قضايا وآراء

الجهل البسيط والمركّب وقتل التعليم في العراق!

1300x600
هنالك العديد من العوامل التي شجّعت الإنسان في حقبة ما قبل التاريخ على الاستيطان في العراق، ومن أهمّ تلك العوامل وفرة المياه (دجلة والفرات) وخصوبة الأرض وسهولتها، والموقع الجغرافيّ المميّز الرابط بين العديد من الحضارات الإنسانيّة القديمة.

هذا الاستيطان القديم القائم على الاستقرار شجّع على البناء والعلم والتفكير، فكانت ثمرة تلك الجهود ابتكار اللغة المسماريّة على يد السومريّين بين عامي 3500 و3000 قبل الميلاد، وكذلك ابتداع العجلة، وملحمة كلكامش، وشريعة أورنمو وحمورابي، وعلم الخرائط، وغير ذلك من الإسهامات العلميّة!

وأشهر حضارات وادي الرافدين القديمة هي الحضارات السومريّة والأكديّة والبابليّة والآشوريّة والكلدانيّة.

وبعد الفتوحات الإسلاميّة بدأت حقبة جديدة من الاهتمام بالعلوم الإنسانيّة بكافّة صنوفها الشرعيّة والعقليّة، وحفلت بغداد منذ أواسط القرن الخامس الهجريّ بعدد كبير من المدارس والمعاهد، وقد وصلت مدارسها إلى حوالي 30 مدرسة، وأشهرها المدرسة النظاميّة، والتتشيّة، والشاطئيّة، والمستنصريّة، والمسعوديّة، وغيرها، وتوافد عليها طلبة العلم من مشارق الأرض ومغاربها.

واستمرّت الحركة العمليّة بالتطوّر والازدهار إلى مرحلة سقوط بغداد بِيد المغول سنة 656هـ/ 1258م، وحينها اندثرت وأحرقت مئات آلاف الكتب والمخطوطات، وبقيت حالة العلم بين نموّ ونكوص. ولاحقا عادت الحياة للعلم تدريجيّا في بعض مراحل الدولة العثمانيّة، حيث بُنِيَت المدرسة الرشديّة العسكريّة سنة 1869، وبعدها توالى فتح المدارس الابتدائيّة في بغداد والموصل والبصرة.
حينما حلّت كارثة الاحتلال الأمريكيّ في العام 2003 بدأت عوامل الخراب تأكل كلّ ما يتعلّق بحياة الإنسان وفكره، وحاضره ومستقبله، وكان التعليم من أوائل المؤسّسات التي ضُربت في الصميم وبمخطّطات مدروسة ومعدّة مسبّقا

وبعد قيام الدولة العراقيّة في عشرينيات القرن الماضي بدأ التطوّر العلميّ بالازدياد، إلى أن وصل العراق إلى مرحلة خلوه من الأمّيّة في العام 1979 وفقا لمنظّمة اليونسكو.

وبقي تنامي قطاع التعليم وازدهاره حتّى خلال المراحل القاسية (الحرب العراقيّة- الإيرانيّة، والحصار الدوليّ)، وحينما حلّت كارثة الاحتلال الأمريكيّ في العام 2003 بدأت عوامل الخراب تأكل كلّ ما يتعلّق بحياة الإنسان وفكره، وحاضره ومستقبله، وكان التعليم من أوائل المؤسّسات التي ضُربت في الصميم وبمخطّطات مدروسة ومعدّة مسبّقا!

وبمناسبة اليوم العالميّ للتعليم (20 كانون الثاني/ يناير) نحاول تسليط الضوء على واقع التعليم العراقيّ حاليّا، حيث ذكر عضو نقابة المعلّمين ناصر الكعبي، يوم 19 كانون الثاني/ يناير 2022، أنّ "الأمم المتّحدة أبلغتنا بوجود 12 مليون شخص أمّيّ في العراق، وأنّ العراق يتّجه نحو الأمّيّة"!

ولا توجد إحصائيات رسميّة دقيقة حول أعداد الأمّيّين العراقيّين سوى ما ذكرته وزارة التربية نهاية العام 2020 بخصوص احتماليّة وجود خمسة ملايين أمّيّ، وما كشفته وزارة التخطيط نهاية العام 2021 بأنّ الأمّيّة بين النساء تبلغ أكثر من 20 في المئة، وبين الذكور 8 بالمئة، من مجموع نحو 41 مليون شخص عدد السكّان!

وقد حاولت وزارة التربية في العام 2012 تدشين حملة لمحو الأمّيّة إلا أنّها فشلت لأسباب مختلفة، وكانت المحصّلة أنّنا أصبحنا اليوم أمام أكثر من ربع الشعب العراقيّ لا يعرفون القراءة والكتابة!

وهنالك في عالمنا المعاصر العديد من الأشْكال للأمّيّة، ومنها الأمّيّة الدينيّة والإلكترونيّة والفكريّة والرقميّة والمعلوماتيّة وغير ذلك، ولهذا وجدنا أنّ الأمّيّة في العراق قد "تطوّرت" ووصلت لشهادات الدراسات العليا. وقد أكّدت صحيفة "الأنباء" الكويتيّة في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 بأنّ هنالك 27 ألف شهادة جامعيّة مزوّرة منحت لطلاب عراقيّين في لبنان، وأنّ خمسة آلاف دولار هو ثمن شهادة الماجستير المزوّرة، بينما بلغت تكلفة شهادة الدكتوراة 10 آلاف!

محاولات نشر الجهل والأمّيّة بين الأجيال العراقيّة ليست محاولات عبثيّة، وإنّما مشاريع شرّيرة يقصد بها بقاء حالة اللا وعي لأنّ قيادة الشعوب غير الناضجة مهمّة سهلة، ويمكن خداعها وتخديرها ببعض الإنجازات الشّكليّة والوعود غير القابلة للتطبيق، وبهذا تبقى الحالة السلبيّة مسيطرة على الحاضر والمستقبل!

السياسات التي تَشحن العقول بالكراهية والطائفيّة لن تُعمر الوطن، فكيف لو شُحنت بالجهل والأمّيّة والظلام؟
والظاهر أنّ سياسة إدارة العراق غير الناضجة بعد العام 2003 تجاهلت هذه الكارثة الوطنيّة، وانشغلت بصراعاتها المستمرّة على المناصب!

إنّ مسار سقوط أيّ أمّة يبدأ بالجهل البسيط (الأمّيّة) والجهل المغلّف المركّب (النُخَب المُزيّفة)، وهذه الحروب على العلم لا تختلف عن حروب قتل الإنسان لأنّها بالمحصلة تُخرّب الوطن والإنسان وتُبقي حالة الضياع المتنامية في بلاد كانت في يوم ما قبلة للعلم والعلماء!

والظاهر أنّ سياسة إدارة العراق غير الناضجة بعد العام 2003 تجاهلت هذه الكارثة الوطنيّة، وانشغلت بصراعاتها المستمرّة على المناصب!

أعيدوا للعلم في العراق هَيْبته ومكانته، ولا تُضيّعوا أمجاد الحضارات الأصيلة التي يشهد بها الأعداء والأصدقاء على حدّ سواء!

twitter.com/dr_jasemj67