت في أواخر الدولة العثمانية وقبيل تأسيس الدولة العراقية الحديثة 1921 والجمعية الإسلامية بالكاظمية التابعة التي حاولت توحيد العمل الإسلامي. فقد "أجمع رأي علماء الإسلام، وقادتهم على لزوم تفهيم الأمة الإسلامية، ووجوب تحكيم ارتباط المسلمين ببعضهم بعض تحت عنوان الجامعة الإسلامية، للتكاتف والتعاضد، والاعتصام بحبل الله، ليكون الإسلام كتلة واحدة على من سواهم". 

وجعلت من أهدافها "السعي لإعلاء كلمة الإسلام وسعادته وترقيته، ومراعاة القانون الأعظم في ذلك، ألا وهو الشرع المحمدي، والعمل طبقا لقوله تعالى "وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا" ونبذ التقاليد الإفرنجية الذميمة ورفضها مع مباراة الأمم المتمدنة ومجاراتها في المزايا الجميلة، ودروس الأحوال السياسية، والعمل بما ينتفع به المسلمون ويعلو به الإسلام". 

ولكن اتضح أنّ سقف الطّموح كان أعلى بكثير من ممكنات الواقع. فقد عجزت هذه الجمعية عن تجميع أتباع المذهبين لسببين:. أولهما تحديد رئاستها بـ"المرجع الأعلى" وهو تصوّر لا يعترف به أهل السنة وثانيهما اشتراط أن يكون عدد أعضائها اثني عشر عضوا. ولم يكن هذا الشرط يخلو من بعد رمزي فيما رأى أتباع المذاهب السنيّة. فهو يساوي عدد الأئمة في تصوّر الشيعة الإمامية.
  
ويشير الباحث إلى المذاهب الشيعية الكبرى عامة التي ينهل منها الإسلام السياسي الشيعي. فيشير إلى الإمامية أو الشيعة الإثني عشرية أو الجعفرية. وهي الطائفة الشيعية الكبرى. يعتقد أتباعها أنّ الرّسول  قد نصَّ على إثني عشر إماماً خلفاءَ من بعده. وعنهم انشق الإسماعيليون عند الإمام السادس جعفر الصادق ومن سيخلفه من أبنائه، فيما تعتقد الإمامية الإثناعشرية بإمامة ابنه "موسى الكاظم" باعتبار ثبوت موت إسماعيل في حياة أبيه. أما الزيدية التي تؤمن بفكرة الخروج على الحاكم الظالم فلا يكاد يوجد لها تأثير في السياسة العراقية اليوم.

3 ـ بداية النشاط الديني وتقاطعه مع الممارسة السياسية

يردّ رشيد الخيّون أول نشاط سياسي عقائدي شيعي عمل على قيام دولة إسلامية، ضمن أفق الإسلام السياسي، إلى جمعية الشباب المسلم التي أسسها عز الدين الجزائري مطلع أربعينيات القرن الماضي. فقد نشطت هذه الجمعية في الأوساط الطلابية. فعملت على تطوير مناهج التدريس في الحوزة العلمية في النجف ورفعت الشعار "دولة إسلامية سعادة الدنيا ونعيم الآخرة. وأسهمت في نشأة تنظيمات أخرى تفرعت عنها أو تأثرت بها. واستمر إشعاعها حتى غادر الجزائري إلى لبنان في مطلع السبعينات.

وعلى مستوى التنظيم الحزبي يذكر الباحث الحزب الجعفري في خمسينات القرن الماضي. ويعتبره رائد العمل الإسلامي الشيعي المنظم وكانت النجف حاضنته الأولى، مبرزا أنه كان يواجه إكراهين: محاصرة الدولة التي تمنع العمل السياسي على أساس حزبي وعدم النظر له بعين الرضا من قبل المرجعية الدينية التي ترى في العمل الحزبي تجاوزا للتقاليد المرجعية الموروثة. 

 

ممّا ذكّى العمل السياسي الثورة الإسلامية في إيران في شباط (فبراير) 1979. فقد شكّل نجاحها دافعا للظاهرة الدينية وللحماسة لبناء دولة شيعية في العراق تحاكي النموذج الإيراني.

 


ويشير إلى أنّ إطاراته تحملت لاحقا مناصب قيادية في حزب الدعوة الإسلامية الذي سنعرض شيئا من مساره لاحقا. وفي هذه الأثناء ظهر حزب التّحرير بالقدس. وحاول فرعه العراقي إيجاد تنظيم إسلامي يجمع الطائفتين السنية والشيعية. فحقق الاندماج بينهما. ولكنّ ذلك لم يستمر إلاّ لفترة قصيرة ثم حدث الانفصال. فقد كان لكل طائفة منطقها التاريخي والعقائدي. واقتنع أتباع المذهبين أنّ تحقيق الدولة الإسلامية التي تستجيب للمنطقين في الآن نفسه أمر مستحيل.

وممّا ذكّى العمل السياسي الثورة الإسلامية في إيران في شباط (فبراير) 1979. فقد شكّل نجاحها دافعا للظاهرة الدينية وللحماسة لبناء دولة شيعية في العراق تحاكي النموذج الإيراني. أما من خارج الانتماء الحزبي يذكر الباحث شخصيات مؤثرة في بلورة الإسلام السياسي الشيعي منها محمد بحر العلوم وأحمد عبد الهادي الجبلي.

4 ـ دور المرجعية الشيعية

يردّ الباحث غياب أي نشاط شيعي سياسي عبر أحزاب وتنظيمات سياسية في العراق العثماني في القرن التاسع عشر وظهوره بطريقة محتشمة مع الاحتلال الإنجليزي بهدف وطني أساسا إلى سياسة السلطة العثمانية. فرغم إقصائها للشيعة من الوظائف العليا وتهميشهم بشكلّ ما لم تكن عنيفة طائفيا. ويستثني سليمان القانوني (ت 1520م) الذي استصدر فتوى تجيز له قتل الشيعة وعمل على القضاء على معتنقيه في حدود دولته. 

وسبب تقاطع دور المرجعية الشيعية مع الشأن السياسي في بداية القرن الماضي يعود إلى الموقف من الحركة الدستورية 1906. فقد وقف منها مفكرو الشيعة موقفين متباينين متأثيرين باتجاهات الفكر في إيران: فرأى اتجاه أول في سنّ الدستور واعتماد النظام البرلماني تشريعا يتعارض مع إمامة المهدي المنتظر، فيما رأى الاتجاه الثاني الذي يلغي انتظار المهدي من معتقداته والذي رجحت الكفة لصالحه في النهاية أنّ وجود دستور ينظّم الحياة السياسية سيحدّ من الاستبداد. 

ولن تنخرط المرجعية الدينية في العمل السياسي الصرف وفي الصدام مع السلطة المركزية إلا بعد تولي حزب البعث الحكم. فقد عملت على استعراض قدرتها على الحشد الجماهيري من خلال زيارةِ محسن الحكيم رئيس الحوزة العلمية بمدينة النجف الاحتجاجيةِ إلى بغداد. وردّ النظام باتهام نجله بالتجسس. وبذلك انخراط آل الحكيم في المعارضة وأعدم منهم من أعدم. واستمرت نكبات الأسرة بعد سقوط حكم صدّام. فاغتيل عميد الأسرة محمد باقر الحكيم في آب (أغسطس) 2003 وهو ضمن المجلس الأعلى في تفجير انتحاري ثم أغتيل عبد العزيز الحكيم في أيلول (سبتمبر) 2009.

ويمثل علي بن محمّد باقر بن علي الحُسَيني السيستاني حالة فريدة في هذه المرجعيات حتى أنّ الحاكم المدني الأمريكي بريمر وصفه بالغامض بين من يؤثر العزلة الروحية ومن يشارك من وراء حجاب في العملية السياسية. فدوره السياسي يظل محل جدل مستمر بين نفي وإنكار. ومع ذلك فتدخله لتشكيل الائتلاف الشيعي في انتخابات 2004 ثم 2005.. ويبدو أنه يريد أن يظهر بمظهر من يتدخل في السياسة العراقية وهو الإيراني الجنسية وفي الآن نفسه يرفض الجنسية العراقية التي اقترحت عليه من قبل قيادات شيعية لترفع الحرج عن نفسها في العودة إليه.

5 ـ حزب الدعوة الإسلامية

يذكر الباحث عديد الأحزاب والمنظمات الشيعية ويفصل عرض تاريخها. منها منظمة العمل الإسلامي والوفاق الإسلامي والمجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري وحزب الفضيلة الإسلامي المنشق عنه وجماعة الخالصي وجماعة البغدادي. ولكنّنا سنقتصر في عرضنا السريع هذا على حزب الدعوة باعتباره من أبرز الأحزاب الشيعية العراقية وباعتبار ما له من امتداد وتأثير في كل المنظمات والأحزاب الشيعية اللاحقة. 

فقد ظهر هذا الحزب ردا على المد الشيوعي في نهاية الخمسينيات ووصوله إلى النجف واستقطابه لبعض أبناء عائلاتها ذات الانتماء الشيعي الرّاسخ. فتشكلت نواته سنة 1957 ولكن انطلاقته الفعلية لم تكن إلا سنة 1959 فيما يقدّر الباحث بعد المقارنة بين روايات المؤسّسين. ووقفت منه المرجعية الدينية التي تنتظر ظهور المهدي موقف المتحفظ في البداية. 

وبانتصار الثورة الإيرانية واصطدامها مع النظام العراقي أعلن حزب الدعوة الوقوف إلى جانبها وأفتت مرجعياته بضرورة قتال صدام حسين باعتباره واجبا شرعيا. وبالمقابل أصدرت الحكومة العراقية في 31 آذار (مارس) 1980 قرارا ينص على إعدام كل من ينتمي إلى هذا الحزب [باعتباره حزبا عميلا مرتبطا بالأجنبي وخائنا لتربة الوطن ومصالح الأمة العربية]. فأعدم محمد باقر الصدر الذي كان ينوي الفرار إلى إيران غير أنّ الخميني رفض ذلك. وبثت إذاعة أصفهان برقيته إليه التي يقول نصّها ["سماحة حجة الإسلام والمسلمين الحاج محمد باقر الصّدر دامت بركاته. علمنا أنّ سماحتكم تعتزمون مغادرة العراق بسبب بعض الحوادث. إنني لا أرى من الصالح مغادرتكم مدينة النجف الأشرف مركز العلوم الإسلامية، وإنني قلق من هذا الأمر. آمل إن شاء الله إزالة قلق سماحتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته." روح الله الموسوي الخميني]. 

فقد كان يعوّل عليه ليقود الثورة في العراق وكان يقدّر أنّ الإطاحة بالنّظام باتت وشيكة. وعقب سقوط نظام صدام حسين تحالف هذا الحزب مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في الانتخابات العراقية التي جرت عام 2003. واستلم السلطة التنفيذية من خلال رئاسة الوزراء إبراهيم الجعفري 2004 ـ 2005 ثم نوري المالكي (2005 ـ 2014) ولكنه احتكر المناصب والوظائف وتعلقت به تهم فساد كثيرة وممارسات طائفية.

6 ـ 100 عام من الإسلام السياسي.. وبعد

يتّضح من هذا الكتاب إذن أنّ الإسلام السياسي الشيعي في العراق كان متباينا مع المرجعيات الشيعية أوّل نشأته، وأنه نجح في تغيير موقفها منه حتى تبنته في النهاية بعد أن ضمنت أنه يمثل لها أذرعا ولا يشكّل تهديدا لوجودها. وفي الآن نفسه يتضّح أن هذا الاتجاه ظل ممزّقا بين الانتماء إلى المذهب والارتماء في الحضن الإيراني والانتماء إلى الوطن الذي تصطدم مصالحه مع هذه الحاضنة الفكرية بسبب المشاكل الحدودية والتنازع على الصيد البحري جنوبا وعلى المياه شمالا.