قضايا وآراء

هل انتهت دولة السياسة؟!

1300x600
لم ينتبه كثيرون إلى أن أحد أهم الأسباب التي جعلت نسبة مشاركة الناس العاديين في الانتخابات العامة تقل شيئا فشيئا، ليس فقط تدخل الإدارة في عماية التصويت والتلاعب بالنتائج، وإن كان ذلك سببا قويا بالفعل في بعض الأماكن، لكن السبب الأكثر قوة بالمعنى العميق وليس بالشكل الظاهر؛ هو شعور الناس أن "العملية السياسية" التي تبدأ أولى مراحلها بـ"الصوت الانتخابي الحر" آخذة في الضمور والتآكل شيئا فشيئا وأثرا فأثرا، لم تعد الأحزاب تمثل القوة الفكرية والجماهيرية التي كانت، ولم تعد البرلمانات تمثل القوة التشريعية التي تنظر بعين إلى حال الناس وتطور الحياة.. وبعين أخرى إلى فكرة الحق وبسط العدل.. ولم تعد الصحافة -بأي صورة كانت- تمثل صوت الحقيقة التي تكشف تدليس الحقائق أو إخفائها.

فهل هناك قنوات تم شق مساراتها في الدهاليز السفلية بين كل هذه الجهات وبين جهات أخرى، وجرت "المجاري" بينها في ما لا يُرى ولا يُسمع؟ وفيمَ يكون كل ذلك إذا لم يكن لصالح السياسة؟ أو يكون لصالح الاقتصاد؟ وفي أي جانب منه يكون؟ جانب الناس العاديين؟.. أم جانب مستر "باوندرباي"، التاجر وصاحب المصنع والمصرف في رواية تشارلز ديكنز الشهيرة "أوقات عصيبة"؟

* * *

تقول الحكاية إن أفول عصر الإقطاعي الشهير في أوروبا استغرق ألف عام تقريبا على ما يروي لنا د. جلال أمين رحمه الله، ومع بزوغ عصر النهضة في القرن الخامس عشر بدأت ملامح الصورة القديمة تختفي شيئا فشيئا وتتشكل بدلا منها ملامح أخرى، وظل ذلك كذلك ما يقرب من خمسة قرون، حتى ظهرت صورة الكائن الجديد الذي سيفرض سطوته وقوته وتمتد أطرافه الأخطبوتيه في كل مكان، وهو ما سيعرف بعدها بـ"الدولة الحديثة".. لكن ذلك في الحقيقة لن يطول.
ستظل الدولة بملامحها الظاهرة البادية القسوة والتحكم والسيطرة، وسيتم تجويفها ليسكن بداخلها ما يمكن وصفه بـ"البورد الخفي".. الذي هو مجالس إدارات كبريات الشركات التي أصبحت بحجم ما تديره من اقتصادات تساوي دولا عديدة لا دولة واحدة.. والتي أصبحت تدير وترسم حدود العلاقات الاقتصادية، فتتغير طبقا لذلك حدود العلاقات السياسية

ستظل الدولة بملامحها الظاهرة البادية القسوة والتحكم والسيطرة، وسيتم تجويفها ليسكن بداخلها ما يمكن وصفه بـ"البورد الخفي".. الذي هو مجالس إدارات كبريات الشركات التي أصبحت بحجم ما تديره من اقتصادات تساوي دولا عديدة لا دولة واحدة.. والتي أصبحت تدير وترسم حدود العلاقات الاقتصادية، فتتغير طبقا لذلك حدود العلاقات السياسية -بكل مكوناتها- وما يتبع السياسة من تغيرات وتحولات اجتماعية وثقافية وفنية.. الخ. لقد حلت الشركة محل الدولة.

* * *

الكتاب اسمه "السيطرة الصامتة، الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية" والذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية الشهيرة (العدد 336)، أما الكاتبة فهي نورينا هيرتس (55 عاما) الاقتصادية وصاحبة الدكتوراة من كامبريدج وترجمة الأستاذ يوسف الحطاب.. أرادت د. نورينا أن تنذرنا من خلال هذا الكتاب بالغ الأهمية، والذي رغم صدوره منذ أكثر من عشر سنوات لم يلق الاهتمام الكافي رغم ما تحمله فكرة الكتاب من خطورة، بـ"الأسوأ الذي سيأتي"؛ إن لم يكن قد أتى بالفعل جاء وحل المحل الأرفع في كل مكان يطلبه ويريده.

تتعرض "فكرة الديمقراطية" للتهديد والخطر و"شرعية الدولة" نفسها للاهتزاز والتشكك؛ حين تتولى هذه الشركات أدوار الحكومات، حيث السيطرة على الشعوب من خلال البرلمانات والتشريعات والسياسيين من أهل السلاطة واللسانة والكاريزما الخادعة، محولة الدولة إلى متفرج مكتوف الأيدي والمواطنين إلى أصوات بلا تأثير.. في عالم تتحكم به الأموال الطائلة والشركات العملاقة.
تتعرض "فكرة الديمقراطية" للتهديد والخطر و"شرعية الدولة" نفسها للاهتزاز والتشكك؛ حين تتولى هذه الشركات أدوار الحكومات، حيث السيطرة على الشعوب من خلال البرلمانات والتشريعات والسياسيين من أهل السلاطة واللسانة والكاريزما الخادعة، محولة الدولة إلى متفرج مكتوف الأيدي والمواطنين إلى أصوات بلا تأثير

تذكر لنا د. هيرتس في الكتاب أن أواخر الثمانينيات كانت بداية النهاية لدولة السياسة، وبداية الحكاية لدولة الشركات.. وتم تحطيم العقد الضمني القائم بين "الدولة والمواطن" الذي هو أساس المجتمع الديمقراطي، وانتشرت تلك الشركات العابرة للقارات في أمريكا وأوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأدنى والأقصى.

كانت نورينا هيرتس كزرقاء اليمامة وهي تحذر وتنذر من تلك الحالة المرعبة التي صاغت مفاهيم عن الاقتصاد والاجتماع الإنساني منفلتة من كل الضوابط الأخلاقية والإنسانية؛ مما حدثنا عنه العلامة د. عبد الوهاب المسيري - رحمه الله - وسماه ظاهرة اختفاء "المجتمع التراحمي".. سنرى في ثنايا ذلك أكبر سوءات المشهد، وهو "الإعلام المموه" ووسائله ذات الجبروت الطاغي في التأثير على البسطاء من الجماهير الغفيرة.

* * *

كعالمة اقتصاد قدمت الكاتبة لنا أطوار الرأسمالية.. حيث بداية المفهوم التقليدي عن السوق التي تضع القوانين والمعايير وتعيد توزيع الثروة وتصحح ثغرات نفسها بنفسها.. ثم الطور الثاني والذي قام على المبادئ الكينزية (نسبة إلى جون كينز الاقتصادي الإنجليزي الشهير، 1883-1946)، حيث صارت الدولة تتدخل بشكل أو بآخر في السوق لتفرض نوعا من الضوابط، ولا سيما ما يتعلق بإعادة توزيع الثروة من خلال سياسة الإنفاق الاجتماعي والإعالة للمحرومين وتبني شعار الرفاه للجميع.. في محاولة لإعادة بناء عالم حطمته الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) ولإقامة كتلة رأسمالية ثابتة هي بمثابة الحصن أمام الشيوعية.
ما الذي تعنيه الديمقراطية إذا؟.. بل وماذا تبقى أصلا من معنى لكلمة دولة وحكومة وسياسة إذا كان السياسيون بمختلف أحزابهم ينطقون باسم الشركات ومصالح الشركات؟ وما معنى التقسيمات التقليدية لما يُعرف باليمين واليسار.. إذا كانت البرامج في أغلب -إن لم يكن كل- الأحوال هي برامج تلك الشركات العملاقة؟

بنهاية السبعينات سيصبح "كينز" حكاية من حكايات الماضي لاغير.. لتأتي الثمانينيات بما أتت به.. وتكفلت الشركات المتعددة الجنسيات بنقل العدوى إلى أماكن كثيرة من العالم الثالث، وسينُقل جزء كبير من "مكونات ومتطلبات القرار السياسي" إلى أيدي تلك الشركات التي صارت تتحكم تقريبا في كل شيء، حتى بالعلاقات الخارجية للدولة! وستصبح السياسة مجرد واجهة للكارتلات (تحالف الشركات الكبرى) التي تشتري سياسيين وأحزاباً وبرامج انتخابية ومثقفين وأكاديميين وفنانين وصحفيين.

* * *

ستلقي الكاتبة في وجوهنا بهذا السؤال البسيط: ما الذي تعنيه الديمقراطية إذا؟.. بل وماذا تبقى أصلا من معنى لكلمة دولة وحكومة وسياسة إذا كان السياسيون بمختلف أحزابهم ينطقون باسم الشركات ومصالح الشركات؟ وما معنى التقسيمات التقليدية لما يُعرف باليمين واليسار.. إذا كانت البرامج في أغلب -إن لم يكن كل- الأحوال هي برامج تلك الشركات العملاقة؟

وأخيرا تحذرنا وتنذرنا "إنذار الصديق" كما يقول الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور رحمه الله.. من المرحلة الأخيرة من السيطرة وهي "نهاية السياسة" نفسها، إذا بقينا عالماً يقترف مثل هذا القبح والانحراف في السلطة والذي تموت فيه الديمقراطية نفسها حتى عند تلك الدول التي تفاخر بأنها ديمقراطية!

ولتبقى فكرة الديمقراطية نفسها على المحك السحيق.. لتطرح أصعب سؤال في التاريخ الحديث للإنسان عن السلطة والمجتمع والأفكار والبشر، رغم كل حرف خطه قلم عن ذلك الموضوع.

twitter.com/helhamamy