قضايا وآراء

أبعاد قرار مشاركة النظام الإرتري بالحرب الأهلية الإثيوبية!!

1300x600
تتدرج أهمية القرارات وخطورتها حسب الفعل الذي تريد القيام به، وكذلك تأثيرها على المحيط الذي تُتخذ فيه والفئات التي ستتأثر به.

والقرار السياسي الذي يحظى بأهمية تحكمه أربعة فضاءات مختلفة، وقد أعجبني وصف المفكر القطري الدكتور جاسم السلطان للفضاءات الأربعة عندما وصفها بأرجل الطاولة، وسماها "الطاولة السياسية" التي يجب أن يوضع عليها القرار للاختبار إن كانت تستطيع حمله أم لا.

فأرجل الطاولة السياسية للسلطان هي:

- الرِجل الأولى: الذات (قيادة النظام- كادر النظام- المنظمات الفئوية التابعة له).

- الرِجل الثانية: المحيط الاجتماعي خارج النظام وتوابعه (شعب- أحزاب- جيش- تجار.. الخ).

-الرِجل الثالثة: المحيط الإقليمي (دول الجوار- دول الإقليم- المنظمات الإقليمية).

- الرِجل الرابعة: المحيط الدولي (الدول الكبرى- دول العالم الأخرى- المنظمات الدولية).

وخطورة المحيطين الإقليمي والدولي تكمن في أنهما في حالة رصد دائم لوضع الرجلين الأولى والثانية، لا يتحركان تحركا حقيقيا إلا بعد تأكدهما من ضعفهما.

والآن فلنضع قرار مشاركة النظام الإرتري في الحرب الأهلية الإثيوبية على الطاولة السياسية.

الرِجل الأولى: قيادة النظام- كادر النظام- المنظمات الفئوية التابعة للنظام، كل هذه المنظومة يقودها رجُل واحد (أسياس) بقبضة حديدية غبية (سنوضح لاحقاً عيوب هذا النوع من القبضات)، وبالتالي ليس هناك مراكز قوة متعددة ويظهر النظام متماسكا وقويا.

النتيجة: رِجل أولى تستطيع حمل أي شيء وغير آيلة للسقوط في المدى القريب، إلا إذا حدثت بعض الأحداث التي تشجع على التمرد على صاحب القبضة الحديدية، فوقتها سينفرط العقد وتتناثر حباته، كما حدث في تونس عقب إحراق البوعزيزي لنفسه، وفي إرتريا نفسها عام 2000م عقب تمكن إثيوبيا من كسر جبهة بارنتو.

الرِجل الثانية: المحيط الاجتماعي- شعب- أحزاب- جيش- تجار.. الخ، الجميع يكاد يكون ناقما على النظام، فالروح المعنوية للجميع في الحضيض، والنظام يخوض صراعا رهيبا مع الشعب الإرتري طيلة الثلاثون عاما الماضية، قتل، واعتقال، وإخفاء قسري، وإفقار ممنهج، وجيش كل مجنديه تم تجنيدهم بغير رضاهم ولا يتلقون أي حوافز للاستمرار.

النتيجة: رِجل ثانية لا تقوى على حمل أي شيء ولا محالة آيلة للسقوط.

الرِجل الثالثة: دول الجوار والمحيط الإقليمي. إثيوبيا وحربها الأهلية هي الأكثر تأثيرا على الوضع الإرتري الداخلي، وقد انحاز النظام لأحد أطراف تلك الحرب، حيث وقف مع الحكومة الفيدرالية ومليشيات الأمهرا، وساهم مساهمة فعالة في ضرب إقليم التيغراي. وبالتالي حالة العداء مع التيغراي وصلت لمراحل يصعب الرجوع عنها، بينما الطرف الآخر للحرب الأهلية وهي الحكومة الفيدرالية تتحالف مع إرتريا تحالف المضطر، ويمكن أن تفض هذا الحلف في أي لحظة تحت الضغط الأمريكي.

وقد سبق وأن اتخذت حكومة أبي أحمد خطوات تشابه فض الحلف عندما اعترفت بالمشاركة الإرترية بينما كان حليفها أسياس ينكر ذلك، كما أنها ولو شكليا قد طلبت من النظام الإرتري الانسحاب.

فهي علاقة مؤهلة للتطور في الجانب السلبي أكثر من الجانب الإيجابي، خاصة في حالة وقع الطرفان الإثيوبيان وقف إطلاق نار وتبعه اتفاق سلام، وبالتالي كحليف لأسياس لم يتبق سوى مليشيات الأمهرا، وهي مؤهلة بشدة لمواصلة حلفها معه، فهو يقدم لها كل الدعم تدريبا وتسليحاً وتمويلاً. أما الدولة الأخرى المحاددة لإرتريا فهي جيبوتي، وجيبوتي رغم أنها في حالة قطيعة مع إرتريا منذ العام 2008م، إلا أنها لم تكن في يوم من الأيام ذات تأثير كبير على الوضع الإرتري.

والدولة الأخرى المحاددة لإرتريا هي السودان، وهي مؤثرة بشكل كبير على الوضع الإرتري، لكنها تعاني من ضغط كبير نتيجة الوضع الهش في الداخل السوداني، ومن الضغط الإثيوبي في جانبين مهمين من سيادتها، حيث حربها في الفشقة الصغرى والكبرى مع مليشيات الأمهرا الإثيوبية، لهذا هي منزعجة جدا من الحشد الإرتري في مثلث الحدود السودانية الإرترية الإثيوبية (حمديت- أم حجر- الحمرا) وهو المثلث المحادد للفشقة الكبرى، وكذلك منزعجة بشدة من تدريب وتسليح إرتريا لمليشيات الأمهرا الإثيوبية.

أما الجانب الآخر للضغط الذي تتعرض له هو عدم وصولها لتفاهمات بشأن سد النهضة وانفراد الحكومة الإثيوبية بكل ما يتعلق بالسد، ولو كان الأمر متعلقاً بالسودان لوحده لكان ضمن الظروف التي يعيشها تجاوز أمر السد، إلا أن الأمر متعلق بمصر التي سوف لن تسمح للسودان بالتراخي في هذا الملف بأي صورة من الصور.

النتيجة: هذه الرِجل ضعيفة جدا وهي بدون شك إذا استمرت الأحداث على نفس النسق آيلة للسقوط، وسيكون سقوطها أسرع مما هو متوقع لو غيّر السودان موقفه المحايد.

الرِجل الرابعة: المحيط الدولي بقيادة الولايات المتحدة التي هي في عداء تاريخي دائم لكل ما هو إرتري، وكل اللعب يتم في منطقة نفوذها، وهي تترقب بشدة نضوج عوامل الانتصار الساحق. وسوف لن تتدخل بنفسها، فسينجز المهمة حلفاؤها في المنطقة بإيعاز منها. كما أن هناك الدول الأوروبية التي موقفها في الغالب يكون تابعا للموقف الأمريكي، إلا أنها هذه المرة ربما يكون لها موقف مستقل عن الموقف الأمريكي؛ لأن النظام الإرتري أخذ يلعب في منطقتها عندما قرر اتخاذ موقف داعم للموقف الروسي في أوكرانيا.

إلا أن الموقف الكبير والمؤثر سيكون لأمريكا، رغم أن ليس لها مصالح مباشرة في إرتريا، لكن لها مصلحتين غير مباشرتين، فهناك مصالح اقتصادية كبيرة جدا لحليفتيها (كندا واستراليا) اللتين تسيطران على إنتاج الذهب والفوسفات في إرتريا، أما المصلحة الثانية غير المباشرة فهي أن لا يحدث سقوط عشوائي للنظام الإرتري، فيحدث فراغ تكون نتيجته انفلات أمني في منطقة حساسة جدا.

والمعروف عن أمريكا أنها لا تبني ردات فعلها على البروباندا الإعلامية، إنما على التحرك الفعلي على الأرض لخصمها.

فقد دأب النظام الإرتري طيلة تاريخه على شيطنة أمريكا إعلاميا لاستعطاف الشعب الإرتري واستغلال مشاعره السلبية ضد أمريكا، نتيجة الدور السلبي الذي لعبته في الخمسينات ومنعت به استقلال إرتريا. ومع أن هذا النظام الإرتري لم يصبه أي أذى منها، لكنه هذه المرة مختلف، حيث أخذ النظام يتحرك على الأرض. ففي العاشر من شباط/ فبراير 2021 صرح السفير الإرتري في موسكو بطرس ظقاي لوكالة "سبوتنيك" الروسية بترحيب بلاده ببناء روسيا مركزا لوجستيا على أراضيها.

ثم في الثاني من آذار/ مارس الماضي عارضت إرتريا مشروع قرار في الجمعية العامة يطالب روسيا بوقف الحرب فورا وسحب قواتها العسكرية، ثم أرسلت إرتريا وفدا عالي المستوى لروسيا لدعم موقفها في أوكرانيا. وأصدرت مؤخرا بيانا تندد فيه بزيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان، لدعم الموقف الصيني.

وهذه الأفعال لدى أمريكا تستوجب تقليم الأظافر، وكذلك تجعلها تتخطى عدم تحبيذها لتغيير الأنظمة أما عن عدم تدخلها المباشر والاكتفاء بالأدوات المحلية التابعة لها، فأعتقد أنها قد شرعت به بالفعل منذ مدة ليست بالقصيرة، عندما بدأ سفيرها السابق في مهاجمة النظام في عقر داره وأخذ يتواصل نهارا جهارا مع ناشطي المعارضة الإرترية في وسائل التواصل الاجتماعي.

كما أن الأدوات المحلية هذه المرة ستكون التيغراي وآبي أحمد، حيث أجبرت الأخير على الاعتراف بالمشاركة الإرترية وكذلك أن يطلب من إرتريا الانسحاب، ثم أجبرته مؤخرا على التفاوض مع التيغراي، وأنها ستصر أن تبقى التيغراي في المشهد لعدم استفراد آبي أحمد وأسياس بالمنطقة. كما أن التيغراي هي الأنسب لتكون أداتها الناجعة لترويض أسياس، وإذا استدعى الأمر إزالته.

ويبدو كذلك أنها ربطت بين التيغراي ومجموعة من تنظيمات المعارضة الإرترية في شقها المسيحي، فقد حددت الأخيرة موقفها مع التيغراي.

لكن السؤال هنا: هل للتيغراي المقدرة لإزالة نظام أسياس؟ حسب موازين القوى الظاهرة على الأرض، هذا الأمر غير وارد حاليا، بل الأقرب للمنطق لفارق القوة الكبير هو أن يتمكن أسياس وحلفاؤه من إنهاك التيغراي، بحيث لا تقوى على فعل أي شيء. وهذا السيناريو الأخير هو ما ستسعى أمريكا لتجنيبه للتيغراي، فخروج التيغراي من المشهد ليس في صالح أمريكا لمنع استفراد الحلفاء بالمنطقة.

لكن تظل هناك سيناريوهات أخرى لديها احتمالية نجاح لا بأس بها، وهذا ما سيعيدنا للحديث عن القبضة الحديدية الغبية. فمن عيوبها أنه بمجرد انهيار جزء من المنظومة يجعل كل المنظومة تنهار دون سابق إنذار لأنها تكون مهترئة. وأبسط مظاهر ذاك الاهتراء أن قادة الجيش يكونون في حالة صراع بيني يذكيه صاحب القبضة الحديدية الغبية لإحكام السيطرة عليهم.

فعلى سبيل المثال، في حرب العامين (1998-2000) عندما تمكن الجيش الإثيوبي من اختراق جبهة بارنتو انهارت كل المنظومة الأمنية في منطقتي القاش وبركة، ومساحتها تكاد تكون نصف مساحة إرتريا. وهرب الجميع عشوائيا طلباً للنجاة رغم أن المعنويات كانت وقتها في القمة، وسوءات أسياس لم تكن قد ظهرت بالمستوى الحالي. وكان الجيش الإرتري في كل بقاع إرتريا، بينما الآن المعنويات في أضعف حالاتها، والجيش الإرتري كله محتشد على الحدود مع التيغراي، فماذا لو حدث الآن اختراق مماثل؟ هل سيصمد النظام؟ أم ستصيبه لعنة القبضة الحديدية الغبية التي ستجعل منظومته تنفرط وتصبح كالمسبحة التي أنقطع خيطها؟

ومع أسفي الشديد على ذلك، إلا أن هذا هو السيناريو المرجح، في ظل استمرار الحرب وإصرار التيغراي على استرجاع الحمرا؛ لأن الحمرا بالنسبة لها قضية حياة أو موت، وإذا تمكنت من استرجاع الحمرا ستفتح بابا للإمداد من السودان وربما الحصول على دعم من السودان لاستخدام في ردع مليشيات الأمهرا. كما أن مدينة أم حجر الإرترية ستكون تحت رحمتها، وإذا تمكنت من دخول أم حجر كل منظومة النظام سينفرط عقدها.

فرئيس إثيوبيا السابق منغستو عندما اضطر للهرب كان يملك جيشا قوامه 120 ألف جندي في أسمرا لوحدها، ومع هذا اضطر للهرب، فقد علم أن كل منظومته قد انهارت، فالمنظومة ليست جيش هنا أو هناك، إنما هي سيطرة وقنوات تواصل، وهذه من السهل أن تفقد عند أصحاب القبضات الحديدية الغبية.

ختاما، الرِجل الرابعة أيضا آيلة للسقوط، وخطورتها تكمن في أنها ستستغل ضعف بقية الأرجل في إسقاط الجسم المستهدف.
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع